المغاربة لا يتخلّون عن اللباس التقليدي التراثي في رمضان رغم الغلاء
تتنوع خزانة الملابس التقليدية المغربية في رمضان، بين القفطان المغربي الذي ترتديه النساء خلال الأمسيات الاحتفالية، والجلابية المغربية المخصّصة لصلاة التراويح في المساجد، ثم "الكندورة" وهي قميص طويل من دون أكمام، والسروال الفضفاض،
يتفنّن الحرفي المغربي محمد في وضع اللمسات الأخيرة على طلبيات زبائنه، وهو يجول برشاقة وسط محلّه المخصّص لبيع الملابس التقليدية المغربية في "باب الأحد"، القلب النابض للعاصمة الرباط، متحدّثاً بابتسامة عريضة يعلوها فخر أكبر بما أبدعت يداه، عن المكانة الهامّة التي يمثلها هذا اللباس لدى المغاربة، لا سيّما في شهر رمضان الفضيل.

يقول محمد، الرجل السبعيني الذي رحّب بـ"النهار العربي" في قلب محله في المدينة القديمة، إنّه يجهد للوفاء بالتزاماته لزبائنه الحريصين دائماً على التمسّك بعادات المغاربة المتجذّرة منذ قرون والمتوارثة على مرّ الأجيال في اقتناء اللباس التقليدي المغربي وارتدائه في هذا الشهر، وهي العادة التي لم يغيّرها الزمن ولم تنسفها الأسعار الملتهبة وواقع الغلاء الذي تعيش البلاد تحت وطأته.
وتابع محمد وهو يعدّد أنواع الألبسة المغربية، قائلاً، "أسعى لتلبية الطلبات مع الاجتهاد في التصاميم والألوان، رغم الصعوبات المادية التي نواجهها منذ جائحة كورونا، ثم الآن، بسبب الغلاء الذي لم يمنع شريحة مهمّة من المغاربة من اقتناء الهندام الخاص برمضان رغم الأزمة... بات هذا التقليد أمراً مقدّساً بالنسبة لنا".
وتتنوع خزانة الملابس التقليدية المغربية في رمضان، بين القفطان المغربي الذي ترتديه النساء خلال الأمسيات الاحتفالية، والجلابية المغربية المخصّصة لصلاة التراويح في المساجد، ثم "الكندورة" وهي قميص طويل من دون أكمام، والسروال الفضفاض، و"الجبادور" المكون من جاكيت وسروال فضفاضين. أما الرجال فيرتدون غالباً الجلابية الرجالية والطربوش الأحمر أو العمامة، ليتماشى شكلها ولونها مع تراث كل منطقة في المغرب، غير أنّ المظهر الجمالي لهذه الأزياء التقليدية بأشكالها وتطريزاتها وتقطيعاتها الخاصة لا تكتمل إلاّ في حضور "البلغة"، التي يقابلها "الشربيل" بالنسبة للنساء وهي عبارة عن نعل جلدي تقليدي.

حذاء "البلغة"
حميد العوني، الصانع التقليدي لحذاء "البلغة" في سوق المدينة القديمة في الرباط، قال لـ"النهار العربي" إنّ محال بيع الأحذية التقليدية المغربية كغيرها من المحال المتخصّصة في الملابس التقليدية، تعرف انتعاشاً كبيراً في شهر رمضان، ذلك أنّ مواطني البلد يعتمدون بشكل أساسي على الملابس التقليدية وكأنّها الزي الرسمي في المناسبات الدينية واللقاءات العائلية وغيرها، لافتاً إلى أنّ نوعية "البلغة" تدلّ على طبيعة الشخصية التي تنتعلها.

ووفق ما أوضحه البائع في حديثه لـ"النهار العربي"، فإنّ أحذية البلغة التقليدية لا تزال تشهد رواجاً مهمّاً على رغم ارتفاع أسعارها بسبب الغلاء الذي امتد ليشمل قطاع الجلود والدباغة في المغرب، قائلاً: "كل هذه الأحذية تُصنع من الجلد الحقيقي، ويبقى الاختلاف الواحد مرتبطاً بأصولها، أي من جلد الماعز أو الأغنام أو الأبقار، فضلاً عن طريقة دباغتها، إما في مدابغ عصرية اعتماداً على مواد كيميائية أو في مدابغ تقليدية، إضافة إلى نوعية الخياطة، يدوية أو عبر الآلة، ولهذا تراوح أسعارها ما بين 60 درهماً و180. ومع ذلك يقتنيها المغاربة لأنّ اللباس التقليدي المغربي الكامل يستوجب ذلك".
وتعرف محال بيع الملابس التقليدية خلال الشهر الفضيل انتعاشاً كبيراً، إذ يفضّل أغلب النساء والرجال إطلالة تتماشى والأجواء الروحانية. فرغم مظاهر الحداثة في البلاد والتداعيات الاقتصادية الناجمة عن ارتفاع مستويات التضخم بشكل كبير، تفرض هذه الأزياء التقليدية نفسها بقوة، وهو تماماً ما أكّده عبد العاطي منصور، صاحب دكان في السوق التجارية في باب الأحد بالرباط، في حديث لـ"النهار العربي"، قائلاً إن "إقبال المغاربة على الجلباب المغربي بشقيه الرجالي والنسائي، يتزايد في العادة خلال شهر رمضان الكريم، بخاصة بالنسبة للباحثين عن الملابس التقليدية الجاهزة. لكن الوضع لم يعد على حاله".
تداعيات الغلاء
وأوضح منصور أنّ "الوضع الاقتصادي لا يسمح، خصوصاً أنّ الغلاء شمل المواد الغذائية والمحروقات وغيرها، ثم امتدّ إلى قطاع النسيج والملابس التقليدية المغربية، ما انعكس على الأسعار وفاقم مأساة المواطن البسيط، الذي عوض أن يقتني لكل أفراد الأسرة لباساً او اثنين صار يكتفي بزيّ واحد أو للأطفال فقط... وبالتالي الحركة الاقتصادية والإقبال ضعيفان جداً هذا العام".
وتحدث عن نوعية الزبائن، فأشار إلى أنّ بعضهم ممن تسمح لهم حالتهم المادية يطلبون الحصول على تصميم يستجيب لأذواقهم ومقاساتهم، وبالتالي يختارون نوع القماش، ويعرضونه على الخياط لتفصيل الثوب واشتغاله يدوياً أو عبر الآلة، إلى غيرها من الشروط، لكنهم يكونون ملزمين بالتوجّه إلى الصنّاع التقليديين قبل موعد شهر الصيام، أو في الأسبوع الأول، في حال ما إذا رغبوا به لعيد الفطر نظراً لكثرة الطلب.
عند باب الخياطين
ولاحظ "النهار العربي" خلال التجوال في دروب المدينة القديمة لباب الأحد، وقبل بلوغ سوق "الصباط" التقليدي، تجمهر عدد كبير من النساء والرجال في باب الخياطين وبائعي الملابس التقليدية الجاهزة ممن يستقبلون زبائنهم بواجهة مغرية، تضمّ جلابيب نسائية تقليدية تفننت في إبداعها أيادٍ ساحرة تحاول المزاوجة بين عبق تاريخ البلد واللمسات التي تساير الموضة. والتقى "النهار العربي" صفية، وهي سيدة أربعينية تحاول انتقاء الجلباب المناسب لرمضان، من بين اثنين أُعجبت بهما معاً.

تقول صفية لـ"النهار العربي" إنّها تعوّدت اقتناء أكثر من جلباب في رمضان لترتديه في صلاة التراويح، وتضيف: "هذه عادة توارثناها في العائلة، فكل سنة نقتني الجديد الذي يساير الموضة مع الحفاظ على أصالتنا المغربية التقليدية المعروفة. لكن هذه السنة الوضع تغيّر، فالأسعار بلغت سقفاً غير مسبوق وبالتالي أنا مضطرة لاقتناء واحدة فقط... الله يفرجها".
وهذا الربط بين الغلاء والملابس التقليدية، قاد "النهار العربي" صوب محمد كلموض، الأستاذ الباحث في علم الاجتماع، لتفسير سرّ إقبال المغاربة باختلاف طبقاتهم الاجتماعية على اقتناء الزي التقليدي خصيصاً لشهر رمضان، على رغم ارتفاع أسعارها بشكل غير مسبوق.
ولم يستغرب كلموض هذا الوضع، ذلك أنّ بنية المجتمع المغربي تقوم عل الارتباط بالجذور وعاداتها المتوارثة من السلف للخلف، وقال: "ليس فقط في رمضان، ففي كل المناسبات الدينية أو الاجتماعية والعائلية يُفضّل المغاربة المظهر الذي يناسبهم ويليق بهم ويعبّر عن كينونتهم وأصالتهم وجذورهم وتاريخهم، لهذا من شبه المستحيل أن تجد اللباس الحديث في هذه المناسبات، حتى وإن اشتد الغلاء، فاللباس التقليدي هو جزء من تاريخ هذا البلد وثقافته".
ويرى المتحدث أنّ هذا "الزخم الثقافي يميّز المجتمع المغربي عن مجتمعات أخرى، إذ من الصعب جدّاً أن يتمّ التفريط بطقوس الاستعداد لشهر رمضان، أو عيد الفطر أو عيد الأضحى وغيرها من المناسبات الدينية والوطنية وحتى المناسبات الاجتماعية والعادية، مع العلم أنّ كل مناسبة يُخصّص لها لباسها وفق الموروث الشعبي لكل جهة وإقليم".
من جهة ثانية، يؤكّد الأستاذ الباحث في جامعة فاس أنّ "شهر رمضان وما يحمله من قدسية في وجدان المغاربة، يعود أفراد المجتمع معه إلى خصوصيتهم في اللباس التقليدي والأكل العريق، وهذا ما يميز أغلب المجتمعات العربية الإسلامية، ويدفعهم إلى استقباله بأحسن حلّة".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض