بلغ التوتر بين رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة والأقليات الأمازيغية في ليبيا، مداه، وتحوّل إلى صدام مسلّح أدّى إلى سقوط جرحى على بُعد أمتار من الحدود الليبية مع تونس، قبل أن يسود الهدوء الحذر، وسط تصعيد في الخطاب المتبادل يُنذر باشتعال مواجهة مفتوحة.
الصدام المسلّح الأول من نوعه بين الحكومة المسيطرة على الغرب الليبي والأمازيغ، جاء بعد تمسّك الأولى بالسيطرة على معبر رأس أجدير الحدودي مع تونس، بحجة لجم عمليات التهريب الواسعة وخصوصاً الوقود، في مقابل رفض الأقلية الأمازيغية التي تنتشر في المناطق الجنوبية الغربية في ليبيا، وتمثل مدينة زوارة معقلهم الأساسي. وتعتبر تلك الأقلية أنّ إدارتها للمدينة والمعبر تمثل أحد المكتسبات الرئيسية التي حصلت عليها لقاء الدور الذي لعبه الأمازيغ في إطاحة نظام الزعيم السابق معمر القذافي.
ويُعتبر معبر رأس اجدير شرياناً حيوياً بين ليبيا وتونس، يبعد نحو 60 كلم عن زوارة (غرب ليبيا) ونحو 175 كلم عن العاصمة طرابلس، وتعبر منه مئات الشاحنات وآلاف المواطنين يومياً.
وللمرّة الثانية خلال أقل من ثلاثة أشهر، يحشد وزير الداخلية في حكومة الدبيبة عماد الطرابلسي قوات ما يُسمّى بـ"الغرفة الأمنية المشتركة" إلى مدينة زوارة، للسيطرة على معبر رأس اجدير، لكن هذه المرّة تطور الأمر إلى مناوشات مسلّحة بين قوات العاصمة ومسلحين يسيطرون على المعبر، تصاعدت وتيرتها مع إعلان المجلس الأعلى للأمازيغ في زوارة النفير العام. وأدّى الصدام إلى وقوع جرحى في صفوف "الغرفة المشتركة"، وإغلاق المعبر الحدودي "حتى إشعار آخر".
زوارة في الواجهة بعد التهميش
وقالت مصادر لـ"النهار العربي" إنّ "12 شخصاً أصيبوا بالرصاص في الاشتباكات، بينهم اثنان حالتهما حرجة، قبل أن تنسحب القوة الأمنية عبر ممر آمن فتحه مسلّحو الأمازيغ"، فيما انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي صور وفيديوات تُظهر سيطرة القوات الأمازيغية على المعبر الحدودي ورفعها الأعلام الأمازيغية على بواباته، كما تظهر سيارات مصفحة تابعة للقوة المشتركة معطوبة على إثر الاشتباكات.
وعقب إطاحة نظام القذافي، تقدّمت مدينة زوارة الصفوف بعد تهميشها طويلاً، واستولت قوّاتها على رأس أجدير وضمّت رسمياً المعبر الحدودي إلى المنطقة الإدارية الواقعة تحت سيطرة بلديتها، ومذاك التاريخ تحوّلت الأخيرة إلى مركز قوة حقيقي.
وفيما ساد الهدوء الحذر المنطقة بعد ليلة من الاشتباكات الدامية، لوحظ اشتعال الحرب الكلامية بين الطرفين المتصارعين على مناطق النفوذ، فدافعت وزارة داخلية حكومة الوحدة الوطنية عن تحرّكها، معتبرةً أنّ الأحداث التي شهدها معبر رأس أجدير "جاءت نتيجة مكافحة التهريب والتجاوزات الأمنية والظواهر السلبية"، موضحةً أنّ التعليمات صدرت بشكل فوري بإقفال المعبر "بعد تهجّم مجموعات خارجة عن القانون" عليه، و"ذلك لإثارة الفوضى وإرباك العمل".
ورأت الوزارة أنّ هذه الأفعال هي نتيجة منع التجاوزات التي تحصل، والتي يراها من وصفتهم بـ"ضعاف النفوس الذين يمتهنون هذه الأعمال كحق مكتسب"، متعهّدة "عدم السماح بالفوضى في المنفذ، ولا بدّ من أن يكون تحت سلطة وشرعية الدولة". كما توعدت بأنّ العمل "الذي قامت به تلك المجموعات الخارجة عن القانون لن يتمّ السكوت عنه، وسوف تتخذ الإجراءات القانونية وأشدّ العقوبات ضدّ المتورطين فيه".
إعلان "النفير العام"
في المقابل، دعا المجلس الأعلى للأمازيغ في ليبيا بعد اجتماع عمداء البلديات الأمازيغية، جميع الضباط والجنود إلى إعلان "النفير العام وتسخير كل الإمكانات للمجهود الحربي"، بعدما دان ما وصفه بـ"استفزازات حكومة الدبيبة التي لم تعد مقبولة"، محذّراً من "زيادة الاحتقان والدخول في حرب أهلية". وشدّد البيان على رفض "الانتهاكات المتكرّرة لفرض الأمر الواقع والهيمنة المناطقية في كل المدن الأمازيغية"، ملوحاً بخيارات مفتوحة، "ونحن نعي جيداً ما يُخطّط لنا وعلى أتمّ الاستعداد لمواجهته".
وبالمثل أكّد المجلس البلدي لزوارة الكبرى استياءه الشديد من الأحداث، محمّلاً الحكومة المسؤولية الكاملة عن الفوضى الممنهجة، والفتنة الناتجة من الأفعال الاستفزازية لصالح أجندات جهوية محدودة. وأوضح المجلس، في بيان أنّ "قوة تتستر تحت مسمّى إنفاذ القانون اقتحمت المنفذ من دون أي تنسيق مع إدارة المعبر والسلطات المحلية، وقامت بالاعتداء اللفظي على الأجهزة الأمنية، والاعتداء الجسدي على بعض المواطنين، كما قامت القوة باستعمال العنف المفرط بإطلاق أعيرة نارية أدّت إلى إصابة مواطنين اثنين من سكان قرية راس أجدير، ما أدّى إلى احتقان كبير وردّة فعل عنيفة على القوة".
وأشار البيان إلى أنّ المجلس البلدي سارع برفقة مشايخ وأعيان زوارة بالتوجّه إلى المنفذ، للوقوف على الوضع وتهدئة الموقف ودرء الفتنة "لكن الأمور أخذت منعطفاً غير متوقع للأسف، عندما تعرّض أحد أعضاء المجلس البلدي لطلق ناري من القوة، نُقل على إثره إلى المستشفى، ما زاد من حالة التوتر".
وكشف البيان عن "التحفّظ على أفراد القوة من قِبل الأجهزة الأمنية بالبلدية، ويمكن تسلّمهم".
اتهامات لوزير الداخلية
عضو مجلس النواب ربيعة أبو راص، اتهمت من جانبها الوزير الطرابلسي بـ"إفساد النسيج الاجتماعي". وقالت لـ"النهار العربي": "في وقت تمرّ البلاد بأزمة اقتصادية وسياسية خانقة، نجد من يعمّق الأزمة لتتحوّل إلى أزمة تعايش بشرخ النسيج الأمني للمنطقة الغربية الذي يشكّل توازناً بين كل الأطراف في غرب البلاد في ظلّ غياب الدستور".

وحذّرت أبو راص من أنّ تصعيد حكومة الدبيبة ضدّ الأمازيغ يوسّع من دائرة الأزمات والصراعات. ورأت أنّ الحكومة "تفرض الطابع الجهوي والانتقامي بدلاً من أن تفرض طابع الدولة والقانون والعدالة والمساواة".
لكن المحلّل السياسي الليبي محمد الأسمر، أرجع الاشتباكات التي وقعت بالقرب مع الحدود التونسية إلى "ضعف الدولة وهشاشة قدرتها على إحكام السيطرة على مفاصلها". وأضاف لـ"النهار العربي" أنّ "ما جرى هو صراع للنفوذ ومحاولة للسيطرة على المعبر الحدودي وموارده"، لافتاً إلى أنّ هذا الصراع مستمر منذ العام 2018 وتسبّب في إغلاق المعبر مرات عدة. وقال: "نحن أمام غياب لسلطة الدولة، وفي ظلّ ذلك تتقاطع مصالح الأطراف... لا يكاد يمرّ شهر إلاّ وينشب صراع مسلّح بين ميليشيا وأخرى بسبب صراعات النفوذ والسيطرة"، مشدّداً على أنّه "من دون إعطاء ملف توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية في البلاد الأولوية ستظلّ ليبيا في هذه الدائرة المفرغة".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض