"تجاوزت الخطوط الحمر"... الاستياء من "الميكروترتوار" في تونس يصل إلى البرلمان
هذه الاستجوابات التي هي عبارة عن أسئلة سريعة توجه الى المارة وتبدو في ظاهرها تلقائية تعتمد على الصدفة وعلى تلقائية المستجوب، تحوّلت بسبب المواضيع التي تطرحها ونوعية الشهادات التي تلتقطها إلى ظاهرة مزعجة لطيف واسع من التونسيين ممن اعتبروا أنّها مسيئة في نظرهم الى صورة البلد والمجتمع التونسي
استجوابات الرصيف أو "الميكروترتوار"، كما تعرف في تونس، تحوّلت إلى ظاهرة تجذب انتباه المارّة في شارع الحبيب بورقيبة والتونسيين عموماً، بعدما اكتسحت فيديوات مصورة في الشوارع مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، وأحدث بعضها ضجّة كبيرة تجاوز صداها حدود البلد.
هذه الاستجوابات التي هي عبارة عن أسئلة سريعة توجه إلى المارة وتبدو في ظاهرها تلقائية تعتمد على الصدفة وعلى تلقائية المستجوب، تحوّلت بسبب المواضيع التي تطرحها ونوعية الشهادات التي تلتقطها إلى ظاهرة مزعجة لطيف واسع من التونسيين ممن اعتبروا أنّها مسيئة في نظرهم إلى صورة البلد والمجتمع التونسي، خصوصاً أنها تنشر مادة يتجاوز صداها حدود تونس لتنتشر خارجها، في ما يقول متخصصون إنه يستدعي دراسة اجتماعية.
وتثير هذه الاستجوابات الكثير من التساؤلات بشأن طبيعة المواضيع التي تطرحها والشخصيات التي تستجوبها، رغم أنّها تحاكي النوع الصحافي المعروف بـ"الميكروترتوار" (ميكرو الرصيف) القائم على استجواب آراء الناس بصفة تلقائية وعشوائية بشأن مواضيع وظواهر معيّنة تهمهم.
"صحافيون" مجهولون واستجوابات غامضة
وفي قلب شارع الحبيب بورقيبة الكثيف الحركة في العاصمة تونس، ينتشر عدد من الكاميرات الصغيرة غير الاحترافية وإلى جانبها تقني تصوير وشابة لا يعرف إن كانت صحافية أو لا، ممسكة بالميكرفون الذي لا يحمل أي علامة تدلّ على هويتها المهنية أو الموقع الذي يُصور العمل لفائدته.
ويطرح العاملون خلف هذه الكاميرات أسئلة على المارة تتعلق بمواضيع مختلفة لكنها مثيرة لها صلة بحياتهم وعلاقاتهم الأسرية وحتى الجنسية، هناك قد تستوقفك الفتاة الممسكة بالميكرفون وتسألك بابتسامة عريضة مثلاً عن علاقتك بزوجتك أو حماتك أو عن أي موضوع شخصي آخر، من دون تقديم تبرير لسبب طرح هذا السؤال.
وعادة ما تلقى هذه الفيديوات رواجاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي وتحقّق نسب مشاهدة قياسية تعجز حتّى وسائل الإعلام التقليدية على تحقيقها.
تجاوز الخطوط الحمر
لكن هذا الانتشار الواسع لما تقدمه لم يمنع انتقادها من طيف واسع من التونسيين ممن عبروا عن غضبهم من محتواها، معتبرين أنها تسيء إلى صورة المجتمع التونسي والبلد عامةً.
وكثيراً ما علّق ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي على هذه الظاهرة مطالبين بوضع حدّ لها.
ووصل الغضب إلى تحت قبّة البرلمان، إذ تطرق النائب محمد أمين ورغي إليها خلال جلسة حضرها وزير الداخلية.
وقال النائب إن هذه الظاهرة تسيء إلى صورة تونس، إذ إن المستجوبين يطرحون أسئلة غريبة على أشخاص يبدو أنهم تحت تأثير المخدرات أو يعانون مشكلات نفسية، وهو ما رأى أنه يُسيء إلى صورة المجتمع التونسي الذي يُقدّم كمجتمع يعاني الانحراف وانتشار الجريمة والسلوكيات المشينة.
وأضاف أن هذه الفيديوات تمنح الفرصة لبعض الأجانب للحديث عن نساء تونس والإساءة إليهن، متسائلاً: "كيف تسمح الوزارة التي تقع على بعد أمتار من شارع بورقيبة لهؤلاء بالعمل، فيما لا يعملون لفائدة مؤسسة إعلامية معترف بها ولا يحملون صفة صحافي؟".
ويمنع في تونس استجواب المارة من دون حمل تصريح، ووحدهم الصحافيون الذين لديهم بطاقة اعتماد رسمية يسمح لهم بذلك.
وطالب النائب بوضع حد لهذه الظاهرة التي قال إنها "تجاوزت كل الخطوط الحمر"، وهو رأي يتوافق معه عدد كبير من المعلقين على هذه الفيديوات.
ظاهرة تستحق الدراسة
وفي قراءته لهذه الظاهرة يقول أستاذ معهد الصحافة وعلوم الأخبار والباحث في الاتصال خليل الجلاصي لـ"النهار العربي"، إن ما يقدم في استجوابات الطريق لا يرتقي إلى أن يكون عملاً صحافياً يستجيب لشروط ومبادئ "الميكروترتوار" كنوع صحافي قائم بذاته، من أهم شروطه أن يدور حول موضوع يهم مشاغل المواطن.

ويقول: "ما نشاهده هو صناعة للمحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو محتوى رديء في الحقيقة، فحتى المحتوى على هذه المنصات يجب أن يستجيب لمعايير وقيم إنسانية".
ويتابع: "ما يحدث هو أن هواة يقومون باستدراج الجمهور عن طريق سلوكيات اتصالية لا تمت بصلة إلى مهنة الصحافة ورسالتها النبيلة".
وعن إقبال الجمهور على مشاهدة هذا المحتوى ومشاركته على نطاق واسع رغم "مضمونه الرديء" كما أكد، يقول الجلاصي إنه للأسف محتوى يعتمد مبدأ الإثارة والبحث عن "الترند" الذي اكتسح اليوم مختلف منصات التواصل الاجتماعي، مشيراً إلى أن هناك منصّات صارت اليوم تقتصر على تقديم هذا النوع فقط من المحتوى.
ويرى أن ثمة إصراراً على استجواب أشخاص يبدو أنهم يعانون اضطرابات اجتماعية ونفسية، لاستغلالهم والحصول على تصريحات مثيرة يتم توظيفها في مرحلة لاحقة ضمن سرديات السوشيل ميديا التي يتحكم فيها منطق الإثارة و"الترند".
ويعتبر أن هذه الظاهرة في حاجة لدراسة اجتماعية أكثر منها لدراسة اتصالية، فـ"اليوم انقلبت الصورة ولم يعد هناك نجوم التلفزيون وصار هناك نجوم السوشيل ميديا"، وفق تعبيره.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض