إذا سمعت من أحدهم أنّ المواطن الليبي قد يتعرّض للتوقيف وربما السجن في حال ضُبطت بحوزته في العاصمة طرابلس (غرب ليبيا) ومحيطها، عملة محلية من فئة 50 ديناراً، وأنّ الشخص نفسه قد يتعرّض للسجن أيضاً إذا انتقل إلى مدينة بنغازي (شرق ليبيا)، ورفض تسلّم العملة من تلك الفئة او تداولها، فلا تدع عقلك يذهب إلى أنّ قاص الرواية يسخر أو يُنكّت، فهذا واقع بلد يعيش في أحد التجلّيات الصارخة للانقسام.
ففئة الـ50 ديناراً باتت مُطاردة في مدن الغرب الليبي وتُكال الاتهامات بأنّها سبب الأزمة الاقتصادية، بل وأنّها أحد أوجه "مؤامرة روسية"، في حين يستنفر قادة شرق البلاد للدفاع عنها وإبراء ذمّتها.
حظر تداول وخوف من التزوير
ومنذ الانقسام السياسي في عام 2014، تُتداول في ليبيا عملتان للفئة الواحدة بسبب الطبع لدى جهتين مختلفتين، لكن الجدل بشأن ورقة الـ50 ديناراً اشتعل خلال الأيام الأخيرة مع تداول بيانات من المصرف المركزي الليبي تكشف عن دراسة سحب ورقة البنكنوت من فئة الـ50 ديناراً وحظر تداولها، عازياً الخطوة إلى تخوف المصرف من "ارتفاع معدلات التزوير فيها واستمرارها، واتساع نطاق تداولها وتعذّر تمييزها من قِبل المواطنين".
وتوسعت الروايات والشائعات في الأوساط الليبية، حتى ذهب البعض إلى القول إنّ روسيا سلّمت آلة طباعة عملات إلى المتحكّمين في مقاليد القرار بشرق ليبيا، وأنّها عمدت إلى طبع كميات هائلة من هذه الفئة من العملة المحلية، بهدف تمويل احتياجات مدن الشرق وإعادة الإعمار. وأمام اتساع نطاق تداول هذه الروايات، سارعت السفارة الروسية في ليبيا إلى نفيها.
ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل دخل رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة على خط القضية، كاشفاً عن معلومات أمنية تُفيد بشراء 200 مليون دولار في أسبوع واحد بالأموال المزورة.
وتوعّد الدبيبة خلال اجتماع مجلس الوزراء الثلثاء الماضي، بالكشف عمّا سمّاه "خيوط المؤامرة التي تُحاك لاستغلال أوضاع الناس وتضييق معيشتهم لفرض أجندة معينة".

وفي الشطر الشرقي المقابل، دافع رئيس الحكومة الموازية أسامة حماد عن فئة الـ50 ديناراً، مشدّداً في بيان على أنّ قرار إصدار فئات العملة وسحبها من التداول يجري وفق تشريعات نافذة، قائلاً إنّ قانون المصارف من اختصاص محافظ المصرف المركزي ونائبه ولا بدّ من أن تصدر العملة بموافقتهما، ويسبق تنفيذه تنبيه وفترة زمنية لا تقلّ عن 6 أشهر حتى تُسحب العملة نهائياً من التداول، وهذا ما لم يحصل.
تعميم أمني
وبالتوازي مع هذا البيان، عمّمت أجهزة الأمن في بنغازي أوامر بضبط ومعاقبة كل من يرفض التعامل بفئة الـ50 ديناراً، مشيرة إلى أنّ العملة الورقية من هذه الفئة مقبولة لدى كل المصارف.
وأكّد مدير مديرية أمن بنغازي اللواء احمد الشامخ، أنّ جميع فئات العملة قابلة للتداول وفقاً للتشريعات النافذة وقانون المصارف، وأي قرار بشأن سحبها وإصدارها يسبقه تنبيه وفترة زمنية لا تقلّ عن 6 أشهر حتى سحبها نهائياً. وشدّد على أنّ رفض التعامل بهذه العملة يعدّ "جريمة يُعاقب عليها القانون ويؤثر في الاقتصاد الوطني والتداول التجاري".
ومن جهته، أكّد جهاز البحث الجنائي في بنغازي، أنّ العملة الورقية من فئة الـ50 ديناراً مقبولة لدى كل المصارف، وأنّ رفض التداول بالعملة المحلية يُعدّ جريمة يُعاقب عليها القانون الليبي. ولفت، في منشور، إلى ملاحظة رفض بعض أصحاب الأنشطة التجارية والأسواق العامة في الآونة الأخيرة التداول أو التعامل بالعملة الورقية فئة 50 ديناراً، مشيراً إلى "كثرة الإشاعات والأقاويل عن هذه الظاهرة"، وأنّه وفق البيان الصادر عن مصرف ليبيا المركزي يُدرس قرار سحب هذه الفئة وفقاً لضوابط وآلية سحب سيُعلن عنها لاحقاً. كما حذّر جهاز البحث الجنائي جميع الأشخاص والمؤسسات التجارية من الانخراط في هذه الظاهرة، منبّهاً إلى أنّه سوف تُتخذ الإجراءات القانونية ضدّ كل من يرفض التعامل بهذه الفئة من العملة الليبية.
ضبابية ولا معلومات حاسمة عن التزوير
أستاذ الاقتصاد علي الشريف أكّد أنّه "إذا كان هناك بالفعل عملة مزورة فهو أمر بالغ الخطورة، من شأنه ضرب الاقتصاد الوطني، لكن مسألة تداول الفئات النقدية أو سحبها من الأسواق وحظر تداولها هو اختصاص أصيل للمصرف المركزي ومجلس إدارته وفقاً للقانون، وليس للسلطات التنفيذية، وحتى الآن لم تصدر أي قرارات بهذا الشأن من المصرف".
وأضاف لـ"النهار العربي": "حتى الآن لم تُثبت مسألة تزوير فئة الـ50 ديناراً، وحتى الخطابات المتداولة لم توضح آلية هذا التزوير ومدى انتشاره... مسألة سحب ورقة نقدية واستبدالها بغيرها يخضع لحسابات عدة من بينها مسألة عرض النقود في السوق، فهناك كتلة نقدية ضخمة تُتداول في السوق الليبية تصل إلى 150 مليار دينار، ولا نعلم نسبة تداول فئة الـ50 من بين هذه الكتلة النقدية".
وندّد الشريف بالضجّة الكبيرة بشأن هذه القضية "التي تلقي مزيداً من الآثار السلبية على الاقتصاد الليبي وتخلق جدلاً وارتباكاً في الأسواق يؤثر في التداول التجاري، كما قد تدفع من يمتلكها إلى محاولة التخلّص منها ولو بسعر أقل". وحمّل مسؤولية انتشار عملات مزورة، في حال صحتها، للانقسام السياسي والوضع الأمني، ما أدّى إلى تفشي الفساد وتوغل اقتصاد الظل.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض