خلافاً لغيره من الأشهر القمرية، لشعبان تقدير كبير لا يضاهيه إلا شهر رمضان، كما له طقوسه الخاصة في مجالس الجزائريين، حتى بات كثيرون يعتبرونها رمزاً من رموز الثقافة والهوية الجزائريتين.
ويحظى الشهر بترحيب لافت لا يختلف عن الترحيب برمضان، حتى أنّ له مكانة في الحكم الشفوية المتوارثة أو الأمثال الشعبية، ومن بين ما قيل عن شعبان أو "التشعبينة": "شعبان اللي عندو حبيبو يبان".
طلب العفو والصفح
المقصود بهذا المثل الشعبي التراثي حسبما كشفته السيدة الستينية حميدة، ابنة إحدى العائلات الأصيلة في مدينة جيجل الساحلية، أن "يقيم كبير العائلة أو شيخها دعوة عشاء رسمية لبناته وعرائس البيت، وعادةً في فترة ما قبل النصف الأخير من شهر شعبان، وخلال هذه الدعوة يتمّ تحضير أشهر الأكلات التقليدية في المنطقة، وعلى سبيل المثال أكلة البويشة أو بوقشش التي تُحضّر أيضاً لمناسبة الاحتفال بقدوم عاشوراء، ويُحضّر هذا الطبق بالسميد الجاف والتمر وزيت الزيتون، وتُخلط هذه المكونات إلى غاية تجانسها وتُملأ بها معدة الخروف المعروفة محلياً بالدوارة أو الكرشة التي تحافظ عليها ربات البيوت منفوخة منذ عيد الأضحى". ويكمن سرّ الطبق حسبما أوضحت حميدة لـ"النهار العربي" في "مدة طهوه التي تستغرق 8 ساعات كاملة".
والأهم من طهو الأطباق، تؤكّد حميدة أنّ "الاحتفال بهذه المناسبة يتجاوز الأكل إلى هدف لمّ شمل الأسرة وإعادة تواصل القلوب وطلب العفو والتغاضي عن الذنب والصفح عن المخطئ، وهي صفة من صفات المحسنين وخلق من أخلاق الكرام".
وتقول السيدة التي تحافظ على تقاليد الأجداد، إنّها ورغم رحيل والديها لا تزال تلتزم وشقيقاتها تجسيد هذه العادات والتقاليد التي لا يجدي معها النسيان والتناسي.
ليلة 29 من شعبان
طقوس أخرى يرصدها "النهار العربي" في منطقة "سيدي محمد بن علي" التابعة لمحافظة غليزان (إحدى مدن الغرب الجزائري). تقول السيدة مليكة المتشبثة بهذه العادات الضاربة في التاريخ، رغم تأثيرات الحداثة على سلوكيات الأفراد، إنّ "فترة التشعبينة تشمل ليلة 29 من شعبان، أي ليلة الشك لترقّب هلال شهر رمضان المعظم".
ففي هذه الليلة، تلتفت سيدات البيت الى تحضير طبق محلي تقليدي غني عن التعريف، يجمع بين المذاقين الحلو والمالح، ما يضفي عليه نكهة لذيذة، تختلف تسميته من منطقة إلى أخرى، إذ يُطلق عليه "تيغرفن" باللهجة القبائلية، و"ثيملين" باللهجة الميزابية.

وتقول إنّه "يتمّ تقديم هذا الطبق سهرة التاسع والعشرين، وفي العادة يُرفق بكأس من شاي الصحراء الجزائرية والمعروف محلياً بالتاي، وهو أشهر شاي على الإطلاق، وعادةً يُقدّم كوجبة في السحور لأنّه مساعد على الهضم ومدّ الجسم بطاقة إيجابية تزيد القدرة على مقاومة الجوع والعطش".

"الفنطازيا" عادات متأصّلة
وفي غرداية (حاضنة القصور التاريخية، الواقعة على بعد 600 كلم جنوب الجزائر العاصمة) تُقام احتفاليات سنوية. ويقول طالب أحمد الشيخ إنّ "التشعبينة هي عادة احتفالية متوارثة من أهل الجنوب تختلف من منطقة إلى أخرى، ويُعبّر عنها بعادات وتقاليد احتفائية مستوحاة من التراث وتعبيراً عن الفرحة بحلول شهر رمضان".
وخلال الأيام الأخيرة من شهر شعبان، تُقام مثلاً في منطقة "متليلي" و"الشعابنة" ومحافظة "غرداية" ألعاب "الفنطازيا" و"الخيل" و"المهاري"، كذلك يجتمع أهل هذه المناطق في قصبة بحضور أهل الشعر الشعبي الملحون. وجميعهم يحرصون على ارتداء الزي التقليدي الذي يُرتدى عادةً في المناسبات الوطنية والرسمية وكذلك حفلات الزواج.

وخلال هذه الأيام المباركة أيضاً، يشير الشيخ إلى "انشغال النسوة بتحضير الأكلات الشعبية التقليدية مثل المقلوڨة أو المطبقة أو كسرة الشحمة والرفيس والتديبة، كما تشهد البيوت في هذه الفترة حركة لتجهيز توابل الأكل والطهو، مثل طهو ما يُعرف بالحساء (الحريرة) الذي يُصنع من زنبوا وهو قمح وشعير مطبوخ ويُستعمل بكثرة في شهر رمضان".
ويختم بالقول إنّ "التشعبينة هي عادة متوارثة من جيل إلى جيل، غايتها ترسيخ العادات والتقاليد وتقوية أواصر المحبة والتعاون والتكاثف، وتعكس تشبث المجتمع الغرداوي بكل موروثه الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة".
وللجمال نصيب
ولـ"التشعبينة" مسمّى آخر في مدينة "الورود" البليدة التي تقع في شمال البلاد على سفوح جبال الأطلس، فسكان هذه المنطقة يحتفون بما يُسمّى "الشعبانية". هنا تقول السيدة كلثوم إنّ "النساء يقصدن هذه الأيام الحمامات التقليدية، وهو واحد من الموروثات التي تأبى الجزائريات الاستغناء عنه، وطبعاً يقصدنه بعد إتمام حملات النظافة داخل البيوت التي تستغرق عادةً أكثر من شهر، وإعداد العولة التي تشمل حفظ البازلاء في المجمّد ونقع الحمص المجفف مما يراد طبخه هذا الشهر، واقتناء الفواكه المجففة كالزبيب والبرقوق والمشمش وبعض من أنواع المكسرات، ومنهن من يحضّرن "الديول" وهي عبارة عن رقائق عجين دائرية الشكل تُستخدم في طهو "البوراك المقلي".
وبعد انتهاء النساء من الخدمات التجميلية، تقول كلثوم إنّ "الكثيرات منهن يقصدن منازل آبائهن للمكوث فيها لمدة أسبوع واحد، وغالباً يكون الأسبوع الأخير من شهر شعبان".
وطبعاً تختلف هذه العادات من مدينة إلى أخرى، فالجزائر "قارة" ليس فقط لأنّها أكبر دولة في العالم العربي، وهي أكبر دولة في إفريقيا والعاشرة على مستوى العالم، بل أيضاً من ناحية تعدّد العادات والتقاليد وتنوعها. ففي إحدى مدن الشرق الجزائري تسمّى "التشعبينة" بـ"الشعبانية" والتي يُقصد بها ليلة 27 من شعبان، وتلقّب في هذه المدن بـ"ليلة الوديعة" وأيضاً ليلة "جبر السوايل"، والمقصود بذلك "ليلة التصدّق بالأموال المودعة والمدخرة لجبر خاطر السائلين من المحتاجين".
وفي مدن أخرى من الجنوب والجنوب الغربي الجزائري، تفرض العادات والتقاليد على المكلفين بالصيام الاستعداد الروحي للشهر الفضيل بـ"تطهير النفس من العداوة والقطيعة مع الغير"، وتقول الأعراف في هذه المناطق إنّه "لا يصح صيام من كان في قلبه عداوة أو خصام أو ضغينة لقريب أو جار".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض