29-02-2024 | 06:20

التسوّل في الجزائر... وسيلة للخلاص من الفقر أم مهنة وقت الحاجة؟

لأن الظاهرة قد أخذت منحى تصاعدياً خطيراً، وضع قانون العقوبات المعدل حديثاً من طرف نواب البرلمان جرائم التسول تحت المجهر، إذ تم إدراج التسول بالقاصر أو تعريضه للتسول في إطار جماعة إجرامية منظمة مقترحاً عقوبة الحبس من 5 سنوات إلى 10 سنوات.
التسوّل في الجزائر... وسيلة للخلاص من الفقر أم مهنة وقت الحاجة؟
Smaller Bigger

على مدار أكثر من خمس سنوات خلت، تفترش دلال وشقيقتاها وابنة إحداهما، زاوية من كشك تابع لخدمة "الترامواي" الذي يصل بلدات العاصمة الجزائرية بعضها بالبعض الآخر، يستعطفن المارة للحصول على المال. معظمهن مطلقات وغير مرحب بهن في بيت أبيهن الذي تزوج مجدداً بعد وفاة والدتهن.
 
الغرق في عالم المخدرات
لكن ما يلفت الانتباه طيلة هذه السنوات، أن بعضهن ولجن إلى "عالم المخدرات والأنشطة الإجرامية" وأصبحن يشكلن تهديداً حقيقياً للمارة، ففي غالب الأحيان يستعملن العبارات والألفاظ الخادشة للحياء العام التي تميل إلى الابتذال، وخصوصاً إذا فشلن في استعطاف المارة. والأمر المؤسف وفق ما يلحظ مواطنون أنهن "أدخلن الطفلة الصغيرة إلى هذا العالم، والذي كما قال عنه أحد أئمة المسجد الحرام إن الداخل فيه مفقود والخارج منه مولود، والمخدرات جماع الشر ومجمع الضر ومستودع المفاسد وملتقى المصائب ومكمن الشر".

وللأسف فإن هذه الفتاة البريئة التي لا ذنب لها في هذه الحياة، لم تكمل حتى الطور الابتدائي رغم امتلاكها لمؤهلات تمكنها من بلوغ حتى المستوى الجامعي، فاحترفت التسول وأصبح همها الوحيد تأمين ما تأكله من الطعام يومياً بعدما ولجت والدتها البيولوجية السجن بتهم خطيرة.

غياب الردع
غير بعيد عن هذه الحالات، ثمة أخرى كثيرة تسيطر على مداخل الطرقات الرئيسية بغرض استعطاف أصحاب السيارات، لكنهم أطفال قادمون من عمق القارة السمراء ويتوزعون على المرافق العمومية ومحطات النقل، فالظاهرة عرفت منحى تصاعدياً من حيث انتشارها، سواء من طرف السكان المحليين الأصليين أو من طرف المهاجرين واللاجئين القادمين من دول إفريقية عديدة.
 
  
ويقول عضو لجنة الشؤون القانونية والحريات في المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان) حسان زايري لـ"النهار العربي" إن "تفاقم التسول وأنماطه اليوم يفرض على المتخصصين في علم الاجتماع ورجال الدين تفسير هذه الظاهرة والخروج بتوصيات"، معتبراً أن "هذه الظاهرة من مخلفات العشرية السوداء التي أسفرت عن وضع اقتصادي واجتماعي صعب".
 
"منحى تصاعدي خطير"
ويعتقد المتحدث أن "ثمة العديد من الأسباب التي أدت إلى بروز هذه الظاهرة، أهمها عدم قيام الجمعيات بدورها المنوط بها لا سيما الخيرية إلا القليل منها"، وهنا يستدل بـ"جمعية كافل اليتيم وهي جمعية خيرية هدفها توفير الرعاية المادية والنفسية والصحية للأيتام فاقدي السند"، ويشير أيضاً إلى "الجمعيات الخيرية الجزائرية لإطعام الصائمين في شهر رمضان".

ولأن الظاهرة قد أخذت منحى تصاعدياً خطيراً، وضع قانون العقوبات المعدل حديثاً من طرف نواب البرلمان جرائم التسول تحت المجهر، إذ تم إدراج التسول بالقاصر أو تعريضه للتسول في إطار جماعة إجرامية منظمة مقترحاً عقوبة الحبس من 5 سنوات إلى 10 سنوات.

لكن وفق خبراء قانونيين ومشرّعين يبقى هذا غير كاف في ظل غياب الردع القانوني في محاربة هذه الظاهرة. ويقول زايري إن "المشكلة ليست في غياب القوانين وإنما في عدم تطبيقها لعدة أسباب أبرزها المحسوبية".

أشكال التسول
وحسب دراسة حديثه أعدها الدكتور الجزائري حسان بوسرسوب، وهو باحث دكتوراه علوم وأستاذ جامعي بقسم علم الاجتماع، فإن ظاهرة التسول في المجتمع الجزائري لها الكثير من الأشكال والأساليب المتبعة التي تختلف عن الأساليب المتبعة في العصور الوسطى والعصور الحديثة، وأرجع صاحب الدراسة ذلك إلى اختلاف العادات والتقاليد والسمات التي يتميز بها كل عصر.

وذكر على سبيل المثال اصطحاب الأطفال ولا سيما من بهم إعاقة أو عاهة إلى المساجد والأماكن التي يرتادها الجمهور بهدف إثارة غريزة الشفقة والعطف، وأخطر الأشكال استئجار الأطفال من أسرهم لأجل التسول مقابل نسبة ثم القيام باصطناع عاهات وهمية ومشبوهة.
 
"مهنة وقت الحاجة"
ولخص صاحب الدراسة أسباب التسول في خمس نقاط، أهمها الفقر والبطالة اللذان يعتبران من أهم أسباب وعوامل انتشار التسول في المجتمع الجزائري، ناهيك عن ضعف الدخل وكبر حجم الأسرة، وقد تكون كثرة الأولاد مع قلة الموارد من الأسباب التي تؤدي إلى التسول.

إضافة إلى هذا يذكر صاحب الدراسة عامل الطمع والجشع، إلى درجة أن ثمة من أصبح يتخذها مهنة أو حرفة يلجأ إليها وقت الحاجة، ثم تصبح لديه عادة مكتسبة أو متوارثة ويلجأ إليها لما يجنيه من أرباح وأموال من دون جهد أو تعب.
 

وبالنسبة للمتخصص في علم الاجتماع التربوي منصر بورنان، فإن "ظاهرة استغلال الأطفال في التسول من طرف عصابات وشبكات إجرامية أمر لا يخفى على أحد، ففي كل مدينة يتوزعون رجالاً وأطفالاً ونساءً".
 
عصابات وشبكات استغلالية
وتعتمد هذه العصابات حسب حديث بورنان لـ"النهار العربي" على عدة عوامل أهمها "اختيار أهم المواقع الاقتصادية المعروفة بتجاوب العابرين فيها مع هذه الفئات التي تستثمر بالدرجة الأولى في تعاطف الجزائريين، ويتوزع المتسولون عادة على المساجد ومحطات القطار والحافلات وأمام المراكز التجارية الكبرى والمحلات الفخمة وغيرها".

ويلفت إلى أن "معظم هذه الفئات ابتكرت طرقاً جديدة للتسول أو التحايل، مثل أن يطلب شخص المساعدة من أجل العودة إلى مسقط رأسه لأنه تعرض إلى السرقة، وثمة من ينتحل هوية مستثمرين قدموا إلى أرض الوطن من أجل الاستثمار في صحراء البلاد، غير أنه تعرض أيضاً للسرقة وفقد جميع ما كان يملكه وأصبح في حاجة ماسة للمساعدة، وفق ما يدّعون".

ومن الأساليب المبتكرة أيضاً حسب الباحث في علم الاجتماع التربوي "انتحال هوية لاجئين سوريين".

وثمة من وفروا لأنفسهم مستوى معيشياً تجاوزوا به حتى الأغنياء"، ففي عام 2015 ألقت مصالح الأمن الجزائري القبض على متسول كان ينتحل هوية لاجئ سوري يمتلك حسابات بنكية بها أموال تصل إلى حدود 700 مليون سنتيم أي ما يعادل 700 ألف دولار أمريكي و 15 ألف يورو.

وتم القبض على المتسول أمام مسجد في محافظة المنيعة وهي ولاية جزائرية تقع في الجنوب الجزائري، وأثيرت الشبهات حوله بعدما لوحظ أنه ينتحل صفة واحد من ضحايا الحرب في سوريا ويطلب المساعدة باللهجة السورية.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.