29-02-2024 | 06:05

مؤسّسات عموميّة تونسيّة مترهّلة... الخصخصة هي الحلّ؟

كانت تلك المؤسسات الاقتصادية الصناعية من أهم عناوين سيادة تونس واستقلالها وركيزتها في التأسيس للدولة الجديدة ولاقتصادها الناشئ الذي أولى أهمية بالغة للنشاط الصناعي من دون إهمال القطاعين الفلاحي والسياحي. ومن بين هذه المؤسسات الرمزية، مصنع الفولاذ في منطقة منزل بورقيبة في ولاية بنزرت والمختص في نشاط التعدين.
مؤسّسات عموميّة تونسيّة مترهّلة... الخصخصة هي الحلّ؟
Smaller Bigger
تحظى مؤسسات عمومية بمكانة خاصة في وجدان التونسيين، وبرمزية استثنائية بالنظر إلى أنها تأسست مباشرة بعد الاستقلال على يد بناة الدولة الحديثة من أركان حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، وفي مقدمهم الوزير الأسبق أحمد بن صالح. ففي تلك الفترة تنامى الحس الوطني تنامياً لافتاً لدى التونسيين الذين خاضوا معارك التحرير ضد الاستعمار، ونجحوا في افتكاك استقلالهم وانطلقوا بحماسة في تشييد تونس الحديثة بعدما أزاحوا أيضاً النظام الملكي.
 
كانت تلك المؤسسات الاقتصادية الصناعية من أهم عناوين سيادة تونس واستقلالها، وركيزتها في التأسيس للدولة الجديدة ولاقتصادها الناشئ الذي أولى أهمية بالغة للنشاط الصناعي من دون إهمال القطاعين الفلاحي والسياحي. ومن بين هذه المؤسسات الرمزية، مصنع الفولاذ في منطقة منزل بورقيبة في ولاية بنزرت والمتخصص في نشاط التعدين، ومعمل عجين الحلفاء والورق في القصرين، والمجمع الكيميائي الصناعي الذي يضم فروعاً في عدد من الولايات ويقوم بتحويل مادة الفوسفات وتكريرها واستخراج مكونات عدة منها، وغيرها.
 
المجمع الكيميائي الصناعي.
 
عبء على الدولة
وبمرور الوقت تقادمت هذه المؤسسات وتجهيزاتها وأغرقت بالعمال والموظفين، في إطار سياسة تشغيلية اتبعتها البلاد للقضاء على البطالة في وقت ما، وأنهكتها كثرة إضرابات النقابات العمالية، ولم تعد وحدها تحتكر النشاط الذي تأسست من أجله بعد انفتاح البلاد في سبعينات القرن الماضي على الاستثمارات الخاصة، سواء المحلية أم الأجنبية. كل تلك العوامل مجتمعة جعلت بعض هذه المؤسسات يخسر باستمرار ولا يحقق الأرباح التي كان يحققها في الماضي، وصارت مؤسسات عدة عبئاً على الدولة التي تضخ لها المال لإنقاذها عوض أن تدر هي على الدولة. 
 
وتعالت أصوات داخلية عديدة تطالب بخصخصة هذه المؤسسات، أي التخلي عنها كلياً أو جزئياً للقطاع الخاص، كما طالب صندوق النقد الدولي بدوره بإيجاد حل لها كشرط من شروط إقراض تونس، بينما يصر رئيس الجمهورية قيس سعيد، الذي زار أخيراً بعض هذه المؤسسات، على عدم التفريط بها وتسانده في ذلك المركزية النقابية، الاتحاد العام التونسي للشغل، ويحظى هذا التوجه كذلك بدعم شعبي.
 
منطق الربح والخسارة
وفي هذا الإطار يرى الخبير والباحث التونسي في الاقتصاد عماد بالرابح في حديث إلى "النهار العربي" أنه "يجب النظر إلى هذه المؤسسات العمومية بعيداً من منطق العاطفة ومن كونها تنتمي إلى الزمن الجميل الذي بنى فيه الآباء والأجداد هذا الوطن وقدموا من أجله التضحيات، بل بمنطق الربح والخسارة، في وقت يبدو الاقتصاد التونسي بحاجة إلى إيقاف نزيف الإنفاق على هذه المؤسسات من جهة، وإلى ضخ أموال في الخزينة من عملية بيعها كلياً أو جزئياً من جهة أخرى".
 
مصنع الحلفاء والورق في القصرين.
 
ويضيف: "إذا كانت الدولة تخشى من تسريح العمال في حال التفريط بهذه المؤسسات، بإمكانها أن تتفاوض مع الطرف الذي سيشتري هذه المؤسسة أو تلك ونتفق معه على عدم تسريح أي عامل أو التسريح مقابل تعويض عادل يرضي من سيتم تسريحهم. كما بإمكانها أن تبيع أسهماً وتحتفظ لنفسها بأسهم لا يهم مقدارها، لكن المهم أن تعود لها سلطة القرار في المسائل الاجتماعية المتعلقة بحقوق العمال الذين لديهم أيضاً نقابات وبإمكانها الدفاع عن حقوقهم في كل الحالات، سواء أكانت المؤسسة على ملك الدولة أم على ملك القطاع الخاص".
 
إمكان الإصلاح
في المقابل، يرى خبراء بأن الدولة بإمكانها إصلاح هذه المؤسسات العمومية وعدم خصخصتها، وخصوصاً أنها نجحت سابقاً في إنقاذ بعض المؤسسات العمومية من دون بيعها جزئياً أو كلياً على غرار مؤسسة البريد التي باتت تحقق أرقاماً محترمة من الأرباح، وتقدم خدمات عالية الجودة أهلتها لتحتل مراتب متقدمة في التصنيف العالمي. كما أن نشاط التعدين مهم جداً للدولة، وبالتالي فإن التفريط بمصنع الفولاذ من دون إصلاحه سيمثل خسارة لتونس، وهو الذي يوفر لها على سبيل المثال الأعمدة الكهربائية المعدنية والسكك الحديدية وحديداً مخصصاً للبناء ومنتوجات أخرى تحتاجها الأشغال العامة. 
 
ويقول الناشط المدني والحقوقي صبري الثابتي لـ"النهار العربي" إن "التفريط  بهذا المصنع المهم سيمثل جريمة بحقه وبحق عماله والمتعاملين معه ممن يجمعون نبتة الحلفاء ويبيعونها إلى المصنع، بخاصة أن الإصلاح ممكن وهو أفضل الحلول". ويضيف أن منتجات مصنع الورق وعجين الحلفاء مطلوبة وقادرة على المنافسة، وهو ما اضطر المغاربة مثلاً إلى فرض ضرائب على الدفاتر التونسية بالنظر إلى جودتها وانخفاض ثمنها وعدم قدرة المنتجات المغربية على منافستها.   
 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.