نشّطت ليبيا المنقسمة بين حكومتين في شرق البلاد وغربها، تعاونها الاقتصادي مع مصر من بوابة عقود الإعمار وتعزيز التبادل التجاري والاستثمار. وباتت القاهرة وشركاتها وجهة لحكومتي ليبيا من أجل توقيع عقود بملايين الدولارات ضمن حصة مشاريع إعادة الإعمار الضخمة والمخطط تنفيذها في مدن شرق ليبيا وغربها.
ويبلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وليبيا نحو مليار و500 ألف دولار، وسط طموح لمضاعفة هذا الرقم، وفقاً للغرفة التجارية المصرية.
عقود بالجملة لإعادة الإعمار
ومن ضمن أبرز العقود التي تم توقيعها، تنفيذ 11 جسراً جديداً، 6 منها في مدينة درنة (شرق ليبيا) التي ضربتها فيضانات "دانيال" في أيلول (سبتمبر) الماضي، بالإضافة إلى ثلاثة جسور في مدينة بنغازي، ثاني أكبر مدن ليبيا بعد العاصمة طرابلس، وجسرين في أجدابيا، وفقاً لما أعلنه مدير صندوق إعادة إعمار درنة والمناطق المتضررة بلقاسم خليفة حفتر، خلال توقيع العقود مع رئيسي شركة "نيوم" المصرية إبراهيم العرجاني، وشركة وادي النيل هاني ضاحي.
ترافق ذلك مع توقيع وزارة الاستثمار في الحكومة الموازية في شرق ليبيا اتفاقية لإنشاء خط سكك حديد يربط بين مدينتي بنغازي (شرق ليبيا)، ومدينة مرسى مطروح الساحلية (أقصى غرب مصر).
وأوضحت الوزارة في بيان أن الاتفاقية التي وقعها وزير الاستثمار علي السعيدي مع جهاز تنفيذ وإدارة مشروع الطرق الحديدية في الصين، وممثل عن ائتلاف شركات "BFI" الصينية، ستدخل حيز التنفيذ فور تسلم الخرائط المعتمدة للمشروع، معتبرة أن المشروع من شأنه أن يحقق "قفزة كبيرة في قطاعات النقل، إذ تقبع الدولة الليبية في مراكز متأخرة بين دول العالم في النقل البري والسكك الحديد".
"قناة سويس برية"
وبينما لم توضح الحكومة المكلفة من مجلس النواب مدى مساهمة الجانب المصري في المشروع ولا السقف الزمني لإنجازه، مكتفية بالقول إنه يندرج ضمن خطة لربط مناطق واسعة من ليبيا بالسكك الحديد، إلا أنه يتواكب مع مشروع القطار الكهربائي الفائق السرعة الذي بدأت القاهرة تنفيذه أواخر عام 2022 مع شركة "سيمنز" الألمانية، ويوصف بـ"قناة سويس برية"، إذ يربط بين مدينتي العين السخنة المطلة على البحر الأحمر، ومرسى مطروح على ساحل المتوسط، مروراً بالقاهرة والجيزة، كما يتزامن مع كشف النقاب عن خطة مصرية لتطوير مرسى مطروح، تتضمن مشاريع سياحية وإنشاء موانئ على ساحل المتوسط متاخمة للحدود مع ليبيا.
ومن شأن اكتمال تلك المشاريع، المتوقع خلال خمس سنوات، تسهيل حركة نقل الأفراد والبضائع بين المدن المصرية والليبية، وعدم الاكتفاء بمنفذ السلوم البري الحدودي الوحيد بين البلدين.
وكان وزير النقل المصري كامل الوزير قد أعلن في آذار (مارس) العام الماضي أن بلاده تعتزم بناء خط سككي سريع يربط مصر بالسودان جنوباً وليبيا غرباً بتكلفة 23 مليار دولار.
تعاون مع طرفي الصراع
التعاون الاقتصادي لا يقتصر على حلفاء العاصمة المصرية في شرق ليبيا، بل امتد إلى حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة والتي تسيطر على العاصمة طرابلس ومؤسساتها، بعد شهور من القطيعة، ووصل خلال الأيام الأخيرة وزير الاقتصاد والتجارة في حكومة الوحدة محمد الحويج ورئيس مجلس إدارة المؤسسة الوطنية للنفط فرحات بن قدارة إلى القاهرة، في زيارتين منفصلتين، عقدا خلالهما محادثات مع المسؤولين المصريين لتعزيز التعاون الاقتصادي.
ومن اللقاءات التي عقدها الحويج، محادثات في مقر السفارة الليبية في القاهرة مع نائب رئيس الهيئة العامة للاستثمار المصرية أحمد الشريف ورئيسة اتحاد المستثمرات العرب هدى يسى، بحضور أصحاب الأعمال ومستثمرين مصريين وعرب. وأكد خلالها الوزير الليبي أن تشريعات بلاده المنظمة للاستثمار "مشجعة لكل المستثمرين"، متعهداً "تقديم كل المزايا التنافسية بما يخدم مصلحة البلدين سعياً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي ورفع مستوى المعيشة للشعبين الشقيقين".
وأكد الشريف الفرص الواعدة للاستثمار في ليبيا، لكنه طالب بضرورة تبادل المعلومات بين البلدين، سواء على مستوى التشريعات المنظمة للاستثمار أو تحديد الفرص الاستثمارية والمشاريع المستهدفة، فيما عبرت رئيسة اتحاد المستثمرات العرب عن اهتمامها بالاستثمار في ليبيا كمعبر يصل إلى العمق الأفريقي.
وخلال الزيارة، أعلنت وزارة الاقتصاد في حكومة الوحدة، في بيان، اهتمام عدد من الشركات المصرية بإقامة مصانع لاستغلال الثروة السمكية، وأخرى لتحلية المياه ومعالجة مياه البترول، بالإضافة إلى إقامة مصانع داخل ليبيا في مجال الأثاث والملابس القطنية والمقاولات والمبيدات الزراعية العضوية الصديقة للبيئة. وأكد الحويج أن اجتماعاته "خطوة مهمة لتشجيع الشركات المصرية على دخول السوق الليبي من خلال إقامة مصانع، لتحقيق الشراكة الاقتصادية وفق الفرص المتاحة".
وفي أعقاب تلك المحادثات بأيام قليلة، بحث رئيس مجلس إدارة المؤسسة الليبية للنفط مع وزير البترول والثروة المعدنية المصري طارق الملا في القاهرة "فرص مساهمة الشركات المصرية في تنفيذ المشاريع البترولية في ليبيا في ضوء توجهها لتكثيف الأنشطة والمشاريع خلال الفترة المقبلة".

وأكد الوزير المصري خلال اللقاء الذي جرى على هامش المؤتمر الدولي للطاقة الذي عقد الثلثاء الماضي في القاهرة، "جاهزية الشركات المصرية لبدء العمل والتعاون مع الجانب الليبي في تنفيذ المشاريع داخل ليبيا"، كما أكد "جاهزية مراكز التدريب المتخصصة في قطاع البترول لتدريب الليبيين في ضوء طلب الجانب الليبي التعاون".
فرص في المشاريع النفطية
وأكد بن قدارة، من جانبه، وجود فرص ومجالات عديدة للتعاون مع مصر في تنفيذ المشاريع النفطية داخل ليبيا، خصوصاً مع وجود مساهمات سابقة متميزة للشركات المصرية البترولية. كما أعرب عن رغبة الجانب الليبي في بحث فرص الاستعانة بخدمات الشركات المصرية في مجال حفر آبار النفط والغاز حيث يتم تكثيف أعمال الإنتاج وطرح مناطق جديدة للبحث والاستكشاف.
وتترافق تلك التطورات الاقتصادية، مع إعادة تطبيع العلاقات بين القاهرة وأنقرة، وسط معلومات عن وساطة مصرية بين الفرقاء الليبيين في الشرق والغرب، لتخفيف حدة الصراع والعودة إلى طاولة مفاوضات الحل السياسي.
لكن المحلل السياسي حسين المسلاتي يؤكد أن الانفتاح المصري على غرب ليبيا "ليس وليد التطورات الأخيرة، فالقاهرة طوال الوقت تؤكد حرصها على وحدة ليبيا، وقنوات الحوار مفتوحة مع جميع الأطراف، صحيح أن لقاءات المسؤولين المصريين مع رئيس حكومة الوحدة الوطنية غابت خلال الفترة الأخيرة، لكن السفارة المصرية موجودة في طرابلس وثمة لقاءات مستمرة على مستوى عال مع المسؤولين هناك، وعلى رأسهم رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس المجلس الأعلى للدولة الجديد محمد تكالة وسلفه خالد المشري، بالإضافة إلى مساهمة الشركات المصرية في المشاريع التي تُنفذ في طرابلس، والتبادل التجاري وحركة البضائع المصرية لم تنقطع"، موضحاً لـ"النهار العربي" أن "القاهرة حليف حقيقي لقيادات شرق البلاد لكنها طوال الوقت تلعب دوراً للوساطة مع جميع الأطراف في غرب البلاد لمحاولة حلحلة الانسداد السياسي".
ويشدد المسلاتي في الوقت نفسه على أنه "في علوم السياسية ليس هناك عداوة مستمرة، وبلا شك فإن عودة العلاقات بين القاهرة وأنقرة ستعود بالنفع على المشهد الليبي وتخفف حدة الاستقطاب بين أطرافه".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض