هاجس "الإفلات من العقاب" يجمّد مشروع قانون العقوبات البديلة في المغرب
اتجهت النية بالأساس إلى تدعيم المنظومة الحقوقية لمواكبة التطورات التي يشهدها العالم بعد أن بدا للبعض أن هذه المنظومة تأخرت كثيرا مقارنة بالضفة المقابلة للمتوسط وحتى مقارنة بتونس القريبة التي سُنت فيها قوانين تتعلق بالعقوبات البديلة والتعويض عن الإيقاف وغيرها منذ ما قبل الثورة.
قررت لجنة العدل والتشريع في مجلس المستشارين، وهو الغرفة الثانية في البرلمان المغربي، تجميد مشروع قانون العقوبات البديلة وإرجاءه إلى أجل غير معلوم، ما أثار استياء العديد من المنظمات الحقوقية في الداخل المغربي وفي الخارج. وكان مجلس النواب، أي الغرفة الأولى للبرلمان، قد وافق على تمرير مشروع القانون في وقت سابق، وكان من المنتظر أن تسير الغرفة الثانية على خطى الغرفة الأولى لكن صوت المعارضة في مجلس المستشارين كان هو الغالب.
عدم جاهزية
وبحسب مشروع القانون الجديد الذي صادقت عليه الحكومة المغربية أيضاً قبل عرضه على البرلمان بغرفتيه، فإن العقوبات البديلة المقترحة لن تطبق إلا على الجنح التي لا تتجاوز عقوبتها 5 سنوات سجناً ولا يمكن أن يتم تطبيقها على الجنايات. كما يمنح المشروع للقاضي سلطة تقديرية لتفعيل عقوبات بديلة من العقوبة السجنية على غرار عقوبة التشغيل للمصلحة العامة، وعقوبة المراقبة الإلكترونية، وعقوبة تقييد بعض الحقوق والحريات على غرار حرية التنقل، كما يمكّن هذا المشروع القاضي من فرض تدابير علاجية أو تأهيلية.
اتجهت النية بالأساس إلى تدعيم المنظومة الحقوقية لمواكبة التطورات التي يشهدها العالم، بعدما بدا للبعض أن هذه المنظومة تأخرت كثيراً مقارنة بالضفة المقابلة للمتوسط وحتى مقارنة بتونس القريبة التي سُنت فيها قوانين تتعلق بالعقوبات البديلة والتعويض عن الإيقاف وغيرها منذ ما قبل الثورة.

واتجهت النية بالأساس عند إعداد مشروع القانون إلى التقليل من الاكتظاظ داخل السجون، والتقليل من المصاريف المالية المهمة التي تتحملها الدولة المغربية إنفاقاً على السجناء، بمن فيهم الموقوفون على ذمة التحقيق والذين قد لا يثبت ارتكابهم الجرم فيتم الإفراج عنهم.
كذلك اتجهت نية أصحاب المبادرة التشريعية إلى الحد من الآثار السلبية للعقوبات السجنية من خلال تمكين المستفيدين من العقوبات البديلة من إعادة التأهيل والاندماج داخل المجتمع. وقام أصحاب المشروع بالتمييز بين ثلاثة أنواع من العقوبات البديلة، هي العمل للمصلحة العامة، والمراقبة الإلكترونية، وتقييد بعض الحقوق وفرض تدابير رقابية أو علاجية أو تأهيلية. لكن كل هذه الخطة الإصلاحية تم إجهاضها أو وأدها في المهد من قبل الغرفة الثانية للبرلمان، وبدا كأن المغرب الرسمي والشعبي غير جاهز في الوقت الحالي للانخراط جدياً في هذا المسار الحقوقي.
خطوة إلى الوراء
وفي هذا الإطار يرى الباحث في "المركز المغاربي للبحوث والدراسات والتوثيق" مروان السراي، في حديث إلى "النهار العربي"، أن "من المؤسف أن لا يتم تمرير مشروع قانون يتعلق بالعقوبات البديلة في المغرب في القرن الحادي والعشرين، إذ من المفروض السير قدماً وبنسق حثيث باتجاه تدارك التأخير الكبير في المجال الحقوقي". لقد كان من المفروض، برأي السراي، أن تتم المصادقة على مشروع القانون من قبل غرفتي البرلمان، وأن يتم وضع مجموعة من الإجراءات والتدابير حرصاً على حسن تطبيق هذه العقوبات البديلة، وذلك إلى جانب البحث عن كل ما لا يتماشى ومنظومة حقوق الإنسان الدولية في بعض الإجراءات الجزائية في القانون المغربي.
ويضيف: "إن مرتكبي الجنح الذين ينتفعون بالعقوبات البديلة ليسوا بخطورة من ارتكبوا الجنايات، وبالتالي يمكن إسعافهم بالعقوبات البديلة وتمكين الدولة من استغلالهم في عمل يعود بالنفع على الجميع. كما أن العقوبات البديلة التي تم العدول عنها برفض المصادقة على مشروع القانون، هي أحد الحلول لظاهرة الاكتظاظ داخل السجون ولمعضلة إثقال موازنة وزارة العدل بالإنفاق على السجناء".
ويلفت إلى أن "العقوبات البديلة تقي مرتكب الجنحة من خطر الاختلاط بمرتكبي الجنايات، خصوصاً إذا تعلق الأمر بشبان من غير أصحاب السوابق يخشى من تحولهم إلى مجرمين حقيقيين. فعادة ما يتحول من زلت قدمه مرة واحدة إلى مجرم حقيقي عند نهاية عقوبته السجنية، فيقوم بارتكاب جرائم أخرى نتيجة الاختلاط داخل السجن بالمجرمين الخطيرين".

إفلات من العقاب
ويرى البعض الآخر أن من الصعب الإقرار بأن العقوبات البديلة ستكون حلاً لأزمة الاكتظاظ داخل السجون مثلما سوّق لذلك أصحاب مشروع قانون العقوبات البديلة، لأن هذه المسألة لها أبعاد متعددة وحلول متعددة ليس من بينها بالضرورة العقوبات البديلة. ومن بين أسباب الاكتظاظ في السجون، اللجوء المكثف إلى الإيقاف التحفظي أثناء مرحلة التحقيق، وبطء المحاكمات نتيجة القوانين الإجرائية البالية التي تضع آجالاً طويلة للتقاضي، ويضاف إلى ذلك العدد المحدود من القضاة مقارنة بعدد الملفات الكبير، وعدم اللجوء كثيراً إلى آلية السراح الشرطي، ومحدودية إجراءات الصلح.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن من حق المجتمع المغربي أيضاً، في إطار الدفاع الاجتماعي، وبعد تفشي الجرائم تفشياً لافتاً، أن يعتبر العقوبات البديلة إفلاتاً من العقاب، وأن يرغب بمعاقبة من ارتكب جرماً ومنع اختلاطه بالمواطنين الصالحين مجدداً قبل قضاء فترة عقوبته السجنية، لأن تمتعه بالعقوبات البديلة قد يشجعه على العودة والاستخفاف بالجرم، فيما يرى البعض الآخر أن في مسألة إقرار الخطية المالية بديلاً من السجن تحولاً للسجون المغربية إلى مأوى للجانحين الفقراء دون الأغنياء الذين يمكنهم شراء عقوباتهم. فهل يحسم هذا الجدل في المرحلة المقبلة؟
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض