اتسعت رقعة الرفض في محافظات جزائرية عديدة وحتى في البرلمان، ضدّ تطبيق قانون المضاربة الذي لجأت إليه السلطات الجزائرية بعد إقراره في البرلمان للتحكّم في الأسواق المحلية، وتسبّب في سجن العشرات من التجار بقضايا متعلقة بالمضاربة في السلع والرفع غير المبرر الأسعار.
ومنذ مدة تشهد المدن الجزائرية احتجاجات متفرقة لعائلات الموقوفين والمدانين، لمطالبة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بإعادة النظر في قانون العقوبات، وحتى بعض العقوبات المسلّطة على الموقوفين في قضايا المضاربة.
انتقل السجال بشأن الملف من الشارع ومواقع التواصل الاجتماعي إلى أروقة البرلمان وحتى خطابات السياسيين في البلاد، وبدا واضحاً تأثر البرلمانيين، إذ ندم الكثير منهم في جلسة برلمانية للمجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان)، لمناسبة مناقشة قانون العقوبات الجديد حضرها وزير العدل، على تمرير القانون من دون تنظيم مجالات تطبيقه، وانتهزوا فرصة حضور الوزير ليقصّوا عليه معاناة مسجونين بتهمة المضاربة غير المشروعة.
خلل في التطبيق
ودعا النائب البرلماني عماري عبد الله إلى "إعادة الأمور إلى نصابها وإعفاء التجار الصغار من الملاحقات بتهم المضاربة بالمنتجات ذات الاستهلاك الواسع". وقال: "ما لاحظناه أنّ مفتعلي الأزمات السابقة التي مسّت بعض المواد الأساسية كالزيت والحليب والسميد، هم كبار البارونات الذين يحكمون قبضتهم على أسواق السلع الأساسية، بينما وقع بعض التجار البسطاء ضحايا التعسف في تطبيق هذا القانون".
وطلب النائب طرباق عمر من وزير العدل حافظ الأختام رشيد طبي، نقل رسالة للرئيس الجزائري بأن "يصدر عفواً رئاسياً عن المظلومين قبل حلول شهر رمضان"، وقدّم له تقريراً مفصّلاً يتضمن شهادات وتصريحات عائلات بعض التجار الذين ضُبطت بحوزتهم كميات من الزيت أو السميد أو الحليب، وهي المواد التي كان العثور عليها في فترات سابقة حلماً صعب المنال بسبب ندرتها، معتبراً أنّ "قانون المضاربة غير المشروعة تسبّب في تشريد عائلات بأكملها".

وأظهر النائب إبليلة عفيف مخاوفه من أن "يلقى قانون العقوبات نفسه مصير قانون مكافحة المضاربة غير المشروعة الذي استصدر في 28 كانون الأول (ديسمبر) 2021، والذي ينص على أحكام تعاقب المتورطين في هذه الجرائم وتصل إلى 30 سنة سجناً والسجن المؤبد إذا ارتُكبت الجريمة في إطار جماعة منظّمة". وبحسب النائب فإنّ "المشكلة أحياناً ليست في القانون بقدر من يشرف على تطبيقه وكيفية فهم نصوصه، ولنا في قانون المضاربة مثال على ذلك".
وأبدى النائب البرلماني أحمد ندمه وحسرته، وقال: "نحن كنواب نتحمّل جزءاً من المسؤولية، مع أننا أكّدنا في تاريخ المصادقة عليه على أن يكون متعلقاً بمحاربة المضاربة التي يقوم بها التجار الكبار أي البارونات الذين لديهم نية إحداث الندرة، وركن النية أساس الجريمة". وأضاف: "ثمة سوء تطبيق للقانون، وانجرّت من وراء هذا مأساة حقيقية راح ضحيتها العشرات".

ضحايا يناشدون الرئيس
وتعج مواقع التواصل الاجتماعي بصور وفيديوات لأهالي وأبناء أشخاص مسجونين بتهمة المضاربة غير المشروعة، وقد وجّهت تنسيقية محلية لعائلات ضحايا التطبيق السيئ لقانون المضاربة غير المشروعة رسالةً إلى الرئيس تبون، تطالبه فيها بالتدخّل "لإنصاف بعض الموقوفين الموجودين خلف القبضان بتهم ثقيلة وقاسية نتيجة تكييفات خاطئة للوقائع، أفرزت أحكاماً قاسية وشرّدت عائلات بأكملها وأضرّت أكثر مما نفعت".
وأكّد أهالي ضحايا التطبيق السيئ لقانون المضاربة غير المشروع "اتفاقهم مع مسعى الدولة والرئيس في حماية القدرة الشرائية للمواطن والحفاظ على الاقتصاد الجزائري وحماية الأمن الغذائي"، لكنهم استدركوا بأنّ "التطبيق المتسرّع للقانون على أرض الواقع أفرز خللاً وتجاوزات أدّت إلى أضرار غير مقصودة، وألحقت الضرر بالكثير من التجار الذين أدينوا بأحكام ثقيلة وخسروا حرّيتهم وتجارتهم على أخطاء لم تكن فيها نية الإضرار باقتصاد الوطن أو إلحاق الأذى بقوت المواطن من خلال إحداث الندرة في السوق، بل أخطاء بسيطة لم يكن فيها ركن القصد الجنائي متوفراً".
وبحسب الأرقام الواردة في نص "نداء الاستغاثة" الموجّه إلى تبون، فإنّ "الأحكام الثقيلة ألحقت الأذى والضرر بقرابة 1400 عائلة وجدت نفسها بين ليلة وضحاها بلا سند ولا معيل، وحين يكون ربّ الأسرة بين القضبان وتتقطع موارد الدخل، فإنّ النتيجة هي الفقر والتشرّد وما ينتج منه من مختلف الآفات التي ستنخر النسيج الأسري والاجتماعي وتؤثر سلباً على النظام العام".
واختتم أصحاب الرسالة نداءهم بالقول إنّ "الغالبية العظمى للمساجين في إطار هذا القانون ليست لديهم سوابق قضائية، والكثير منهم سُجنوا خطأ ولحقت بهم أضرار كثيرة". وناشدوه "إعادة النظر في أحكام القانون والأحكام المطبّقة على المخالفين".
عائلات دخلت عالم الفقر
وخارج أسوار البرلمان، تعالت أصوات قادة الأحزاب السياسية للمطالبة بإعفاء التجار الصغار من الملاحقات بتهم المضاربة بالمنتجات ذات الاستهلاك الواسع، وقالت الأمينة العامة لحزب العمال اليساري لويزة حنون إنّ "هذا القانون تسبّب في دمار عائلات ولجت عالم الفقر، بسبب سجن معيلها، وهو ما يجبرنا اليوم على المراجعة، لأنّ ما قد يحدث يوسّع الأزمة الاجتماعية بسبب ارتفاع عدد العاطلين من العمل".

ووفق تصريحات الأمينة العامة لحزب العمال اليساري، فإنّ "تداعيات هذا القانون تجاوزت حدود الوطن، إذ تمّ الحكم على مواطنين تونسيين بعد الاستئناف بـ 5 سنوات سجناً نافذاً، على خلفية اتهامهم بممارسة المضاربة غير المشروعة، لأنّهم كانوا ينقلون بضائع مدعومة إلى خارج التراب الجزائري".
وذكرت حنون أنّ "هناك أشقاءً من تونس أتوا لكي يشتروا مؤونة، وجاؤوا في حافلات وليس حتى سيارات، ما يعني أنّه لم يكن بحوزتهم بضائع كثيرة، وهم مضطرون لذلك بسبب تداعيات رفع الدعم عن الكثير من المواد ذات الاستهلاك الواسع وتسبب هذا في اتساع رقعة الأزمة الاجتماعية والفقر والجوع".
ومن جهته قال رئيس حزب "جيل جديد" (تقدمي) سفيان جيلالي، في مقال رأي نُشر في موقع محلي إنّ "هناك بعض المؤشرات التي تؤكّد بوضوح أنّ هناك ضحايا لتجاوزات، فهناك بعض المخالفات البسيطة، وفي أحيان أخرى تمّ إعداد بعض التقارير خارج أي قاعدة قانونية مشروعة. والمتهمون هم شباب وأحياناً أكاديميون وآباء العائلات والرجال والنساء الذين ليس لديهم أي شيء أو القليل جداً ليلوموا أنفسهم عليه، يجدون أنفسهم محكومين بالسجن لمدة 7 أو 10 سنوات، ستُدمّر حياتهم وحياة أسرهم إلى الأبد من دون أن تخدم هذه العقوبات أي غرض في حل مشاكل السوق، وهي كمثل ضربة سيف قاتلة في الماء".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض