تزخر مدينة تونس العتيقة بأبوابها العديدة الجميلة التي تحكي قصة التاريخ والحضارة في هذا البلد. وكان للمدينة العتيقة سور خارجي أزيل في عهد دولة الاستقلال التي تعللت بتسهيل حركة المرور من المدينة العتيقة وإليها، بعدما نشأت في محيطها أحياء جديدة ارتبطت بها اقتصادياً.
واليوم يتناقل تونسيون في مواقع التواصل الاجتماعي بكثير من الاستياء صوراً قديمة للمدينة العتيقة لعاصمتهم قبل إزالة سورها الخارجي. ويعتبر كثيرون أن إزالة هذا السور ساهمت في تغيير وجه المدينة والعبث بتراثها. ولم يتبق من السور إلا بضعة أبواب وهي باب البحر، أو باب بحر باللهجة التونسية، وباب الخضراء وباب سعدون وباب منارة وباب الجديد، وتحولت هذه الأبواب إلى معالم نادرة.
اختفت أيضاً أبواب عديدة بعدما هدمت مع سور المدينة، ومنها باب سويقة وباب العسل وباب الجزيرة وباب عليوة وباب بنات وباب سيدي قاسم وباب قرطاجنة وغيرها. ولم يبق من هذه الأبواب إلا أسماؤها التي أُطلقت على الأحياء الملاصقة لها والتي أصبحت مفتوحة على العالم الخارجي بعدما كان السور يحميها. وكانت أبواب المدينة تغلق ليلاً ويتولى الجند الحراسة ويمنعون الغرباء من ولوج الحاضرة التونسية.

وقد ساهم هذا الهدم في تغيير وجه مدينة تونس العتيقة تغييراً لافتاً وفي فقدانها من الخارج لطابعها العربي الإسلامي ولسحرها الشرقي الذي ميزها طيلة تاريخها، والذي لا يتجلى اليوم إلا إذا تم التوغل في أعماق المدينة والتجول بين أزقتها الملتوية. فمدينة تونس العتيقة بأسوارها وأبوابها كما تظهر في الصور القديمة لا علاقة لها بمدينة تونس العتيقة الحالية التي فقدت كل بريقها وسحرها الشرقي من الخارج، وترابطت شوارعها في غياب السور مع شوارع الأحياء الجديدة المحيطة بها، والتي تم إنشاء بعضها خلال الفترة الملكية والبعض الآخر خلال الحقبة الاستعمارية ومع دولة الاستقلال وأصبح المشهد هجيناً.
تعدٍّ على الآثار
يرى الباحث التونسي في التاريخ والتراث فيصل الذوادي في حديث لـ"النهار العربي" أن قرار هدم سور مدينة تونس العتيقة كان "قراراً سيئاً اتخذته دولة الاستقلال التونسية، وهو لا يقل سوءاً عن السماح للمواطنين بالبناء في المنطقة الأثرية في قرطاج التي تضم كنوزاً أثرية بانتظار الحفريات وأعمال التنقيب. كما أن أجزاء مهمة من أسوار تونس العتيقة وأبوابها بُنيت بحجارة وأعمدة جُلبت من المنطقة الأثرية في قرطاج، وبالتالي لها رمزيتها المعنوية باعتبارها تنتمي إلى واحدة من أعظم حضارات العالم التي عاش معها التونسيون قمة مجدهم".

ويضيف الذوادي: "كان ثمة نوع من الاستهتار بتاريخ المدينة وتراثها وعراقتها وطابعها العربي الإسلامي الذي يُعتبر السور والأبواب من أهم مكوناته إلى جانب المسجد الكبير والأسواق المحيطة به. وتكون الأسواق النظيفة غير الملوثة هي الأقرب إلى المسجد، وذلك على غرار سوق العطارين حيث تباع العطور، وسوق الشواشين الذي تصنع فيه الشاشية أي الطربوش التقليدي الخاص بالتونسيين والمختلف عن الطربوش التركي والطربوش المغربي، وأما الأسواق التي تضم الحرف الملوثة فتكون عادة في أطراف المدينة بعيداً من المسجد".

ويضيف أن "غياب مكوّن مهم من مكونات المدن العتيقة العربية الإسلامية، على غرار السور وأبوابه عن المدينة العتيقة لتونس، يجعل المدينة غير مكتملة الأركان ومنقوصة ونشازاً في محيط متناعم. وفي كل الحالات من ألطاف الله أن دولة الاستقلال في تونس لم تُزل أسوار باقي المدن التونسية وأبوابها، فلا تزال مدن القيروان وصفاقس وسوسة وبنزرت والحمامات وغيرها تحافظ على أسوارها، إما كلياً أو جزئياً".
الإدماج الاقتصادي
في المقابل، يؤيد الناشط في المجتمع المدني في مجال صيانة التراث وحفظه سليم الشاهد تسهيل التنقل من المدينة العتيقة لتونس العاصمة وإليها، من خلال إزالة السور الذي لم يعد ضرورياً لحماية المدينة، مثلما لم يعد ضرورياً إغلاقها ليلاً بوجه الغرباء والمتطفلين كما كانت عليه الحال في الماضي. ويقول: "اليوم نحن بحاجة إلى إدماج المدينة العتيقة في الحركة الاقتصادية والسياحية، وتسهيل تدفق الناس على معالمها وأسواقها التقليدية من خلال إنشاء محاور عديدة للدخول إليها والخروج منها، بصرف النظر عن الطرق التي تمر بأبوابها القديمة والتي لم تعد وحدها تفي بالحاجة".

ويضيف: "لكن حقيقة ما لا أفهمه شخصياً ولا أستسيغه هو كيف يتم الإجهاز على كثير من أبواب المدينة وعلى القصبة التي هدمت وتغيرت معالمها، وهي التي شُيدت في عهد الدولة الحفصية، وربما قبل ذلك في فترة حكم بني خراسان التي تلت غزو قبائل بني هلال وبني سليم العربية لتونس وقضائها على الدولة الزيرية أو الصنهاجية في مدينة القيروان. كيف يعقل أن يتم تهديم باب الجزيرة وباب عليوة وباب القرجاني وباب سيدي قاسم وباب بنات وباب سويقة وباب الأقواس وغيرها ومعها القصبة، وهي معالم أثرية وتاريخية قيمة، بكل تلك السهولة وبجرة قلم وبقرار غير مدروس اعتدى على الذاكرة الوطنية والموروث التاريخي والثقافي والحضاري للمدينة العتيقة؟".
ويلفت الشاهد إلى صور عديدة قديمة يمكن من خلالها رؤية هذه المعالم المهدمة والتغييرات الكبيرة التي طرأت على المدينة العتيقة نتيجة لهذا "الاعتداء الذي لا مبرر له، والذي لولاه لكانت مدينة تونس أجمل وأكثر أصالة وعراقة وتمسكاً بتاريخها وجذورها". ويتابع: "وجبت إذاً حماية المعالم المتبقية من أبواب لم تهدم وأسواق ومساجد وقصور وبيوت ومدارس وغيرها حتى لا يكون مصيرها كمصير السور والقصبة والأبواب المهدمة والمعالم الأثرية الآيلة للسقوط داخل المدينة العتيقة للعاصمة التونسية التي تعتبر كنزاً تاريخياً وثقافياً وتراثياً اسثنائياً، وهو ما أهّلها لتكون ضمن قائمة الأونيسكو للتراث العالمي".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض