28-01-2024 | 05:05

أزمة بين الجزائر ومالي بعد إلغاء اتفاق 2015... سيناريوات فوضى خطيرة

دخلت العلاقات بين الجزائر ومالي في أزمة دبلوماسية غير مسبوقة، بعد إعلان السلطات الانتقالية المالية، الخميس الماضي، إنهاء العمل باتفاق السلام مع حركات "الأزواد"، الموقّع في الجزائر عام 2015.
أزمة بين الجزائر ومالي بعد إلغاء اتفاق 2015... سيناريوات فوضى خطيرة
Smaller Bigger
دخلت العلاقات بين الجزائر ومالي في أزمة دبلوماسية غير مسبوقة، بعد إعلان السلطات الانتقالية المالية، الخميس الماضي، إنهاء العمل باتفاق السلام مع حركات "الأزواد"، الموقّع في الجزائر عام 2015. وقد جاءت هذه الخطوة بعد حرب سجالات أعقبتها تصريحات مضادّة نشبت عقب استقبال الجزائر للإمام المالي الشهير الشيخ محمود ديكو.
 
 
وأبدت وزارة الخارجية الجزائرية، في بيان أصدرته بعد ساعات من إعلان السلطات الانتقالية في مالي عن قرارها، "قلقها العميق حيال إنهاء السلطات المالية اتفاق السلام والمصالحة المنبثق عن مسار الجزائر"، ووصفت هذه القرارات بـ"المؤسفة" وغير المرحّب بها، وقالت إنّها "قد أثبتت في الماضي أنّ الخيار العسكري هو التهديد الأول لوحدة مالي وسلامة أراضيها، وأنّه يحمل في طياته بذور حرب أهلية، ويؤخّر المصالحة الوطنية بدلاً من تقريبها ويشكّل في نهاية المطاف مصدر تهديد حقيقي للسلام والاستقرار الإقليميين".
 
مخاوف جزائرية من حرب أهلية
وأوضحت الخارجية أنّ "الجزائر أخذت علماً بالقرار المالي، وتريد الإشارة إلى خطورته بخاصة بالنسبة لمالي نفسها، وللمنطقة برمتها التي تتطلع إلى السلام والأمن، وللمجتمع الدولي برمته الذي وضع كل ثقله ووسائله المتعددة لمساعدة مالي في العودة إلى الاستقرار من خلال المصالحة الوطنية".
وتُعدّ الجزائر الدولة الضامنة والراعية بتكليف دولي لتنفيذ اتفاق السلام المُبرم بين الحكومة المركزية في باماكو وحركات "الأزواد" التي تمثل السكان الطوارق في شمال مالي الواقعة على الحدود مع الجزائر.
 
والاتفاق الذي تمّ توقيعه عام 2015، تضمّن حزمةً من التدابير والإجراءات لتثبيت السلام في المنطقة، وحتى تحسين الخدمات المعيشية في مناطق معينة، وأخيراً دمج قوات الحركات المسلّحة في الجيش المالي.
 
وخاطبت الخارجية الجزائرية في صلب البيان، الشعب المالي عوض السلطة الانتقالية في باماكو بالقول: "من واجب الجزائر اليوم إخطار الشعب المالي الشقيق، وهذا الأخير يدرك جيداً أنّ الجزائر لم تتقاعس يوماً عن العمل على تنفيذ اتفاق السلام والمصالحة في مالي المنبثق عن مسار الجزائر، بإخلاص وحسن نية وتضامن لا يتزعزع تجاه مالي".
 
تداعيات أمنية واقتصادية
وتنطوي هذه الخطوة بحسب خبراء ومحلّلين على مخاطر أمنية واقتصادية، ويقول أستاذ العلوم السياسية البروفيسور نور الصباح عكنوش لـ"النهار العربي" إنّ "القرار المالي منتظر منذ مدة ومتوقع ويعبّر عن موقف أحادي من سلطة الأمر الواقع في باماكو، خدمةً لأجندات خارجية تسعى منهجياً لاستعمال القوة في إدارة أزمة داخلية".
وبإنهاء العمل باتفاق السلام مع حركات "الأزواد"، يؤكّد المحلّل السياسي الجزائري إنّه "يُراد لها أن تبقى في حالة مأزومة، من طرف جهات وغرف تفكير خارجية تعمل بالمال والسلاح على إنتاج بيئة احتراب، في بلد يمثل عمقاً حيوياً للجزائر ويحتاج شعبه للأمن والاستقرار، لا سيما وأنّه مغيّب عن قرار مفصلي خطير من طرف سلطة انتقالية لا يحق لها الفصل في مسائل استراتيجية من دون استشارة أو استفتاء المواطن المالي".
 
ومنذ فترة قصيرة، دخلت مالي فصلاً جديداً من فصول الصراع الذي أصبح يلازمها منذ بداية الحرب في 16 كانون الثاني (يناير) 2012، مع إعلان تنسيقية "الحركات الأزوادية" التي ينضوي تحت لوائها مجموعة من المتمردين الانفصاليين في شمال مالي، في أيلول (سبتمبر) الماضي الحرب على باماكو، ودعت إلى التعبئة العامة في صفوفها، حتى أنّها طلبت من المدنيين المشاركة في عملياتها العسكرية.
 
"خطوة غير محسوبة"
ويقول فؤاد جدو، وهو أستاذ وباحث في قسم العلوم السياسية في جامعة بسكرة الجزائرية ومهتم بالدراسات الأمنية والسياسية الخارجية، لـ"النهار العربي"، إنّ "ما أقدمت عليه مالي خطوة غير محسوبة العواقب، وخصوصاً أنّها جاءت في ظل تحولات عديدة يشهدها الساحل الأفريقي"، وهو ذكّر بـ"الانقلاب العسكري في النيجر وتدخّل أطراف خارجية أخرى لرفع حدّة التصعيد في المنطقة"، مشيراً إلى "تعقّد العلاقات بين مالي وفرنسا والدور الروسي في المنطقة".
 
ويضيف جدو أنّ "الوضع في المنطقة أصبح مفتوحاً على كل الاحتمالات، وخصوصاً أنّ دول الساحل الأفريقي تُعتبر هشّة وينتشر فيها بعض الجماعات الإرهابية الخطيرة، وهو ما كشفه تقرير سابق لمجلس الأمن الدولي صدر في آب (أغسطس) الماضي، إذ قال إنّه وفي "أقل من عام واحد فقط تضاعف نشاط تنظيم داعش في الصحراء الكبرى وأحكم سيطرته على بعض المناطق في مالي". وحسبما نقل أيضاً المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية، فإنّ "الوضع الأمني في مالي يتدهور بشكل ملحوظ بسبب الصراع الصامت بين المجلس العسكري وبعض الجهات السياسية المحلية، إضافة إلى وقف تعاونه مع الشركاء الأمنيين العالميين".
 
 
عوامل تغذية الصراع
وفي سياق حديثه عن العوامل المغذية للصراع، قال فؤاد بن جدو: "إذا ما عدنا إلى عوامل الصراع في مالي نجد أنّ الأمر معقّد، لا سيما بعد عودة الصراع والاقتتال، وأيضاً لا يمكن فصل الوضع الداخلي في المنطقة عن الأوضاع والتحولات التي يمر فيها الساحل الأفريقي بخاصة مع الترتيبات الجديدة في النيجر وبداية انسحاب فرنسا منها، والتي هدّدت في أكثر من مرّة أنّها لن تترك إطلاقاً الوضع هكذا، والكل يعرف ويدرك مدى أهمية هذه المنطقة بالنسبة لها، ولذلك لا يمكن أن نعزل الأحداث في النيجر عن التحوّلات السياسية والأمنية في المنطقة، والتي جاءت مع بداية انسحاب القوات الأممية من شمال مالي. وبالتالي يُعدّ هذا الأمر دافعاً أساسياً للجماعات الإرهابية من أجل تحقيق مكاسب سياسية وأمنية على حساب الوضع العام في المنطقة، والعمل بالتنسيق مع المتمردين من أجل العودة إلى ما قبل اتفاق الجزائر، وخصوصاً أنّ الديناميكية السياسية في مالي لم تتقدّم بشكل كبير نحو انتخابات جديدة مع بروز مؤشرات الانقسام في مجموعة "الإيكواس"، وهو ما يعزز نشاط الجماعات الإرهابية وربما عودة القوى الكبرى بدافع تحقيق الأمن. وبذلك يتعطّل العمل التنموي الذي بدأت فيه الحكومات المتعاقبة لتجاوز ما كان قائماً من قبل".
 
هشاشة الوضع في مالي وغياب عامل الثقة وتفاقم الاحتقان بين حركات "أزواد" والسلطة المالية، تعزز المخاوف الجزائرية من تكرار السيناريو الصومالي أو السوداني في شمال مالي، لا سيما وأنّ عوامل التوتر هي المسيطرة أكثر مقارنة بعوامل الاستقرار، ما يدفعها إلى بذل جهد كبير لتثبيت الاتفاق وإرساء الأمن والسلام في مالي.
 
غياب الثقة
ويعلّق أستاذ العلاقات الدولية المهتم بالشؤون الأفريقية مبروك كاهي على الأوضاع في شمال مالي بالقول إنّ "الأحداث في هذه المنطقة تسير بوتيرة متسارعة من حيث نشاط الجماعات الإرهابية، بعدما غيّرت تكتيكاتها، حتى أنّ عدد المنتسبين إليها بات يُقدّر بالآلاف بعدما كان بالعشرات، وباتت تستولي على المناطق والقواعد العسكرية".
 
ويشرح كاهي لـ"النهار العربي" أسباب انزلاق المشهد الأمني نحو الأسوأ، ويعيده إلى عوامل داخلية وخارجية عدة، يذكر منها "طول المرحلة الانتقالية وما نجم عنها من مخاطر حقيقية، إضافة إلى التأخّر في الاستجابة لتنفيذ اتفاق الجزائر وما نجم عنه من عدم ثقة بين السلطات وحركات إقليم أزواد".
 
أما ثالث العوامل المحرّكة للنزاع في هذه المنطقة، وفق كاهي، فهو "الدستور الجديد الذي أحدث انقساماً كبيراً في الرأي. إذ يقول المؤيّدون إنّه سيقوّي المؤسسات السياسية الهشة في البلاد، ويأملون أن تعزز التعديلات الجديدة الديموقراطية وتعالج الانقسامات بما يشمل إنشاء غرفة برلمانية ثانية لتعزيز التمثيل من كل أنحاء مالي. بينما يقول المعارضون إنّها ستمنح الرئيس المزيد من السلطات والصلاحيات".
 
في المقابل، المشهد الأمني في شمال مالي يتغيّر بشكل واضح، بحسب كاهي "تزامناً مع الفوضى التي تعرفها المنطقة في النيجر وبوركينا فاسو ولجوء القوة الاستعمارية السابقة إلى الفوضى من أجل الحفاظ على نفوذها".
 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.