18-01-2024 | 06:05

متحف "باردو" يحتضن نفائسه... فنّ الفسيفساء التونسي موروث قرطاجي صامد

بعد سقوط قرطاج غدرا من شعوب الجوار التي باعتها بثمن بخس إلى الرومان بعد قرابة ثمانية قرون من العزة والمجد، سطا الرومان على إرثها ونسبوه إلى أنفسهم وقاموا بنشره في ربوع إمبراطوريتهم التي قامت على أنقاض قرطاج. وكان فن الموزاييك من بين الفنون التي سطوا عليها ونسبها مؤرخوهم اليهم بما أن التاريخ يكتبه المنتصر، رغم أن اللوحات التي تضم الرموز القرطاجية السابقة لوجود الرومان مازالت خالدة إلى اليوم.
متحف "باردو" يحتضن نفائسه... فنّ الفسيفساء التونسي موروث قرطاجي صامد
Smaller Bigger
انتشر فن تشكيل لوحات الفسيفساء (الموزاييك) في تونس منذ العهد القرطاجي، إذ كان القرطاجيون يسهرون على تزويق بيوتهم ومعابدهم ومبانيهم العامة وساحاتهم بهذه اللوحات التي تصور رموزهم وحياتهم اليومية. وحتى الأرضيات ابتدعوا لها أشكالاً يتم إنجازها بحجارة الفسيفساء الصغيرة جداً، فأبدعوا لوحات بقيت خالدة إلى اليوم في المتاحف، بعضها نُسب إلى الرومان ومُسح كل أثر لقرطاج منه.
 
فبعد سقوط قرطاج غدراً من شعوب الجوار التي باعتها بثمن بخس إلى الرومان بعد قرابة ثمانية قرون من العزة والمجد، سطا الرومان على إرثها ونسبوه إلى أنفسهم ونشروه في ربوع إمبراطوريتهم التي قامت على أنقاض قرطاج. وكان فن الموزاييك من بين الفنون التي سطوا عليها ونسبها مؤرخوهم إليهم، بما أن التاريخ يكتبه المنتصر، رغم أن اللوحات التي تضم الرموز القرطاجية السابقة لوجود الرومان لا تزال خالدة إلى اليوم.
 
فن متجدد
وعن وضع هذا الفن اليوم يقول الناشط في المجتمع المدني في مجال حماية التراث سيف الدين الشواشي لـ"النهار العربي" إن "فن الفسيفساء لا يزال صامداً في تونس رغم مرور الزمن، إذ بات صناعة تقليدية تتوارثها الأجيال ويتم تعليمها للشباب حتى لا تندثر، بخاصة أنها تلقى رواجاً لدى السياح الأجانب الذين يقبلون على اقتنائها إعجاباً بتاريخ تونس وحضارتها. كما يقبل التونسيون على هذه اللوحات التي تصور حياة أجدادهم ويضم أغلبها متحف باردو العالمي الشهير في العاصمة، وذلك لتزيين بيوتهم أسوة بالأجداد القرطاجيين".
 
 
ويضيف: "هناك اليوم من جدد في هذا الفن، فلم يعد يقتصر على التاريخ بل واكب الحاضر، وصار ثمة من يصنع به علم البلاد أو شعار الجمهورية لوضعها في المكاتب والإدارات. وهناك من وظفه لصناعة لوحات تجسد الحياة اليومية للتونسيين اليوم، بالإضافة إلى رسم وجوه المشاهير أو أي شخص لديه الرغبة في تشكيل لوحة فسيفسائية تجسد ملامحه".  
 
لوحات نادرة
ويرى الباحث التونسي في التراث أحمد المنصوري أن فن الفسيفساء هو تراث تونسي محلي عريق، والدليل أنه حتى عندما احتل الرومان تونس القرطاجية ازدهر هذا الفن في تونس، أو أفريكا الرومانية مثلنا سماها الرومان، أكثر من غيرها. ويشير الى أنه إلى حدود سنوات قليلة كان متحف باردو في تونس يضم أكبر عدد من اللوحات الفسيفسائية في العالم، إضافة إلى انتشار هذه اللوحات في باقي المتاحف التونسية، كما أن عدداً مهماً من هذه اللوحات لم يُعرض بعد، عدا اللوحات التي هُرّبت إلى تركيا خلال "عشرية الخراب"، وسعت أنقرة من خلال هذه اللوحات التونسية إلى إنشاء متحف أرادته الأول في العالم للوحات الفسيفسائية عوضاً عن متحف باردو.
 
ويضيف المنصوري أن "اللوحات الفسيفسائية التي يضمها متحف باردو نادرة جداً وبعضها حاز شهرة عالمية، ويقوم الحرفيون اليوم بمحاكاتها وإعادة تشكيل لوحات شبيهة بها لبيعها للسياح أو للراغبين في تزيين منازلهم أو لتزيين بعض المباني العامة والخاصة بتاريخ تونس العريق. ومن أشهر هذه اللوحات لوحة الشاعر الكبير فرجيل مارو أو فرجيليوس، وهو آخر عظماء الشعر الوثنيين قبل ظهور المسيحية مثلما وصفه صاحب "الكوميديا الإلهية" الشاعر الملحمي دانتي أليغيري".
 
وقد عثر على هذه اللوحة سنة 1896 في موقع أثري في مدينة سوسة التونسية، وفيها يظهر الشاعر الروماني فرجيل مرتدياً عباءة تونسية بيضاء ويجلس على مقعد فاخر يقرأ شعر الإلياذة الإغريقية، وعن يمينه ملهمة فن التاريخ "كليو" وعن يساره "ديمونة" المسرح التراجيدي، وهما ملاكا الإلهام والفن بحسب الميثيولوجيا الإغريقية. وهذه اللوحة هي الصورة الوحيدة في العالم التي تظهر وجه شاعر كبير مثل فرجيل عاش قبل ميلاد المسيح، وهو ما يجعلها كنزاً لا يقدّر بثمن، ويجعلها أيضاً الأغلى عالمياً، ومنها ومن غيرها يستمد متحف باردو أهميته".
 
 
ضرورة الصيانة
وتعتبر الإعلامية التونسية المتخصصة بالشأن الثقافي منى بن قمرة أن فن الفسيفساء في تونس هو "مكوّن مهم من مكونات الهوية التونسية، شأنه شأن كل الصناعات التقليدية المتوارثة عن الأجداد على مر العصور. وبالتالي وجب الحفاظ على هذا الموروث وصيانته من الاندثار ودعم العاملين فيه مادياً ومعنوياً، بخاصة بعد التأثيرات السيئة لجائحة كورونا على ميدان الصناعات التقليدية وعلى العاملين فيه من الحرفيين والتجار على حد سواء".
 
وتقول: "صارت لوحات الفسيفساء التونسية تحظى بشهرة واسعة، ولأجلها أصبح السياح يتوافدون على متحف باردو من كل حدب وصوب حتى من بلدان أميركا اللاتينية. وحتى عندما كان متحف باردو مغلقاً للصيانة كان سياح الرحلات البحرية القادمون من شتى بقاع الأرض يطالبون بفتحه للتمكن من زيارته واقتناء تحف فنية مقلدة من أسواق الصناعات التقليدية، ومن ذلك لوحات الفسيفساء التي أنجزها الحرفيون التونسيون تقليداً للوحات الأصلية في المتحف".
 
وتضيف بن قمرة أن "التراث المادي واللامادي التونسي يتعرض اليوم إلى هجمة شرسة من بعض البلدان التي ترغب في تنويع مصادر دخلها بسبب قرب انتهاء عصر النفط والوقود الأحفوري، فلم تجد سوى السطو على الموروث التونسي ونسبته إلى نفسها. وبالتالي وجبت حماية هذا التراث قدر المستطاع من خلال دعم العاملين فيه وتوثيقه والتعريف به وتسجيله لاحقاً في اليونسكو وفي غيرها، لقطع الطريق على من يستهدف التونسيين في قوتهم وقوت أبنائهم وأجيالهم القادمة ويهدد وجودهم".
   
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.