08-11-2023 | 06:05

المغرب... الإرث يؤجج صراع الحداثيين والمحافظين في نقاشات مدوّنة الأسرة

بعدما كانت مضامينه محط جدل متواصل منذ إقراره عام 2004، يسارع المغرب خطواته نحو إصلاح قانون الأسرة، في أعقاب المهلة التي لا تتجاوز الستة أشهر فقط، التي منحها الملك محمد السادس للحكومة المغربية من أجل رفع مقترحاتها بشأن تعديل مدونة الأسرة.
المغرب... الإرث يؤجج صراع الحداثيين والمحافظين في نقاشات مدوّنة الأسرة
Smaller Bigger
بعدما كانت مضامينه محط جدل متواصل منذ إقراره عام 2004، يسارع المغرب خطواته نحو إصلاح قانون الأسرة، في أعقاب المهلة التي لا تتجاوز الستة أشهر فقط، التي منحها الملك محمد السادس للحكومة المغربية من أجل رفع مقترحاتها بشأن تعديل مدونة الأسرة التي تطالب الحركة الحقوقية، منذ سنوات، بإدخال تعديلات وإصلاحات جذرية على عدد من بنودها، لا سيّما في الشق المرتبط بالإرث الذي لا يُعد نقطة إجماع بين تياري المحافظين والحداثيين.
 
وعملاً بمبدأ المقاربة التشاركية الواسعة التي دعا إليها العاهل المغربي، في رسالته الموجهة إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش، شرعت الهيئة المكلفة مراجعة مدونة الأسرة، المكونة من وزير العدل والرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئيس النيابة العامة والأمين العام للمجلس العلمي الأعلى ورئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان (مؤسسة حكومية)، ووزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، في تنظيم جلسات الاستماع إلى عدد من المؤسسات الرسمية، المرتبط عملها مباشرةً بموضوع الأسرة، والنسيج المدني المشتغل على قضايا الأسرة والمرأة والطفولة، بالإضافة إلى الجمعيات الحقوقية، وذلك وفق معايير محددة، وضعت غاية لها تمكين كل الفعاليات المدنية العاملة في المجال من إبراز وجهات النظر التي ترافع عنها في هذه اللحظة الإصلاحية المتميزة.
 
جلسات استماع شاملة
وقررت الهيئة المذكورة عقد جلسات الاستماع إلى الأحزاب السياسية والنقابات، بالنظر إلى المكانة التي يخولها لها الدستور، سواء في تأطير المواطنات والمواطنين وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، أم في الدفاع عن حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب تنظيم جلسات استماع مخصصة للخبراء في مجالات القانون والفقه والقضاء وحقوق الإنسان. وكذلك تشمل الجلسات الاستماع إلى كل الخبرات التي ستساهم في التفكير في سبل تجاوز الاختلالات القانونية والقضائية لمدونة الأسرة، وضمان انسجامها مع البناء القانوني الوطني والالتزامات الدولية التي صادق عليها المغرب، وتلك التي تضع الأسرة المغربية في قلب التحديات التي يطرحها سؤال التنمية وتطور المجتمع.
 
 
وتتصدر قضية الإرث النقاش الدائر بشأن تعديل مدونة الأسرة، لا سيّما بعد ارتفاع المطالب الحقوقية بمراجعة منظومة الإرث، الأمر الذي جابهه التيار المحافظ بالرفض والتحذير بدعوى أنها "تفتح الأبواب أمام التطرف والمجهول وتمثل خطراً على العلاقات داخل الأسرة، وعلى شرعية كتاب الله وقداسته، وبالتالي اندثار الأسس التي تقوم عليها الدولة المغربية". ووسط هذا "التدافع" الفكري، تجد الحكومة واللجنة المكلفة تعديل المدونة نفسها أمام تحد كبير يفرض عليها تبني مقاربة تشاركية ونهج استشاري لعكس كل وجهات النظر في القانون المرتقب.
 
وتعليقاً على هذه النقطة، قال الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء أحمد العبادي، في حديث إلى "النهار العربي"، إن الملك محمد السادس وضع إطاراً واضحاً لتعديل مدونة الأسرة، الأمر الذي يجعل عملية التعديل تتحقق بانسيابية مطمئنة، رغم وجود نقاط ومسائل ليست محط إجماع في البلد، وأبرزها الإرث.
 
وأبرز رئيس رابطة علماء المغرب الذي يمثل التيار المحافظ في البلد، أنه تم التمييز في التناول بين القضايا المحسومة التي تحظى بإجماع المواطنين من خلال هيئاتهم وفي مقدمتها البرلمان، وأيضاً القضايا والاختلالات، التي تم رصدها خلال 20 سنة من تطبيق المدونة بطريقة علمية، مشيراً إلى أن هذه القضايا التي تم التداول بشأنها مع اللجنة تمحورت أساساً على "تزويج القاصرات والأمور التي يمكن أن تضمن التجانس بشأن المادة 19، والإحالة إلى الفقه المالكي وآليات ذلك، في المادة 400 من المدونة، وقضايا مرتبطة بالولاية والحضانة، وببعض الأمور ذات الصلة بتدبير الأموال".
 
تعقيدات مسألة الإرث
وعن احتمالية أن تُجهض مسألة الإرث الجهود الحكومية المبذولة في هذا الإطار، خصوصاً مع احتدام النقاش المجتمعي الحاد بين الحقوقيين والمحافظين، قال العبادي إن العمل الذي تبذله مؤسسات الدولة "جاد، وتوجيهات الملك محمد السادس بصفته أميراً للمؤمنين وتأكيده أنه لن يحلل حراماً ويحرم حلالاً، كانت واضحة جداً وأخرجت الأمور من الثوابت إلى الاجتهاد، وفق مقوماته ومعاييره".
 
وأشار إلى أن مسألة الإرث والفرائض، ليست حديثة العهد بالنسبة إلى المغرب الذي يحتكم منذ قرون إلى عرف قديم بشأن النظر في هذه القضايا، في سياق الانتباهات الثاقبة المسماة "قضية الكد والسعاية" والتي تعد وجهاً من أوجه الاجتهاد المجتمعي المغربي منذ قرون في الشؤون الفقهية، لأن ثروة الزوجين لا تأتي من عدم.
 
ومبدأ الكد والسعاية، بحسب رئيس رابطة علماء المغرب، يمنح كل شخص حقه الشرعي طبقاً للجهد الذي بذله في تحصيل هذا الإرث، مشيراً إلى أن هذا المبدأ الذي تبناه الفقيه القاضي أبو العباس أحمد بن الحسن المعروف بابن عرضون حفظ حق المرأة في جهدها المبذول خلال العمل عند تقسيم الإرث، وينص على حقها في جزء من مال زوجها الذي شاركت في تكوينه مع القيام بالإجراء ذاته مع الأبناء الذين شاركوا في تكوين ثروة والدهم، إضافة لحقهم الشرعي الذي نص عليه الدين الإسلامي.
 
 
"الأزمان تغيّرت والقوانين تقادمت"
وتقول رئيسة جمعية "عدالة ومساواة" زكية العماري لـ"النهار العربي"، إن الأزمان تغيّرت والقوانين تقادمت، وخصوصاً في الشق المرتبط بالمساواة في الإرث بين الجنسين، في ظل تساوي المهام بين الرجل والمرأة وتطور المجتمع، الأمر الذي تُثبته إحصائيات ودراسات رسمية وغير رسمية تقول إن أكثر من 22 في المئة من الأسر تعيلها نساء باعتبارهن ربات العمل.
 
وشدّدت على أن حق المرأة في الحصول على نصيب مساو لما يحصل عليه الرجل من التركة، مشفوع بمقتضى جديد، يكمن في أنها أصبحت تساهم في الإنفاق مثلها مثل الرجل وفي بعض الأحيان بنسب أكثر منه، كما أنها انفتحت على العمل في كل المجالات القضائية والعسكرية والمدنية، ناهيك بإلغاء اعتبار شهادة الرجل كشهادة امرأتين.
 
ورأت أن المجتمع المغربي "تخلى سلفاً وتلقائياً عن مجموعة من الأحكام القطعية دونما الحاجة إلى اجتهادات على غرار قطع يد السارق والجلد وغيرها من الأحكام غير الموجودة حالياً، لكن عندما يتعلق الأمر بالمساواة والمرأة، يُفضل دائماً الاختباء وراء النص القرآني"، معتبرة أن "قبول المساواة في الإرث اجتهاد، هو جزء من قبول النظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي لم تكن الشريعة الإسلامية قد وضعت فيها قواعد أو وضعت فيها قواعد أصبحت متجاوزة ويتلاءم المجتمع معها".
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية