بيان "العقاب الإلهي" يزلزل "العدالة والتنمية" المغربي... بداية النهاية؟
أقحم حزب "العدالة والتنمية" المغربي نفسه في جدال كبير، بعدما ربط حدوث الزلزال العنيف الذي ذهب ضحيته نحو 3000 مغربي، في الثامن من ايلول (سبتمبر) الجاري، بـ"العقاب الإلهي، وتفشّي المعاصي في الحياة السياسية والانتخابات".
أقحم حزب "العدالة والتنمية" المغربي نفسه في جدال كبير، بعدما ربط حدوث الزلزال العنيف الذي ذهب ضحيته نحو 3000 مغربي، في الثامن من أيلول (سبتمبر) الجاري، بـ"العقاب الإلهي، وتفشّي المعاصي في الحياة السياسية والانتخابات"، مع اعتبار الزلزال "تذكيراً بالرجوع إلى الله"، وهو الأمر الذي لم يستسغه الشارع المغربي، بمن فيه عدد من قياديي الحزب نفسه، ممّن سارعوا إلى التبرؤ منه، في وقت قرّر آخرون تقديم استقالاتهم علناً من الحزب ذي المرجعية الإسلامية، والذي تسلّم الحكم على مدار ولايتين تشريعيتين أعقبتا "الربيع العربي".
وتضمّن بلاغ "العقاب الإلهي"، الصادر عن الأمانة العامة للحزب الإسلامي المعارض، دعوة صريحة وضعها الحزب في منزلة "واجبه كحزب سياسي"، إلى الاعتبار من وقائع الزلزال، والانتباه إلى أنّ "من معاني الرجوع إلى الله، ما يفيد أننا مبتعدون عنه في أمور معينة، وعليه وجب أن نرجع إلى الله سبحانه وتعالى كي يُضمِّد جراحنا ويُعوِّضنا عن مصيبتنا خيراً، ولكن يجب أن نراجع كذلك كي نرجع إلى الله، لأنّ كل شيء يصيب الإنسان فيه إنذار".
وأكثر من هذا، قال البلاغ الذي حمل توقيع رئيس الحكومة المغربية الأسبق عبد الإله بنكيران، إنّ "الصواب هو أن نُراجع كأمّة، ونتبيَّن هل الذي وقع قد يكون كذلك بسبب ذنوبنا ومعاصينا ومخالفاتنا، ليس فقط بمعناها الفردي، لكن بمعناها العام والسياسي، لأنّ السؤال المطروح، ليس فقط عن المخالفات الفردية وإنما عن الذنوب والمعاصي والمخالفات بالمعنى السياسي، وتلك الموجودة في الحياة السياسية عامة والانتخابات والمسؤوليات والتدبير العمومي وغيرها"، وفق تعبير البلاغ.
وتسبّب البلاغ المذكور في انقسام كبير في صفوف "العدالة والتنمية"، الذي لا يزال، بحسب مراقبين، يئن تحت وطأة صدمة الانتخابات التشريعية التي هوت به إلى أسفل الترتيب، وسط توقّعات بنهاية تجربة الإسلاميين التي بَصَمت في التاريخ السياسي المغربي عقب الربيع الديموقراطي الذي شهدته البلاد في 2011، وخصوصاً بعدما أعقب هذا البلاغ مباشرة بعد ساعات، تقديم الوزير السابق والقيادي البارز في الحزب عبد القادر اعمارة استقالته من الحزب المعارض، بشكل مفاجئ.
القيادي الذي تولّى منصب وزير الصناعة والتجارة والتكنولوجيات الحديثة بين 2012 و 2013، ثم منصب وزير الطاقة والمعادن والماء والبيئة من 2013 إلى 2016، كما تقلّد في عهد حكومة الإسلاميين الثانية بقيادة سعد الدين العثماني في 2017 منصب وزير التجهيز والنقل واللوجستيك والماء، فضلاً عن عضويته في الأمانة العامة والجهاز التنفيذي للحزب الإسلامي، والذي يتولّى المسؤولية المالية في الحزب لسنوات عدة، اختار تقديم استقالته من الحزب الذي يقوده بن كيران، بصفة علنية عبر "فايسبوك"، من خلال تدوينة مقتضبة جاء فيها: "بقلب يعتصره الألم على ما آلت إليه تجربة حزب العدالة والتنمية، فإني أعلن عن استقالتي من الحزب وكل هيئاته منذ هذه اللحظة".
الموت البطيء لحزب كبير
واستقالة الوزير السابق، اعتبرها المحلّل السياسي المغربي محمد بلغوشي، في حديث إلى "النهار العربي"، "طبيعية، في سياق سياسي وداخلي متأزّم يعيشه الحزب منذ النكسة الانتخابية التي تكبّدها في الانتخابات التشريعية التي شهدها المغرب في السابع من أيلول (سبتمبر) 2021، والتي تزامنت مع عودة عبد الإله بنكيران إلى دفّة رئاسة الحزب".
واعتبر بلغوشي أنّ "عودة زعيم إسلاميي المغرب إلى تسلّم الرئاسة، كانت المسمار الذي دُقّ في نعش العدالة والتنمية، وخصوصاً أنّه واقع رفضته شريحة مهمّة من قياديي الحزب نفسه، بمن فيهم اعمارة الذي توارى عن الشأن الداخلي للحزب طيلة الفترة السابقة، وكأنّه كان ينتظر الوقت المناسب ليتبرأ من هذه النسخة منه".

عبد الإله بنكيران.
ورأى بلغوشي أنّ بنكيران، "وفي سياق محاولته المستميتة للعودة إلى المشهد السياسي، وإن كان من خلال استغلال العاطفة الدينية للمغاربة والاستمالة بالآيات القرآنية بغرض التأثير، سقط في المحظور، وأغضب الرأي العام في فترة حساسة جداً، لا تتحمّل الركوب على الزلازل والكوارث الطبيعية التي راح ضحيتها الآلاف من المواطنين".
"بداية النهاية"
وبحسب بلغوشي، فإنّ اعمارة وعدداً من قياديي الحزب ممّن حاولوا التبرّؤ والتملّص من بلاغ الأمانة العامة، سواء عن طريق الاستقالة، أم التغريدات والتدوينات المبرّرة أو الرافضة لمضامين البيان الذي وقّعه بنكيران، هم "على وعي تام بأنّ الخروج بهذا تصريح في هذا الظرف هو بداية النهاية القاتلة، لذلك يحاولون الخروج من هذا النسق الخرافي الذي وضعه بنكيران، إلى آخر عقلاني وبراغماتي، حفظاً لماء الوجه، لاسيّما أنّه ليس الوقت المناسب للمبارزة السياسية أو رمي الكلام على الأحزاب المنافسة، ولا حتى استعراض العضلات الدينية".
ويواجه حزب "العدالة والتنمية" المغربي صعوبة كبيرة في التأقلم مع المعارضة التي عاد إليها بعد ولايتين حكوميتين مهمّتين في التاريخ السياسي للمغرب الحديث، بحسب بلغوشي، الذي قال إنّ هذا السجال الذي أحدثه الحزب، "ما هو سوى دليل قوي آخر على الصعوبات التي يواجهها، والسائرة به صوب الموت البطيء".
إخوة بنكيران يتبرأون منه
وهذا الموت البطيء، الذي تحدث عنه الخبير السياسي، أشار إليه أيضاً المحامي والقيادي في حزب "العدالة والتنمية" عبد الصمد الإدريسي، في تدوينة عبر "فايسبوك" قال فيها: "أشياء كثيرة أختلف معها في طريقة تدبير حزب العدالة والتنمية ومواقفه خلال السنتين الأخيرتين، سواء من حيث تدبيره التنظيمي واحترام قوانينه ومساطره، أم من حيث طريقة اتخاذ قراراته ومواقفه، لكن كنت لا أرى ضرورة لإعلان ذلك"، مضيفاً: "لكن هذه الفقرة الواردة في بلاغ الأمانة العامة الأخير، لا أرى سبيلاً لعدم إعلان رفضها والاختلاف مع مضمونها، سواءً من حيث مدلولها وفهمها دينياً، بل وحتى سياسياً".
أما الوزير الأسبق والقيادي في حزب "العدالة والتنمية" محمد يتيم، فخرج هو الآخر ليصف البلاغ بـ"الشارد وغير المناسب، من زاوية ربط ذلك بالذنوب والمعاصي، لأنّه لا أحد يمكن أن يعلم ذلك إلاّ الله، ما لم يرد في القرآن والسنة صراحة، ما يفيد أنّ طوفاناً أو رياحاً عاصفة أو خسفاً كان عقوبة إلهية كما ورد في القرآن صراحة في عدد من الحالات".
وأضاف: "في زلزال الحوز مراكش سقطت وتضرّرت مساجد، ومدارس ومرافق عامة لا تقترف فيها المعاصي، وفي المناطق الجبلية الفقيرة التي ضربها الزلزال، الناس المتضرّرون أبعد بالمقارنة مع مناطق أخرى عن المعاصي والفساد الأخلاقي، وفي كل المناطق توجد استثناءات".

وبحسب القيادي في الحزب الإسلامي، فإنّ بعض المناطق الجبلية والجنوبية "هي معاقل لحفظة القرآن، وبقاء الناس في الغالب على الفطرة والصلاح عموماً، وعلى القناعة بالقليل والكرم، وغير تلك من الأخلاق التي تجد أصولها في الدين "، متسائلاً: "كيف يمكن أن نجزم أو حتى أن نحتمل بأنّ زلزال منطقة الحوز وتارودانت عقاب إلهي عن معاصٍ مقترفة، أو يمكن أن يكون كذلك؟".
وكتب القيادي السابق في الحزب محمد أمحجور بدوره: "مؤسف ما صرنا إليه من تيه، ومؤسف أكثر أن نترك السياسة وقضاياها وحقائقها جانباً ونتيه في "اللاهوت"... مؤسف ومؤلم"، مضيفاً أنه لو كان "الزلزال يقيناً فاعلاً سياسياً، ولو كان من المعلوم قطعاً من الدين أنّ الله يعاقب الانحرافات السياسية بالزلازل والبراكين، لكان أولى أن يضرب الزلزال حيث يقيم أهل الساسة والحكم، ولكان من المنطقي أن يكون مركز الزلزال هو الحواضر والمدن، حيث تنتشر كثيراً من المفاسد والموبقات".
وأضاف نائب عمدة طنجة السابق عن الحزب: "بالمنطق نفسه سيكون من غير العدل الإلهي أن يصيب الزلزال دواوير نائية، تخفّف أهلها من كثير من سيئات الدنيا بساطة وشظف عيش، وقسوة ظروف، وتديناً فطرياً يسلم ويستلم لأقدار الله".
وبنوع من الاستغراب، اعتبر القيادي في الحزب أنّه "لو صحّ للزلزال أن يكون أداة عقاب لكان أولى أن يعاقب كثيراً من البلدان حيث الانقلابات والإعدامات وقتل متعمد للمعتقلين في السجون تعذيباً وإهمالاً"، مردفاً: "لو صحّ هذا المنطق لكانت السياسة رهبانية وطلباً لإقامة العدل من طريق عذاب الله".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض