14-09-2023 | 05:00

استياء في باريس... مصادر حكومية مغربية تكشف لـ"النهار العربي" أسباب رفض عروض مساعدات

شنّت وسائل إعلام فرنسية حملة كبيرة ضدّ سلطات المغرب بعد رفض الرباط عرضاً فرنسياً للمساعدة عقب الزلزال
استياء في باريس... مصادر حكومية مغربية تكشف لـ"النهار العربي" أسباب رفض عروض مساعدات
Smaller Bigger
خلّف إعلان المغرب موافقته على تلقّي المساعدات الآتية من أربع دول فقط وصفها بـ"الصديقة" بعد الزلزال العنيف الذي ضرب البلاد ليلة الجمعة الماضي، حالةً من الجدال، وطرح علامات استفهام بين صفوف المراقبين وحكومات الدول، ولا سيما في فرنسا، الشريك التقليدي الذي تشهد علاقاته مع الرباط فصلاً من التوتر الدبلوماسي المستمر منذ سنتين.
 
المغرب يكتفي بأربع دول "صديقة"
وعلى رغم الأضرار الكبيرة التي تسبّب بها الزلزال المدمّر، والذي وُصف بالأعنف في تاريخ البلد، إلّا أنّ المغرب فاجأ الجميع برفض طلب الدعم الدولي، بل وأصدر بياناً عن وزارة داخليته واضح اللهجة، يقول فيه إنّه قرّر الاستجابة لأربعة عروض مساعدة فقط قدّمتها من وصفها بـ"الدول الصديقة"، وهي كل من بريطانيا وإسبانيا وقطر والإمارات، والتي اقترحت إرسال مجموعة من فرق البحث والإنقاذ، مشيراً في الوقت نفسه إلى أنّ "هذه الفرق بدأت الأحد الماضي باتصالات ميدانية مع نظيراتها المغربية".
 
ونقلت وزارة الداخلية المغربية، على لسان الملك محمد السادس، خالص شكره، خلال جلسة العمل التي ترأسها بشأن الموضوع، "للبلدان الصديقة والشقيقة التي أبدت تضامنها مع الشعب المغربي، والتي أكّد العديد منها استعداده لتقديم المساعدة في هذه الظروف الاستثنائية"، مشيرة إلى أنّه "في إطار تبنّي مقاربة تتوافق مع المعايير الدولية في مثل هذه الظروف، أجرت السلطات المغربية تقييماً دقيقاً للاحتياجات في الميدان، آخذة في الاعتبار أنّ عدم التنسيق في مثل هذه الحالات سيؤدي إلى نتائج عكسية".
 
 
فرنسا منزعجة من الرفض
ولم تمض سوى ساعات معدودات على توضيحات المغرب، حتى اجتاحت الإعلام الفرنسي حالة من الغضب "المجنون" بسبب تجاهل المغرب عرض المساعدة الذي قدّمته باريس على لسان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمسؤولين الحكوميين في قصر الإليزيه عقب الواقعة المؤلمة، لتتصاعد بذلك وتيرة السجال الذي وصل حدّ توجيه عدد من المنابر الإعلامية والشخصيات الفرنسية، على غرار منظمة "منقذون بلا حدود" غير الحكومية، اتهاماً مباشراً للمغرب برفض مساعدة شعبه المنكوب، الأمر الذي قوبل بالرفض والاستنكار لدى شريحة مهمّة من المغاربة وفي مقدّمهم النقابة الوطنية للصحافة المغربية، التي عبّرت عن "قلقها البالغ"، إزاء ما وصفتها بـ"الممارسات غير المهنية واللاأخلاقية"، التي قالت إنّها تستغل الحادث المأسوي لزلزال الحوز لتمرير "مغالطات ومحاولات تسييس لحظة حزن يعيشها الشعب المغربي، وتعمّدت تسييس القضية وتجييش الرأي العام الفرنسي ضدّ المغرب"، محذّرة من أنّ "الأخبار الكاذبة والإشاعات في مثل هذا الظرف العصيب لا تنتهك حق المواطنين في المعلومة الصحيحة فقط، بل تؤدي كذلك إلى إحداث الذعر والترويع".
 
محاولة لامتصاص الغضب
وفي ظلّ الصمت الحكومي المغربي، بدأت وتيرة السجال تتعاظم، انطلاقاً من أنّ عدم موافقة الرباط على المساعدات الفرنسية مؤشر آخر إلى استمرار الأزمة الصامتة التي تخيّم على العلاقات بين البلدين منذ سنتين، وهو ما حاولت وزيرة الخارجية الفرنسية كاثرين كولونا تكذيبه خلال استضافتها في برنامج حواري بُث عبر شبكتي RMC وBFMTV الاثنين الماضي، قالت فيه إنّ "هناك دولاً قدّمت مقترحات وعددها كبير، وفرنسا كانت من بين الدول الأولى التي قدّمت عرضاً تعرفه السلطات المغربية، والمغرب لم يرفض أي مساعدة ولا أي مقترح، لكنه يستدعي هذا الدعم أو ذلك بناءً على تطور الوضع".
 
 
وخلال الحوار ذاته، قالت كولونا إنّ المغرب "بلد ذو سيادة، وهو المتحكّم في اختياراته التي لا بدّ من احترامها"، وتابعت أنّ اتخاذ القرار يتمّ بعد تحديد الأولويات قبل التواصل مع الدول التي قدّمت عرض المساعدة، ومن بينها فرنسا. وأضافت: "نحن سنكون رهن إشارة المغرب، واقترحنا عليه دعماً فورياً وآخر على المدى المتوسط". 
 
ماكرون يُخاطب المغاربة مباشرة
وأمام تزايد وتيرة الجدال في الإعلام الفرنسي، اضطر الرئيس ماكرون مرّة أخرى إلى الظهور بمقطع فيديو الثلثاء الماضي، وجّهه مباشرة إلى المغاربة، في خطوة رأى فيها معلّقون مغاربة "تناقضاً تاماً مع الأعراف الدبلوماسية"، حاول من خلاله تخفيف حدّة التوتر الحاصل، ومؤكّداً أنّ فرنسا "متألمة بسبب ما حدث من هزّة أرضية رهيبة"، وأنّ باله مشغول بـ"العائلات التي تقسّم حياتها بين فرنسا والمغرب، ومصائرها المترابطة... فرنسا تقف إلى جانبكم".
 
وتابع الرئيس الفرنسي: "في هذا الوقت، الذي هو وقت ألم، ولكن أيضاً وقت عمل وتضامن، أريد أن أقول كلمات بسيطة، لقد رأيت الكثير من الجدل خلال الأيام الأخيرة، والذي لم يكن يجب أن يحدث"، ملمّحاً إلى مسألة رفض الرباط التجاوب مع العرض الفرنسي، مضيفاً: "نحن هنا، ولدينا الإمكان لتوجيه مساعدات إنسانية مباشرة... نحن رهن إشارة خيارهم السيادي، وهو ما فعلناه من أول ثانية بطريقة طبيعية... وأتمنى أن ينتهي هذا الانقسام الذي يؤدي إلى تعقيد الأمور في هذا التوقيت المأسوي، احتراماً للجميع".
 
وجدّد ماكرون تأكيده أنّ بلاده ستبقى مساندة للمغرب على جميع الأصعدة، وقال: "حين يقرّر الشعب المغربي وسلطاته طلب المساعدة، نحن إلى جانبكم اليوم كما الغد".
 
 
ويبدو أنّ الرئيس الفرنسي وفي محاولته للملمة هذا الخلاف، أساء التقدير عندما وجّه الخطاب مباشرة إلى الشعب المغربي، بحيث جرّ إليه وابلاً من الانتقادات والسخط الذي عبّر عنه المغاربة في تدويناتهم وتغريداتهم على مقطع الفيديو والرافضة لـ"تجاوز الرئيس الفرنسي حدوده الدبلوماسية ومُخاطبتهم مباشرة، من دون المرور عبر القنوات والأعراف الدبلوماسية المتعارف عليها دولياً، سواء عبر الحكومة أو أعلى سلطة في البلاد، الملك محمد السادس"، ما يؤشر إلى مزيد من التأزّم في الأيام المقبلة.
 
 
ألمانيا "تتفهم" رفض المغرب
وخلافاً للموقف الفرنسي "المنزعج"، من رفض المغرب قبول عرض المساعدة في عمليات إغاثة المصابين جرّاء الزلزال المدمّر، قالت ألمانيا إنّها "تحترم قرار الرباط، ولا ترى فيه أي مؤشر سياسي بالمطلق".
 
وجاء ذلك على لسان متحدث باسم وزارة الخارجية الألمانية، مؤكداً أنّ بلاده احترمت قبول الرباط دعم أربع دول، بينما لم تستجب لدعوات أخرى، من بينها ألمانيا، معتبراً أنّ الأمر "طبيعي جداً، بالنظر لأهمية التنسيق لحظة الكوارث، وأنّها لا ترى أي مؤشر إلى أنّ قرار المغرب سياسي، ذلك أنّ العلاقات الدبلوماسية بين ألمانيا والمغرب جيدة، كما أنّ الجانب المغربي شكر ألمانيا على عرضها تقديم المساعدة".
 
وأوضح المتحدث أنّه كما تعلّمت ألمانيا من فيضانات 2021 القاتلة في وادي أهر والتي تسبّبت في سقوط عشرات القتلى، فإنّ تنسيق المساعدات مهمّ في مواجهة الكوارث الكبرى، لضمان عدم قيام عمال الإنقاذ بعرقلة بعضهم البعض، مضيفاً: "نحن على يقين من أنّ المغرب، فكّر بعناية شديدة بشأن القوات التي يمكن نشرها وأين وكيف يمكنهم الوصول إلى هناك، وما هي قدرات النقل المتاحة على سبيل المثال".
 
 
لماذا رفضت الحكومة المغربية عرض باريس؟
وأكّدت مصادر حكومية مغربية لـ"النهار العربي"، أنّ نحو 70 دولة ومنظّمة حكومية وغير حكومية عرضت المساعدة على المغرب، بما فيها منظمات تركية وكندية وألمانية وأخرى أفريقية متخصّصة في إنقاذ المتضرّرين من الكوارث، وإخراج الجثث من تحت الأنقاض، بيد أنّ "التقييم الدقيق الذي أجرته السلطات يقول إننا وفي المرحلة الحالية، سنكتفي بفرق الإنقاذ التي وفّرتها حكومات هذه الدول الأربع التي وافق المغرب على مساعدتها".
 
وشدّدت المصادر الحكومية على أنّ "المسألة ليست سياسية بالمطلق، بقدر ما هي تقنية بالدرجة الأولى". وقالت "إنّ السلطات المغربية تتوخّى العمل بحرفية تامة، ووفق تنسيق مشترك، وبالتالي فإنّ الفِرق الأربعة تقوم بتنسيق مع السلطات ووفق الحاجة والمناطق، لكي لا تسود الفوضى والفشل بكثرة التدخّلات غير المدروسة، وخصوصاً أنّ أرواح المواطنين موضوع حسّاس والظروف التي تعيشها البلاد حساسة جداً".
 
ولفتت المصادر إلى أنّ المغرب راكم خبرة كبيرة في التعامل مع الأزمات والكوارث الطبيعية، ما يجعله قادراً على تدبير هذه الأزمة بإمكاناته اللوجستية المتطورة جداً، والتي تتوافر لدى فرق الإنقاذ المدنية والعسكرية وأيضاً البشرية المدرّبة على الأزمات.
 
وأوضحت مصادر "النهار العربي" أنّه تمّ "انتقاء الفرق على أساس الحاجة المرحلية، فيما المرحلة المقبلة قد تستدعي انضمام دول جديدة، لكن حالياً لا نرغب في إهدار هذه القوى، ونحن قادرون على تدبير الوضع وفق مقاربتنا التقييمية للميدان".
 
وأشارت المصادر الحكومية لـ"النهار العربي" إلى أنّ عدداً من الدول قد تكون في أمسّ الحاجة لهذه المساعدات، وعوض إهدارها في المغرب وُجب توجيهها إليها، مضيفةً أنّ "التقييم لا يكون على أساس سياسي، بل تقني محض، فنحن لم نقبل العديد من العروض التي قُدّمت من أصدقائنا وشركائنا الاستراتيجيين على غرار الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، ومع تقدّم عمليات التدخّل والإجلاء سيتطور تقييم الاحتياجات المحتملة، ما قد يؤدي للجوء إلى عروض الدعم المقدّمة من دول أخرى صديقة. وهذا كل ما في الأمر... التنسيق مهمّ جداً".
 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية