بعدما كان هذا الملف من التابوهات، بدأت محاكم جزائرية في السنوات الأخيرة بمعالجة قضايا مرتبطة بـ"الإتجار بالبشر"، من طريق الحدود البرية الجنوبية، التي تتورط فيها شبكات تضم جزائريين وأشخاصاً من جنسيات مختلفة من منطقة الساحل الأفريقي، أو المتعلقة بـ"الهجرة السرية" عبر السواحل الشمالية للبلاد، إذ يتعاطى القانون الجزائري مع الإتجار بالأشخاص باعتباره جريمة تهدّد سلامة البشر، أما تهريبهم فهو جريمة ضد الدولة تشكل تهديداً لسلامة الأمن القومي.
وفي 8 شباط (فبراير) الجاري، أعلنت المصالح الأمنية الجزائرية في مدينة سيدي بلعباس، غرب البلاد، تفكيك شبكة دولية وصفتها بـ"الخطيرة"، لتهريب البشر نحو دول أوروبية، وقالت إنّها "متكونة من 16 فرداً، من بينهم أشخاص من جنسية مغربية، شكلوا جماعة إجرامية منظمة عابرة للحدود من طريق التدبير والتسهيل للدخول والتنقل والإقامة غير المشروعة للمهاجرين، ويقومون بتهريب البشر من مدن مغربية مرشحين للهجرة إلى دول أوروبية مروراً بالجزائر".
وأفضت التحقيقات الأولية إلى أن "أفراد الشبكة كانوا يستعملون وسائل النقل والاتصال، معرضين حياة الأشخاص وسلامتهم للخطر مع مخالفتهم التشريع والتنظيم الخاصين بالصرف وحركة رؤوس الأموال من الخارج وإليه".
وقبلها بأيام، أطاحت فرقة خاصة في أمن ولاية الجزائر في العاصمة، شبكةً إجرامية تمارس الإتجار غير الشرعي بالمخدرات الصلبة والبشر، وتتكون من 14 شخصاً، منهم أربعة جزائريين و10 آخرين من جنسيات أجنبية تراوح أعمارهم ما بين 20 و45 سنة.
وكانت الشبكة تقوم بتهريب الأشخاص من طريق التمويه بلباس نسائي، مع وضع مساحيق التجميل، وكذلك الإتجار بالمخدرات من نوع الكوكايين والهيرويين من خلال ابتلاعها في شكل كبسولات، إذ وُجهت لأفرادها تهمٌ عدة، كجناية استيراد المخدرات والإتجار غير الشرعي بها مع الإتجار بالبشر وتهريب مهاجرين ضمن جماعة إجرامية منظمة وإيواء ونقل مهاجرين غير شرعيين.
ما يقوله القانون
ويُعرّف قانون العقوبات الجزائري الإتجار بالأشخاص بأنه كل "تجنيد أو نقل أو تنقيل أو إيواء أو استقبال شخص بواسطة التهديد بالقوة أو باستعمالها أو غير ذلك من أشكال الإكراه، أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع، أو إساءة استعمال السلطة، أو استغلال حالة استضعاف أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سلطة على شخص آخر بقصد الاستغلال".
وعلى ضوء التشريع الجزائري، فإنّ الأصل في جريمة الإتجار بالأشخاص هو أن تأخذ وصف الجنحة ويُعاقب مرتكبها بالحبس من 3 سنوات إلى 10 سنوات حسب نص المادة 303 مكرر 04 من قانون العقوبات. وتنقسم ظروف التشديد إلى ظروف شخصية يُقصد بها ما يتصل بالجاني من حيث صفته وعلاقته بالمجني عليه، وما يرتبط بالمجني عليه من حيث سنّه وصفته. وتشير الظروف العينية إلى مجموعة الظروف الملازمة للفعل ونتائجه مثل الزمان والمكان.
ضحية أزمات المنطقة
في الشق المتعلق بالإتجار بالبشر من طريق الحدود البرية الجنوبية، تَعتبر الجزائر نفسها ضحية، نظراً لما تعرفه المنطقة من أزمات متتالية تنشط في ظلها جماعات إجرامية، وشبكات تأخذ من عوائد الجريمة المنظمة مداخيل تغذي بها جوانب أخرى من الجريمة كالإرهاب والتجارة بالأسلحة والمخدرات، وبعض أصناف الجريمة كالإتجار بالبشر، وفق تصريحات سابقة أدلى بها السفير لزهر سوالم، المدير العام للعلاقات المتعددة الأطراف في وزارة الشؤون الخارجية، منتصف عام 2020.
وعلى رغم إعلان السلطات الجزائرية بذلها جهوداً لمحاصرة هذه القضايا، إلا أنّ ذلك لا يجعلها في منأى انتقادات وضغوط منظمات حقوقية حكومية وغير حكومية من فترة لأخرى، تتهمها بالتقصير. وهو ما يجعل آراء خبراء تذهب إلى عدم استبعاد احتمال سَن قانون لمكافحة الإتجار بالبشر، بحُكم أنّ الجزائر بلد عبور ومقصد للآلاف من الرجال والنساء والأطفال من بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى والراغبين في الوصول إلى أوروبا أو إلى الشرق الأوسط.
إخفاق حكومي
لكن على الجانب الآخر، لا تزال الحكومة الجزائرية عاجزة وفق مختصين، عن الحد من ظاهرة تهريب الأفراد عن طريق الإبحار السري، إذ لا يزال جزائريون يستيقظون على أخبار توقيف مهاجرين أو غرقهم أو وصولهم إلى السواحل الأوروبية، رغم مصادقة البرلمان، في 2009، على قانون يجرّم الهجرة غير النظامية ويعاقب أصحابها بالسجن.
وإن كانت الحكومة تتهم شبكات تنشط بانتظام لتسهيل تهريب الأفراد بحراً، في مقابل مادي، يقول الكاتب العربي رمضاني لـ"النهار العربي" إنّ "ظاهرة الهجرة غير الشرعية أو الحرقة لا يمكن محاصرتها بالقبضة الأمنية فقط، لأن هذا يعكس جهلاً فظيعاً بالظاهرة، ولا يريد رجل السياسة أن يلتفت لبقية الأسباب والدوافع التي تُنعش الحرّاقة".

ويرى رمضاني أنّ "تفكيك شبكات ما يسمى الإتجار بالبشر عمل يُصدّر إلى وسائل الإعلام ليُدرج في سياق سياسوي دعائي ضيق اعتادت عليه السلطة"، إذ يعتقد أن الأمر يتجاوز ذلك "ولا أحد يريد الإقرار بأن الهجرة غير الشرعية ليست مشكلة أمنية أساساً يمكن القضاء عليها بالقوة العارية، بل ظاهرة متجذرة في العمق المُجتمعي الجزائري منذ عقود، واللافت أنها ازدهرت أكثر في زمن السلم".
العربي رمضاني هو مهاجر غير نظامي جزائري، صدر له في إيطاليا أول كتاب بعنوان "أناشيد الملح - سيرة حرّاق"، وفيه سيرة أدبيّة واقعية عن تجربة عايشها عندما اختار الهجرة بحراً من الجزائر إلى أوروبا، لإثبات ذاته قبل أن يرجع إلى الوطن، إذ يستعرض المؤلف مختلف الصعوبات والمعاناة التي تطال "الحراقة" في رحلتهم نحو ما يلقبونه بـ"الجنة الموعودة".
"هروب إلى الأمام"
ويقول في حديثه لـ"النهار العربي" إن "معالجة الظاهرة معالجة أمنية بحتة وقانونية أخيراً عن طريق البيروقراطية الدينية بتحريم هذه الظاهرة، يعكس هروباً إلى الأمام". ونبّه رمضاني إلى النزيف الذي يستهدف طاقات شابة تعاني من "تهميش قاتل وغياب أدنى أفق في تغيير حقيقي يوفر حياة كريمة لهؤلاء تجنبهم المغامرة بحيواتهم في عرض البحار وعلى الحدود الدولية".
وأخيراً قالت "الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل" (فرونتكس)، إن عدد المهاجرين غير النظاميين الوافدين على أوروبا خلال يناير 2022 زاد بنحو 80 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2021. وتصدّر التونسيون والليبيون والجزائريون القائمة عبر البحر الأبيض المتوسط، وعموماً، زاد عدد المعابر غير القانونية التي تستخدمها شبكات الهجرة نحو القارة الأوروبية بـ78 في المئة في الشهر الأول من هذا العام مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، وبـ23 في المئة مقارنة بعام 2020.
في المقابل، كشف تقرير نشرته الجزائر عن توقيف 6426 مهاجراً قبالة السواحل الجزائرية، في عام 2021.
ويدعو خبراء ومختصون إلى فتح ملف الإتجار بالبشر، بشقيه، سواء من طريق الحدود البرية أو الإبحار السري، مع كل الشركاء من منظمات مدنية وحقوقية عاملة في الميدان، ووضع تصور عملي يعالج الأزمة من مصادرها، ولا سيما في ظل التحولات التي تشهدها منطقة الساحل، أو حتى في الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، في ظل صعوبة الأوضاع الاقتصادية في أوروبا وتغيير قوانين استقبال المهاجرين.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض