16-02-2023 | 12:34

قصص نجاح لهيئة البيئة -أبوظبي... أحمد السيد الهاشمي لـ"النهار العربي": مشاريع تنموية تواجه التغيّر المناخي

تعيش منطقة الخليج العربي في العقد الأخير معركة الانتقال من بلدان ومجتمعات تعيش حاضرها بمنطق تاريخها الى دول تتماهى مع ثقافة الحياة الجديدة وآلياتها والنظم والقيم الإنسانية والاجتماعية والبيئية بطموح يكاد يضعها في مقدم الدول التي رسخت مفاهيم إصلاحية وحضارية أسست لصناعة ثقافة الحياة الجديدة التي يبتغيها كل باحث عن أمان واستقرار وعدالة اجتماعية.
قصص نجاح لهيئة البيئة -أبوظبي... أحمد السيد الهاشمي لـ"النهار العربي": مشاريع تنموية تواجه التغيّر المناخي
Smaller Bigger
تعيش منطقة الخليج العربي في العقد الأخير معركة الانتقال من بلدان ومجتمعات تعيش حاضرها بمنطق تاريخها الى دول تتماهى مع ثقافة الحياة الجديدة وآلياتها والنظم والقيم الإنسانية والاجتماعية والبيئية بطموح يكاد يضعها في مقدم الدول التي رسخت مفاهيم إصلاحية وحضارية أسست لصناعة ثقافة الحياة الجديدة التي يبتغيها كل باحث عن أمان واستقرار وعدالة اجتماعية.
 
لا يختلف اثنان على أن بذور هذا التحول كانت بداية انطلاقته الفعلية في الإمارات العربية المتحدة كنتيجة حتمية لوعي المسؤولين الإماراتيين لضرورة الإقدام بجرأة على الدخول في عالم الاستثمارات الحديثة، فكانت شجاعة المبادرة لدى إمارة أبوظبي وحكامها فاتحة لتحولها عمرانياً، صناعياً زراعياً وبيئياً، ودخولها الى نادي الدول والمجتمعات التي وعت مبكراً ضرورة تطوير بناها الاقتصادية كافة للمحافظة على دورها الريادي داخل الإمارات كعاصمة للاتحاد وقائدة لمسيرة التنمية والتطور نحو المستقبل فيه.
 
عناوين التحول لم تكن في الانفتاح الباهر الذي سمحت به السلطات في أبوظبي فحسب، بل بتبنيها سياسة تنموية كانت البيئة أحد مرتكزاتها ومنطلقها لدفع عمليات التطور والنمو الى حدها الاقصى، فلجأت الى اتخاذ اجراءات ميدانية تحمي المواقع الطبيعية وتحافظ على التراث وتؤمن الحماية للثروات البحرية والسمكية وتعزز زراعة الأشجار والنباتات لتخفيف نسب التلوث في الأجواء والالتزام بنتائج الأبحاث العلمية التي أجراها خبراؤها لتثبيت آليات وقواعد حماية للبيئة من خلال ضبط مصادر التلوث والتخفيف من أثرها قي المواطنين والثروة البحرية السمكية والنباتية والمحافظة على المكتسبات البيئية التي وهبها الله للإمارة.
 
 
مشاريع الاستدامة البيئية
وانطلاقاً من التغيرات والتحديات المناخية التي يشهدها العالم، يبرز دور هيئة البيئة في أبوظبي لتحقيق الاستدامة البيئية، ويؤكد المدير التنفيذي لقطاع التنوع البيولوجي البري والبحري في الهيئة أحمد إسماعيل أحمد السيد الهاشمي أنه "في إطار التزامها برؤية الاستدامة لحكومة الإمارات العربية المتحدة، تقود الهيئة مجموعة من المشاريع للحد من تأثير تغير المناخ. فبعد إعلان دولة الإمارات في العام الماضي، عن استراتيجيتها  لتحقيق الحياد المناخي 2050، بدأت الهيئة باتخاذ دور ريادي في قيادة الجهود التي تبذلها إمارة أبوظبي للمساعدة في تحقيق أهداف هذه المبادرة الطموحة. كما تعمل الهيئة على وضع سياسة لإمارة أبوظبي، بالتعاون مع شركائها الاستراتيجيين، تستهدف الآثار والآفاق السلبية لتغير المناخ في أبوظبي، والتي تضع في الاعتبار المحفزات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتحقق التوازن بين احتياجات المجتمع والحفاظ على البيئة. وستكون السياسة أيضاً المنطلق الذي ستبني عليه الهيئة برامجها لتحقيق أهداف استراتيجية الحياد المناخي في الإمارات بحلول 2050، وتحويلها إلى خطط فعّالة وملموسة".
 
وتسعى الهيئة بالشراكة مع دائرة الطاقة، لقيادة تحول كبير في مزيج الطاقة لتحقيق كثافة انبعاثات كربونية أقل بكثير في هذا القطاع الحيوي، وذلك من خلال وضع لوائح تنظيمية جديدة تستهدف توليد نسبة كبيرة من الكهرباء في إمارة أبوظبي من مصادر نظيفة ومتجددة بحلول سنة 2035 وتعتبر خطوة مهمة نحو تحقيق تطلعات دولة الإمارات للوصول إلى الحياد المناخي بحلول 2050، وفق ما يقول الهاشمي لـ"النهار العربي". كما تنفذ الهيئة بالتعاون مع عدد من شركائها المعنيين مشروع تطوير نظام لربط آليات متوازنة لاتخاذ القرار بشأن المياه والبيئة والطاقة والغذاء، والذي سيسمح لإمارة أبوظبي بتحقيق اتساق السياسات بين هذه القطاعات، في مبادرة رائدة تهدف إلى دعم حكومة أبوظبي في استغلال أمثل للموارد الطبيعية للإمارة، وتحسين الأمن المائي والغذائي والطاقة، وتنفيذ مشاريع أكثر فعالية من حيث التكلفة، وإدارة فعالة في القطاعات المعنية.
 
 
 
وفي الإطار عينه تسعى الهيئة إلى وضع خطة تحدد فيها سقف الانبعاثات والتداول، وآلية لتداول الكربون بين القطاعات المستهدفة، للحد من انبعاثات غازات الدفيئة حيث تتم دراسة جدوى تطبيق النظام على مستوى الدولة لضمان التنافسية والاستدامة. وتعمل الهيئة مع شركائها المعنيين لوضع خطط واضحة لخفض الانبعاثات لقطاعات محددة، وخفض الملوثات من ضمن أولوياتها الاستراتيجية للعام 2025 لتحقيق المرونة البيئية لإمارة أبوظبي، وذلك من خلال التخفيف والتكيّف مع التغير المناخي، وحماية جودة الهواء والمياه البحرية. والحد من انبعاثات غازات الدفيئة باستخدام مصارف الكربون الطبيعية والاصطناعية، إضافة إلى النهوض بأجندة التنويع الاقتصادي في أبوظبي من خلال حلول مبتكرة منخفضة الكربون، باعتباره أهم سبل تحقيق الأهداف الموضوعة لمواجهة التغير المناخي.
 
مبادرات بيئية
ليس خافياً أن التقنيات المبتكرة والتكنولوجيا تلعب دوراً كبيراً في تمكين اقتصاد أكثر استدامة، وصديقاً للبيئة، وهيئة البيئة ليست بعيدة من هذا الدور، إذ تلتزم بالقيام بدورها من خلال قيادة مجموعة من المشاريع للحد من تأثير تغير المناخ، وتحسين قدرة النظم البيئية على التكيف مع آثار تغير المناخ من خلال ضمان إدراج اعتبارات التكيف مع التغير المناخي في خطط إدارة المحافظة على كل الموائل البحرية الحرجة والأنواع المعرضة لخطر الانقراض، ويقول الهاشمي إن الهيئة اعتمدت نهجاً شاملاً لضمان توافر البيانات البيئية الموثوقة وضمان الوصول الفعّال اليها وتعزيز الفهم داخل القطاعات المسببة للانبعاثات لدعم عملية الرصد في المستقبل، وتقديم التقارير وتنفيذ مبادرات للحد من الانبعاثات.
 
لا شك أن الجهود التي تبذلها أبوظبي ستساهم في تعزيز دورها الرائد في التحول إلى الاقتصاد المنخفض الكربون الذي يعتبر مسعى رئيسياً في جميع دول العالم، حيث ستقوم الهيئة، من خلال الشراكة مع دائرة الطاقة، بالمساهمة في إحداث تحول كبير في مزيج الطاقة في إمارة أبوظبي لتحقيق كثافة انبعاثات كربونية أقل بكثير في هذا القطاع الحيوي، إضافة إلى المساهمة بعدد من المشاريع الأخرى التي يتم تنفذها مع الجهات المعنية والتي ستعزز من الجهود المبذولة لتسريع وتيرة التحوّل والانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون وتحقيق نتائج بيئية واجتماعية إيجابية.
 
أمام كل هذه الجهود، ليس مستغرباً أن يختار برنامج الأمم المتحدة للبيئة برامج إعادة تأهيل النظم البيئية الساحلية والبحرية في أبوظبي، التي تقودها هيئة البيئة – أبوظبي، ضمن قائمة أفضل عشر مبادرات عالمية لاستعادة وتأهيل النظم البيئية، والتي تم الإعلان عنها على هامش الاجتماعات الرفيعة المستوى التابعة لمؤتمر أطراف اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بالتنوع البيولوجي (CBD COP15)، والتي انعقدت في الفترة من 13 إلى 17 كانون الأول (ديسمبر) الماضي في مونتريال، كندا.
 
فقصص نجاح هيئة البيئة – أبوظبي في مجال إعادة تأهيل النظم البيئية الساحلية والبحرية كثيرة لعل أبرزها نجاحها في تحسين المخزون السمكي. فمنذ إنشائها كانت الهيئة في طليعة الجهات المعنية بالبحث العلمي والإدارة البيئية في الإمارة، وقد بدأت في عام 2001 بتنفيذ برنامج بحثي سنوي لتقييم المخزون بشكل علمي، عبر تعيين عدادين للمصايد السمكية لجمع البيانات من كل مواقع الإنزال السمكي، إضافة إلى تطوير مختبر متخصص بأبحاث ودراسات الأسماك والبيئة البحرية، وذلك بهدف تقييم حالة المصايد السمكية والضغوط التي تتعرض لها، وفقاً لأكثر المنهجيات العلمية دقة وشمولية في المنطقة. وخلال 21 عاماً، نجح هذا البرنامج في تقييم 30 نوعاً رئيسياً من الأسماك، يمثلون أكثر من 96 في المئة من إجمالي الصيد التجاري في الإمارة، ما وفّر بيانات إحصائية علمية سنوية عن حالة المخزون السمكي. كما قامت الهيئة بإجراء المسح الأكثر شمولاً على الإطلاق لتقييم حالة المخزون السمكي على سفينة الأبحاث "باحث" لتقييم توزيع ووفرة المخزون السمكي في المياه الإقليمية لدولة الإمارات، وتقييم الترابط بين المناطق المحمية ومخزون الأنواع التجارية الرئيسية، وتحديث حالة الموارد السمكية والمعايير البيولوجية، والحجم والبنية العمرية لمخزون الأسماك التجارية الرئيسية.
 
وأجرت الهيئة مسحاً اجتماعياً واقتصادياً تضمن الحصول على معلومات حول المعارف التقليدية للصيد، وذلك بمشاركة 300 من ملاك قوارب الصيد، والصيادين وأصحاب الخبرة في هذا المجال في كل أنحاء دولة الإمارات. وتم الكشف عن أن 80 في المئة من الصيادين ذوي الخبرة الذين شملهم الاستطلاع اعتبروا في ذلك الوقت أن مصايد الأسماك تعرضت للاستغلال المفرط. وأثمرت الدراسة عن وضع مبادئ توجيهية طوعية ركزت على أهمية معرفة المجتمعات المحلية البحرية والساحلية ومعرفة الصيادين ذوي الخبرة، لوضع السياسات الخاصة بإدارة مصايد الأسماك من خلال التعاون مع الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة والمنتدى العالمي للصيادين.
 
واسترشاداً بالتقييمات الشاملة والدراسات العلمية للموارد السمكية التي قامت بها هيئة البيئة، وبدعم من الجهات الأخرى المعنية خلال السنوات الماضية، تم وضع مجموعة من الإجراءات المعتمدة عالمياً وتنفيذها بالتعاون مع الشركاء لإدارة المخزون السمكي. ونتج من هذه الجهود إنشاء العديد من المحميات البحرية التي تضم مناطق يحظر فيها الصيد، وإدخال وتطبيق نظام ترخيص مصايد الأسماك التجارية والترفيهية، وتنظيم استخدام معدات الصيد، حيث تم حظر اثنين من معدات الصيد شملت حظر استخدام شباك الغزل، ومُعدة الصيد بالقراقير (مصائد الأسماك القاعية) منذ عام 2018. إلى جانب تطبيق حظر موسمي لحماية الأسماك خلال مواسم تكاثرها، ووضع حد أدنى لحجم الأسماك التي يمكن صيدها لبعض الأنواع الرئيسية، إضافة إلى حظر طرق الصيد غير المستدامة.
 
وأظهرت النتائج والمخرجات لدراسات وأبحاث الهيئة أن أبوظبي تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هدفها المتمثل في مصايد أسماك مستدامة بحلول عام 2030، ومع تنفيذ القرارات والإجراءات المتعلقة بصيد الأسماك التي اتخذتها الهيئة لحماية المخزون السمكي تم تحقيق تحسن في "مؤشر الصيد المستدام" لثلاثة أعوام على التوالي حيث ارتفع المؤشر من 8.9 في المئة في عام 2018 إلى 62.3 في المئة في نهاية عام 2021. وستستمر الهيئة بتنفيذ خطتها لضمان تعافي المصائد السمكية وتحقيق الصيد المستدام.
 
الزراعة والنظم البيئية
ومن قصص النجاح الأخرى للهيئة تلك التي تتعلق بنجاح زراعة وإعادة تأهيل أشجار القرم التي تعد من أكثر النظم البيئية الساحلية إنتاجية في العالم، وتالياً فهي مهمة للغاية لأنها توفر مجموعة متنوعة من الخدمات البيئية والاقتصادية. فأشجار القرم تساعد في التخفيف من آثار تغيّر المناخ وهي تعتبر من المصادر التي تمتص الغازات الدفيئة، ولها القدرة على تخزين وعزل الكربون. فلأشجار القرم القدرة على امتصاص الكربون تصل إلى 4 أضعاف أشجار الغابات المطيرة في الأمازون.
 
وتدعم أشجار القرم في إمارة أبوظبي مجموعة واسعة من صور التنوع البيولوجي تشمل أكثر من 60 نوعاً من الطيور، و6 أنواع من الزواحف، و7 أنواع من الطحالب، و32 نوعاً من العوالق النباتية، و24 نوعاً من الأسماك، و42 نوعاً من اللافقاريات البحرية، التي تتخذ من أشجار القرم موئلاً لها. وتلعب أشجار القرم أيضاً دوراً مهماً في حماية الموائل المجاورة مثل طبقات الأعشاب البحرية والشعاب المرجانية من الترسبات، فضلاً عن المساعدة في تحسين جودة المياه ودعم أنشطة السياحة البيئية.
 
كما تحتضن أبوظبي 85 في المئة من مساحة أشجار القرم في دولة الإمارات العربية المتحدة، وفي عام 1999 نفذت الهيئة بالتعاون مع شركة البترول اليابانية (جودوكو) وبلدية أبوظبي مشروعاً كبيراً لتطوير زراعة أشجار القرم في المناطق الساحلية للإمارة، حيث تم إنشاء مشتل بالقرب من جسر المقطع. وواصلت الهيئة الجهود التي بدأها الشيخ زايد من خلال تنفيذ العديد من برامج التشجير، التي شملت زراعة أشجار القرم وأثمرت عن زراعة 15 مليون شجرة قرم خلال الـ 10 سنوات الماضية، في جزر ومناطق مختلفة منها السعديات والجبيل وياس والمغيرة والحديريات وأبو الأبيض وجبل الظنة والفرعية. واليوم تصل مساحة أشجار القرم في الإمارة إلى 176 كيلومتراً مربعاً بما يشمل الأشجار الطبيعية والمزروعة.
 
وتعمل الهيئة بالتعاون مع شركة إنجي وشركة دستنز ايمجري على تنفيذ مشروع الكربون الأزرق الذي يهدف إلى زراعة 1.1 مليون بذرة من القرم، باستخدام الطائرات من دون طيار للحفاظ على أشجار القرم في الإمارة. وقد تم اختيار هذا المشروع من قبل تحالف UpLink، منصة الابتكار المفتوحة التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي، ضمن أفضل 12 ابتكاراً توفر حلولاً للتحديات التي تواجه المحيطات.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.