في ظل الزيارة التاريخية التي يقوم بها الرئيس الصيني شي جينبينغ للسعودية والقمم الثلاث التي سيعقدها، نبش اعلاميون وكتاب تاريخ العلاقات بين البلدين واستعاد البعض رواية السفير السعودي السابق في واشنطن الامير بندر بن سلطان الذي يحكي قصة نشوء تلك العلاقات في حديقة".
وقال الأمير بندر إنه عام 1985، كانت الرياض وبكين تقفان في معسكرين متضادين، شرقي وغربي، لا علاقات ولا سفارات ولا حتى رسائل بين البلدين، بل إن السعوديين كانوا على علاقة اقتصادية مع تايوان، عدو بكين الأول، إلا أن الإرادة السياسية السعودية وعقلانية القيادة الصينية أثبتتا للعالم كيف تبنى العلاقات القائمة على الاحترام والصدق، وكيف تردم الخلافات للوصول إلى تحالف إستراتيجي، تتوجها زيارة الرئيس الصيني للرياض حالياً.
وذكر الأمير بندر أنّ الهاجس الأول لدى الملك فهد بن عبد العزيز، كان كيفية الحصول على سلاح ردع إستراتيجي، إما صواريخ أرض أرض يصل مداها للأهداف المعادية، أو طائرات قاذفة بعيدة المدى تصل لأعماق بلدان قد تهدد أمن واستقرار المملكة، خاصة بعدما شاهد العالم نتائج الحرب المدمرة إبان الحرب العراقية الإيرانية.
وأوضح الساعد، في السياق، في مقال نشره في صحيفة "عكاظ" السعودية، تحت عنوان "العلاقات السعودية الصينية بدأت في حديقة!"، بأجواء الإقليم التي دفعت الرياض للبحث عن سلاح ردع نوعي، ففي العام 1980 اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، وهي حرب طالت نيرانها الخليج العربي بسبب التعسف الإيراني وفوضى استخدامه للسلاح والمليشيات الإرهابية.
فوجد السعوديون أنفسهم محاطين بقوى معادية، إيران شرقاً، واحتلال سوفياتي لأفغانستان مقترب من فضائها الأمني مع وجود فعلي لموسكو في اليمن الجنوبي وإثيوبيا والصومال، إضافة إلى حرب أهلية متفلتة في لبنان. لقد كان الإقليم مضطرباً والرياض في حاجة لسلاح نوعي يعدل ميزان القوى.
وكانت العلاقات السعودية الأميركية في أزهى عصورها مع وجود الرئيس رونالد ريغان المتفهم لمكانة الرياض وموقعها في العالم والنتائج المثمرة للتحالف معها.
السعوديون، الذين بدأوا في تطوير منظومة تسليحهم، كانوا يطمحون في إكمالها بشراء صواريخ "بيرشينغ" الأميركية النوعية، وهما طرازان: أحدهما يحمل رؤوساً نووية والآخر برأس تقليدي، لكن ذلك تعثر بسبب موقف الكونغرس الأميركي ونفوذ اللوبي اليهودي داخله، والملك فهد لم يكن يريد خسارة حليفه الأميركي لوعيه بتركيبة الحكم في واشنطن، وتقدم رأي الكونغرس على رغبات الإدارة، إلا أن ذلك لم يمنعه من النظر إلى أسواق أخرى توفر البديل الرادع.
وأضاف الامير بندر أنّ إستراتيجية "الفهد" للحصول على أسلحة نوعية قامت على الطلب أولاً وثانياً من الأميركيين، مع عدم إحراجهم أو تكبيد الإدارة الصديقة خسارة تصويت الكونغرس، وفي الوقت نفسه إبلاغهم بطريقة مهذبة عن حق بلاده في التسلح من أي مكان في العالم.
وخلال زيارة الملك فهد لواشنطن في شباط (فبراير) 1985، وخلال لقائه بالرئيس الأميركي ريغان استطاع أن يمرر طلب الأسلحة ويثبته في محاضر الجلسة، قائلاً: "يا فخامة الرئيس أريد أن أبحث معك موضوع تسليح المملكة، أنتم تعرفون ما يحدث بين العراق وإيران ومنابع البترول قريبة من تلك المنطقة، ونرغب بأن يكون تسليحنا الإستراتيجي من عندكم وهو يعتمد على شيئين: صواريخ بيرشينغ وطائرات الـ إف 15 E، أو أحدهما. قال ريغان أنا أؤيدك، لكن يجب أن أكون صريحاً معك، الكونغرس لن يوافق، وإذا أردت سأجرب. قال الملك لا، لا نرضى أن تخسر أمام الكونغرس بسببنا».
أكمل الملك فهد قائلاً لريغان: «ألا تتفق معي أن من حق أي دولة أن تتخذ ما تراه مناسباً لحماية أمنها؟»، رد ريغان بالإيجاب.
وبعد الاعتذار الأميركي، طلب الملك فهد من فريق عمله دراسة خيارات التسليح المتاحة والتي جاءت كلها لصالح الصواريخ الصينية، ولذلك وجّه سفيره في أميركا الأمير بندر بن سلطان بالتواصل مع السفير الصيني في واشنطن، وبدأ الأمير في الإعداد للقاء عفوي من خلال الدعوة لحفل عشاء روتيني في العاصمة الأميركية يحضره سفراء ونخب سياسية من ضمنهم السفير الصيني في واشنطن هان شو، الذي رأس بعثة بلاده في الولايات المتحدة من أيار (مايو) 1985 وحتى آب (أغسطس) 1989.
وتحول اللقاء إلى أحاديث متفرقة، إلا أن الأمير بندر طلب من السفير الصيني الذهاب في جولة في «حديقة المنزل» بعيداً عن ضجيج الحفل، خلال الجولة بادر الأمير بندر ضيفه الصيني بطلب مفاجئ دفعه للتوقف لاستيعابه، فالسعوديون حلفاء أميركا ويقفون على الضفة الغربية من العالم، وها هي تطلب من الصينيين شراء سلاح نوعي، وليس أي سلاح بل صواريخ عابرة قادرة على حمل أسلحة نووية لو أرادت، فضلاً عن رغبة في تطوير العلاقات الدبلوماسية والتجارية.
اثر ذلك، لم يرسل السفير الصيني الطلب السعودي إلى بلاده عبر القنوات المعهودة، بل غادر في اليوم الثاني مباشرة إلى بكين، كون السعودية الحليف الأقوى لواشنطن خارج حلف الناتو وأكبر مصدر ومنتج للبترول في العالم.
بعد 3 أسابيع اتصل السفير الصيني بالأمير بندر الذي دعاه لزيارته والتقيا مرة أخرى في «الحديقة»، حيث قال السفير الصيني: "بكين مهتمة بموضوع الصواريخ، لكن لا علاقات بيننا، وهم يقترحون اجتماعاً بينك وبين مسؤول كبير عندهم، لتحديد الموقف بين البلدين". وأوضح الكاتب أنّ ذلك دليل على رغبة صينية لتطوير العلاقات وليست بيع أسلحة فقط.
وبعدها، غادر الأمير بندر في رحلة عاجلة للرياض، مبلّغاً الملك فهد بالرد الصيني. وتسارعت الخطوات وأثمرت عن مباحثات أولية في باكستان، الدولة الحليفة لكليهما، تحت غطاء فتح الأسواق الصينية أمام شركة "سابك".
وحرصاً من الملك فهد على علاقات متوازنة مع الجميع، طلب من الأمير بندر تقديم طلب رسمي آخر للأميركيين لشراء صواريخ أرض أرض، وإذا رفضت واشنطن يؤكد لهم بأن السعودية ستبحث عن مصادر أخرى، فالتقى الأمير بندر بن سلطان بالرئيس ريغان ووزير خارجيته جورج شولتز وأبلغهما رسالة الملك فهد الثانية.
كذلك، تسارعت المباحثات في باكستان ما أدى للقاء سري في بكين، ليلتقي الأمير بندر بنائب رئيس الوزراء الصيني، حيث مهدت لقاءات عدة لبناء علاقات إستراتيجية تتجاوز بيع بضعة صواريخ عابرة، وهو ما أكده الأمير بندر خلال المباحثات قائلاً: "هناك رغبة لدى القيادة السعودية بخلق علاقات إستراتيجية مع الصين، ويجب بناؤها على الثقة".
وأشار محمد الساعد في هذا الصدد: "علاقات بدأت في حديقة صغيرة في بيت السفير السعودي في واشنطن لتصل اليوم إلى آفاق كبرى من العلاقات التجارية والأمنية والاستراتيجية المتعاظمة، من بكين شرقاً إلى نيوم غرباً!".
وختم الساعد بالقول: "القيادة السعودية، ممثلة في الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، تؤكد بعقدها للقمة الصينية السعودية، والصينية الخليجية، والصينية العربية، أن المملكة دولة مؤسسات، وأنها لا تهرول عبثاً، فما غرسه الفهد وبندر في حديقة السفارة السعودية في واشنطن مع الصينيين منتصف الثمانينات نحصده اليوم، وما يغرسه الملك سلمان والأمير محمد سنلمس نتائجه في المستقبل القريب، بإعادة ترتيب التحالفات في الإقليم والعالم وبناء هيكلة جديدة للاقتصاد والأمن في العالم".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض