وصل الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى المملكة العربية السعودية، بعد ظهر اليوم الأربعاء، في زيارة تتضمن انعقاد قمة صينية - عربية وأخرى صينية – خليجية، فضلاً عن قمة صينية - سعودية.
وكان قد عُقد آخر اجتماع بين كبار صنّاع القرار من كلا البلدين في العام 2019 عندما استضاف الرئيس شي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. ووفقاً لـ "وكالة الأنباء السعودية"، تهدف الزيارة الحالية إلى تعزيز "الشراكة الاستراتيجية" مع بكين، وهي صياغة أثارت مخاوف واشنطن بسبب تأثيرها المحتمل على علاقات الرياض المتوترة مع الولايات المتحدة، بحسب تقرير لمعهد "واشنطن انستيتيوت" الأميركي.
وعندما زار الرئيس بايدن المملكة قبل خمسة أشهر، قال للقادة العرب المجتمعين: "لن ننسحب ونترك فراغاً تملأه الصين أو روسيا أو إيران... والولايات المتحدة لن تذهب إلى أي مكان".
العلاقة الثنائية بدأت بتزويد الصواريخ
وبحسب التقرير الأميركي، لم تُقم الصين والسعودية علاقات دبلوماسية رسمية حتى العام 1990، ويعزى ذلك بالدرجة الكبرى إلى "اعتراف حكومة الرياض منذ فترة طويلة بالحكومة الصينية المنفية في تايوان" بدلاً من حكومة جمهورية الصين الشعبية في بكين. إلّا أنّ الاتصالات مع بكين بدأت قبل ذلك بعدة سنوات.
ففي العام 1988، زودت الصين السعودية بخمسين صاروخاً باليستياً متوسط المدى من طراز "سي إس إس-2"، وهي صفقة لم تعلم بها واشنطن إلا بعد أن لاحظ محلل استخباراتي أنّ أحد الأسلحة يتم سحبها من مطار خاص يملكه الأمير سلطان بن عبد العزيز الذي كان وزير الدفاع السعودي في ذلك الوقت. وتم تسليم الصواريخ ذات القدرة النووية إلى المطار بواسطة طائرات شحن، وبعد ذلك تم وضعها في موقعين صحراويين لإطلاق الصواريخ وفي قاعدة إمداد في منطقة جنوبية نائية. وتفاقمت مخاوف الولايات المتحدة بعد أن أدركت أن الصفقة قد تمت بترتيبات أجراها الأمير بندر بن سلطان، الذي كان سفير السعودية في واشنطن.
علاوة على ذلك، تبين من عمليات الاستطلاع بالأقمار الصناعية لمنصات الإطلاق الثابتة أنّ طهران وتل أبيب كانتا من أهدافها المحتملة، بحسب تقرير "واشنطن إنستيتيوت".
وعرضت صواريخ "سي أس أس-2" مرة واحدة فقط، وذلك في العام 2014، ومنذ ذلك الحين تم استبدالها بنسخ صينية أكثر حداثة. بالإضافة إلى ذلك، تم رصد ذخائر قصيرة المدى، يبدو أنها صواريخ صينية من نوع "أم-11" في القواعد السعودية، وربما تم توفير معدات تصنيع هذه الأسلحة عبر باكستان.
النفط والاستثمار
وبحسب تقرير المعهد الأميركي، فإنّ الصين هي "الشريك التجاري الأكبر" للسعودية. ففي نيسان (أبريل)، على سبيل المثال، استوردت الصين أكثر من مليونَي برميل من النفط السعودي يومياً، أي أكثر من ربع صادرات المملكة (على الرغم من انخفاض هذا الحجم منذ ذلك الحين).
فضلاً عن ذلك، يستثمر كلا البلدين بشكل كبير في اقتصاد بعضهما البعض. ووفقاً لصحيفة "فاينانشال تايمز"، تتصدر المملكة قائمة الاستثمارات الصينية المعلنة في منطقة الخليج العربي، حيث فاقت قيمتها 100 مليار دولار على مدى السنوات العشرين الماضية.
الشؤون العسكرية
وفقاً لبعض التقارير، زودت الصين السعوديين "ببعض المدفعيات والطائرات المسيرة التي استخدموها في الحرب المستمرة ضد المتمردين الحوثيين" في اليمن. ففي العام 2017، منحت بكين المملكة ترخيصاً لإنتاج طائرات مسيرة صينية محلياً.
وتشعر واشنطن بالقلق من أن السعوديين "قد يسمحون للصين ببناء منشآت مدنية تخفي غرضاً عسكرياً". بالإضافة إلى ذلك، أجرت القوات الصينية والسعودية مناورات عسكرية مشتركة بينها مناورات بحرية في العام 2021.
الشؤون النووية
في العام 2020، ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أنّ الصين ساعدت السعوديين على بناء منشأة لمعالجة خام اليورانيوم المستخرج محلياً لاستخلاص كعكة اليورانيوم الصفراء. وعلى الرغم من الاستخدامات السلمية المتاحة لمثل هذه الأعمال (إنتاج الأسمدة مثلاً)، إلا أنّها قد تشكّل أيضاً خطوة مبكرة نحو صنع مركّب اليورانيوم اللازم في محطات التخصيب، والقادر بدوره على إنتاج المواد اللازمة لصنع سلاح نووي. ونفت المملكة وجود أي نية عسكرية.
ولكن ما ينذر بالسوء، بحسب تقرير "واشنطن إنستيتيوت"، هو أنّ ولي العهد الأمير محمد بن سلمان كان قد حذّر في العام 2018 من أنه "إذا طورت إيران قنبلة نووية، فسوف نحذو حذوها في أسرع وقت ممكن". وخلال تواصل الرياض مع المحاورين الأجانب، أظهرت بوضوح أن لها الحق في مضاهاة قدرات طهران على تخصيب اليورانيوم إذا رغبت في ذلك.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ الانخراط الصيني المحتمل مثير للقلق بشكل خاص بسبب بيعها صواريخ للرياض عام 1988، وعملها سابقاً في انتشار المواد النووية وتصميمات الأسلحة إلى باكستان.
القمة الصينية - العربية
لم تُكشف أي تفاصيل مسبقة عن القمة باستثناء انعقادها برئاسة الملك سلمان، وستضم قادة من "مجلس التعاون الخليجي" ودول عربية أخرى، على الأرجح مصر والعراق والأردن، في تكرار يشبه الاجتماع السنوي لقمة "مجلس التعاون الخليجي" + 3 مع المسؤولين الأميركيين. ووفقاً لصحيفة "عرب نيوز" السعودية اليومية، فإنه "من المتوقع أن يركز جدول الأعمال على تعزيز التعاون المشترك في الاقتصاد والتنمية".
ومن المفترض أن تشمل أهداف بكين من الاجتماع حشد دعم دول الخليج لسياساتها بشأن القضايا الداخلية الحساسة.
وقبل انعقاد القمة، أصدرت وزارة الخارجية الصينية "تقريراً عن التعاون الصيني – العربي في العصر الجديد". وأكدت الوثيقة، من بين نقاط أخرى، أن الصين ستتعاون مع الدول العربية بما يحقق المنفعة المتبادلة للأطراف، لكنها ليست مهتمة بملء أي فراغ تتركه الولايات المتحدة.
النتائج المحتملة
وعن النتائج المحتملة لقمم الرياض، رجّح التقرير أن ينبثق سيل من البيانات والاتفاقيات بشأن الاستثمار والتجارة خلال الأيام المقبلة. وأشار إلى أنّ "المقياس الحقيقي" للعلاقة بين الصين والسعودية "يكمن في تفاصيل القمة التي لن يعلن عنها"، ناهيك عن "الانسجام الواضح" في اللقاءات بين كبار المسؤولين.
وختم التقرير: "على واشنطن أن تراقب كل هذه المؤشرات عن كثب لكي تحدد مدى دفء هذه العلاقات حقاً (السعودية – الصينية)، وما هو التحدي الذي قد تمثله لسياسة الولايات المتحدة في المنطقة".
نبض