01-04-2022 | 06:29

رسائل الشتات سردية النساء

كعادةِ النّساءِ البسيطاتِ بعدَ ليالٍ ماطرة يسرنَ في دهشةِ الحكايةِ، تصيرُ الكتابةُ على وقعِ زخّاتِ المطرِ كعجين الملائكة تُبصرك دونما لغة، مَنْ أنتَ يا ابن أنكيدو، ولماذا تجلسُ في ردهةِ العقلِ وتحفزُ اللّغةَ على المجيء، كيف استطاعت أنْ تُبحرَ في نهرِ الكلامِ وتنظمَ نثراً عصيّاً لسنواتٍ كان غيابه قسريّاً؟ كيفَ تُحضرني كلُّ هذه الكلماتِ حين أسطّرُ لكَ رسائلي.
رسائل الشتات سردية النساء
Smaller Bigger
بيسان عدوان

كعادةِ النّساءِ البسيطاتِ بعدَ ليالٍ ماطرة يسرنَ في دهشةِ الحكايةِ، تصيرُ الكتابةُ على وقعِ زخّاتِ المطرِ كعجين الملائكة تُبصرك دونما لغة، مَنْ أنتَ يا ابن أنكيدو، ولماذا تجلسُ في ردهةِ العقلِ وتحفزُ اللّغةَ على المجيء، كيف استطاعت أنْ تُبحرَ في نهرِ الكلامِ وتنظمَ نثراً عصيّاً لسنواتٍ كان غيابه قسريّاً؟ كيفَ تُحضرني كلُّ هذه الكلماتِ حين أسطّرُ لكَ رسائلي.
أنتَ هُناك .. أنتَ هُنا.. أنا هُنا.. أنا هُناك، لم يعُد المكان كما كانَ. صارت البلادُ منافي تلبسُ الانتظار إلى عودةٍ لا نعرفُ إلى أين! لم يعُد للانتظارِ حضورهُ البهي ولا الوقت.
كيف التقينا في منفى " لا هُنا.. ولا هُناك.. ".
لم يعُد للمنفى سطوتهُ كما البلاد التي غابت مع الشّمسِ. 
ها هو الشّتاءُ يُعلنُ عن قدومِهِ، واسطنبول تلكَ المدينةُ الظّالمةُ تغرقُ في مطرِها اليومي معلنةً بدء خوفٍ جديدٍ يطلّ مِن نافذتي الزّجاجية، ونزار قباني يُصيبني بالخوفِ كلّما اشتدّ المطرُ وأنا لا أزالُ في المنفى وحيدة.
أنا أمرأةٌ بسيطةٌ، يا الله! أمراةٌ بسيطة، أخافُ مِن صمتِ الشّارعِ بعد ليلةِ مطرٍ عنيفٍ، وأخافُ مِن سكوتِ الغِربان وهي ترقبُ المدينةَ الخاويةَ مِن الدفيء، وأخافُ أنْ أضلَّ الطّريقَ حين لا يعملُ محرّك الخرائط على غوغل، وأخافُ مِن الجيران حين يتلصّصونَ مِن خلفِ نوافذِهم المغلقة. 
كلّما بدأ صوتُ الزّخاتِ يعلو تشدو "جاهدة وهبه": "أخافُ أنْ تمطرَ الدّنيا ولست معي، فمنذ رحت وعندي عقدة المطر". أعود مع صوتها إلى البلادِ حين أعترفت لي أوّل مرة عبر الهاتف "أحبك". 
أبدأ في صنعِ قهوتي الصّباحية وأنا أسمعُ وحدي صوتكَ حين أخبرتني يوماً "والأن اجلس والأمطار تجلدني على ذراعي على وجهي، علي ظهري، فمن يدافعُ عنّي يا مسافرة مثل اليمام بين العينِ والبصرِ، وكيف أمحوك مِن أوراقِ ذاكرتي وأنت في القلبِ مثل النّقشِ في الحجرِ، يا مَن تسكنينَ دمي إنْ كنت في الصّينِ أو إنْ كنت في القمر". 
منذُ أيامٍ جلستُ في مقهى يطلُّ على كلِّ اسطنبول وبنايتها القديمةِ المكسوةِ بالقرميدِ وتحتَ قدميه يرقدُ البوسفور بزرقتهِ الباهتة، أخبرني صديقي اليمني أنّه مقهى نزار حين كان يعملُ ملحقاً ثقافياً في تركيا، يأتي كلَّ مساء يكتبُ لحبيته بلقيس عن المطر. 
يقولون لا تأمن النّساء ولا الطّقس في اسطنبول، كلاهما يشبه تلك الجبال القاسية الموحشة، كما التّاريخ الذي يرقبُ قصص العاشقينَ الذينَ مرّوا صدفةً في المتنِ فأزهرَ الهامشُ بعضاً مِن الوقتِ. 
أنا أمراةٌ بسيطةٌ، يا الله! أخافُ أنْ ينساني حبيبي، ويطويني في ذاكرته البعيدة وينسى اسمي ذات يومٍ لأنّي أطلتُ الغياب. لا أخشى الموتَ ولا أقبيةَ السّجنِ، ولا محاكمَ التّفتيشِ التي تجتاح بلادنا، لكنّي أخافُ مِن الانتظارِ أمامَ شاشةِ هاتفي في انتظارِ رسالة مِن حبيبٍ يخبرني بها " اشتقتلك" ولا تأتي! أخافُ مِن الأنتظارِ في صالاتِ المطاراتِ، وفي مدنِ التّرحيلِ، وفي غُرفِ المستشفى مِن توقّفِ الانترنت في بيتِ أمّي فيهجرني الدّفء، ومن طوابيرِ اللّجوءِ على نوافذِ السّفاراتِ الغربيةِ، وأخافُ مِن البحرِ لأنّه مجهولٌ تماماً كما المنفى لا ينتهي.
في زمنِ الجائحة تتغيرُ ملامحُ المكانِ سريعاً، تتغيرُ الملامحُ والوجوه، تغلقُ أبواباً.. وتفتحُ  أبواباً أُخرى، وعوالمَ أخرى. سريعةٌ هي المدنُ تتبدلُ معالمها حينَ يهجرُها النّاسُ، ويقطنُها الوباءُ، وخلفَ أقنعةٍ قماشيةٍ يختبئ الخوفُ في أوصالنا. 
كنتُ أرقبُ المطرَ مِن عُزلتي الإجبارية وأسافرُ إلى البعيدِ حيثُ البلادِ الأولى التي أنجبتني وحملتُ جيناتها في دمي وانتسبتُ الى مسقطِ قلبها وصارَ بعضٌ منها اسمي الذي أحملهُ في روحي وقسمات وجهي وجواز سفري. منذ ذلك الشّتاء وأنا مشغولةٌ بإعادةِ ترتيبِ المساءاتِ والخيباتِ بما يليقُ بالمنافي التي وطأتها. 
أُقلّبُ الصّور المحفوظة في هاتفي القديم، وأعلقُ بين مكانينِ.. ومدينتين.. هنا/ هناك... هناك/ هنا.. أتعرفُ أنّ الصّورَ القديمةَ تخدعنا كثيراً، توهمنا بأننا أحياء فيها، لم يعُد بمقدوري أنْ أراني.. لم أعد أعرفني.. مَنْ هذه التي أنظرُ إليها. 
في بلادِ الشّتاء هذه، أشعرُ بالتيه؛ لم أعد تلكَ المرأةُ التي أعرفها، شيء ما ضاعَ.. فقدتُ جزءً منّي في هذا المنفى، فقدتُ البلادَ أيضاً، شيءٌ تسرّبَ مِن روحي.. الشّغفُ الذي  كلُّ ما أملكهُ هجرني، ولكن لا أعرفُ إلى أين! 
لا أنا هُنا.. ولا أنا هُناك.. ولستُ عالقةً ما بينَ بين.. 
لا أعرفُ غير أنْ أبقى نائمةً حتى يأتيني حُلمٌ أو علامةٌ ما تُرشدني، أو ربما تدُلّني الملائكة على الخروج. 
أحياناً، أفقدُ الرّغبةَ في الكلامِ... تهجرني اللّغةُ.. يصيرُ العالمُ دون صوتٍ.. عالمٌ يُشبهني وحسب! 
هذا الخواءُ.. هذا التّيهُ الباردُ.. فراغٌ يملاءني.. أخافهُ بشدّةٍ ولا أقوى على الاحتماء منه في كلّ شيء.. 
لم أعد أحتملُ صوتَ أُمّي، لا أقوى على سماعِ حُزنها أو سماعِ الابتهالاتِ والأدعيةِ التي ترسلها لي كلَّ صباح. 
ليس بوسعي العودة أو الذَّهاب إلى البلادِ أو الرّحيلِ إلى مكانٍ آخرَ أو البقاء في مكان ما.
الغيابُ هو ما أشعرُ به الآنَ.
في حضرةِ المنفى تصيرُ كلّ الذّكرياتِ وكلّ المروياتِ واللّغةِ سماء ملبّدةً بالغيومِ. تختبرُ كلَّ يومٍ قناعاتك، وتعيدُ قراءة تشيخوف وصومائيل بيكيت وكافكا كأنّها المرّة الأولى، تصيرُ البديهاتُ عصيّةً على الفهمِ أو الاحتمالِ، تتوقّفُ أمامَ شاشةِ هاتفك في حضرةِ الاحتمالِ ندركُ ما لم نك ندركهُ من بديهياتٍ. 
غرّد صديقٌ من بلادِ الهنودِ الحمرِ أنّه كان يسمعُ فيروز لأنّها صوت الملائكة التي تأتيه مِن البلادِ، لم يعنيه أنّ فيروز ليست عربية أو أنّها مسيحية ارثوذكسية، ولا حتى أنا؛ نحن لم ننتبه يوماً إلى أنّ أدونيس علوي والسّياب سنّي، والماغوط شيعي اسماعيلي؛ ولم نكترث ليهوديةِ ليلي مراد، ولم نختلف يوماً حول مي زيادة، هل هي فلسطينية أم لبنانية؛ ولم تمنعنا قبطيّة فؤاد المهندس عن الضّحك، ولا شيعية دريد لحّام عن مشاهدة مسرحياته وحفظها عن ظهر قلب؛ ولم تمنعنا شيعيّة ناطق فرج عن الأملِ، لأنّنا كبرنا في زمنٍ لما تكن أدواتُ الإستعمارِ تستخدمُ الدّين لعبةً لسفكِ الدّماء، وتكميم الافواه، وكتابةِ تاريخٍ جديدٍ للتّطبيعِ مع الرّجلِ الأبيضِ بعد أنْ خرجَ مِن برشلونة منذ مئات السّنين وعثرَ على بلادنا.
ليس هناك تاريخٌ واحد، هناك تاريخٌ يُكتبُ في المتونِ وأخرَ مطمورٌ لا يتسعُ للمراوغةِ، تاريخُ أولئك المنفيينَ والمنسيينَ سُكان البلادِ الأصليينَ، تاريخٌ لا يعرفهُ المنتصرونَ والجالسونَ فوقَ العروشِ، تاريخُ أولئك الذينَ يقاومونَ الجائحة ويقطفونَ حبّاتِ القهوةِ في البلادِ الحارّةِ لنصنعَ منه ذاكرتنا الصّباحية، وعمال البناء الذين شيّدوا المعابد المهيبة لالهةٍ مِن صنعِ البشرِ، لا يزالون يجلسونَ على أرصفةِ البردِ كلَّ نهارٍ ويحفرونَ تاريخاً لالهةٍ في السّماءِ.
في بلادٍ التّركِ بنوا قوميةً ولغةً على تاريخٍ مزّيفٍ لا يسيرُ في خطٍ مستقيمٍ؛ جارتي التي تسكنُ في الطّابقِ الأوّلِ "علمانية" تكرهُ العربَ كثيراً، لا أعرفُ ما العلاقة بين العلمانية وكراهيتنا، منذ قدومي إلى هذا الحيّ وهي تصرخُ في وجهي بكلامٍ غير مفهومٍ، يغضبُها هدوئي وصمتي، ويغضبُها أنّ هناك تاريخاً موازياً ومتعدداً يمشي في مساراتٍ أُخرى تجهلُها. التّاريخ لديه دائماً ما يرويه، لديه سردياتٌ مخفيةٌ ونقوشٌ ورسومٌ وأثارٌ مهمّشةٌ نُبصرها يومياً في صورنا وملامحنا وذكرياتنا وأحلامنا وانتكاساتنا وهزائمنا وشوقنا إلى البلادِ، فالماضي وهو مفتاح الحاضر، وهو صورتنا التي نورثها في القادم.
في بلاد الغال، قتلَ الفقرُ والتّهميشُ ذلك المعلمَ الفرنسي على يدِ مهاجرٍ شيشاني قتلهُ الخوفُ والبردُ والجوعُ، وهناك أُمٌّ روت دجلةَ بدماءِ أطفالها مِن الخوفِ، وذُبحَ طفلُ الزّرقةِ في عمان، ذلك الذي  كان يأُمّنُ الخبزَ لأُمّهِ بعدَ ليالٍ طويلةٍ مِن الجوعِ؛ وفتاةٌ أُخرى في المحروسةِ سُحلتْ في طريقٍ عام أمام المارّةِ لأنّها قاومت لصوصاً صغاراً، بينما طُعنت أمراةٌ عربيةٌ في باريس لأنّها غطّت رأسها خوفاً أو محبّة في الله؛ وطفلةٌ عربيةٌ أُغتصبت في روضتها في برلين دونَ أنْ يتحرّكَ أحد.
أنا أمراةٌ بسيطة، يا الله! لا أخافُ مِن القتلِ الواضحِ، لا أخافُ مِن جنودِ الاحتلالِ، ولا دباباتُ الميركافا، ولا طائراتُ اف 16 التي اعتدنا أنْ ننامَ على صوتها في غزّة؛ أخافُ التّفاصيلَ التي انفجرت في مرفأ بيروت، وأخافُ أشباحَ قتلانا في صبرا وشاتيلا التي تزورني كلَّ ليلةٍ منذُ أربعينَ عاماً، أخافُ أنْ أظلَّ محاصرةً بنصفِ ارتباطٍ ونصف ِانفصالِ، مشتاقةٌ إلى الماضي ومنبوذةٌ منه.
أنا امرأةٌ بسيطة، يا الله! أخافُ مِن أبناء ابرام حين يكتبونَ التّاريخَ باسمك. 
هنا ينتصرُ الغُرباءُ على الملحِ، ويختلطُ البحرُ في الغيمِ، هنا ينتصرُ الغرباءُ على قشرةِ القمحِ فينا
ولن يبقَ شيءٌ لنا في الزّمانِ الجديدِ.
في كتابهِ "الآلهة التي تفشلُ دائماً" يقولُ إدوارد سعيد إنّ صعوبةَ المنفى لا تكمنُ في الإجبارِ على العيشِ بعيداً عن الوطنِ، بل العيش مع أشياء كثيرة تذكّرك دائماً بأنّكَ منفي، وأنَّ وطنَكَ في الواقعِ ليس بعيداً عنك". 

من كتاب " رسائل الشتات: سردية المنفى والوباء"، الرسالة العاشرة، صادر عن دار ابن رشد والرقمية للنشر والتوزيع، 2022.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم 4/19/2026 7:09:00 AM
ظهرت على جثتين علامات تدل على إجراء تشريح.
لبنان 4/19/2026 12:00:00 AM
تفلت الحزب اتخذ مظهرا خطيرا إعلاميا وسياسيا في ظل إطلاقه تهديدات سافرة مباشرة ضد رئيس الجمهورية 
فن ومشاهير 4/16/2026 12:06:00 PM
ولي العهد الأردني يفاجئ المتابعين بفيديو الأميرة إيمان في يوم العلم.
فن ومشاهير 4/19/2026 10:55:00 AM
تعرض هاني شاكر لتوقفٍ مفاجئ في القلب.