01-04-2022 | 06:12

أدب المنافي واللجوء... سرديات تحمل ملامح البلاد

تطل علينا المنافي على الدوام، بمبدعين شعراء وروائيين ومترجمين هجروا قسريا من بلادهم لكنهم حملوها معهم حيثما ذهبوا، ليس في ملامحهم ولهجاتهم التي ظلت حبيسة جدران بيوتهم الجديدة، لكنها عبرت أروحهم واستقرت في سردياتهم الجديدة. كثير منهم اضطروا إلى الهجرة والنفى، وما بين الوطن والبلاد الجديدة خلقوا رؤي جديدة أثرت بشكل ملحوظ علي مسارهم الأدبي وأضافت آسلوبا متنوعا وجديدا في الأدب العربي، ومؤثرا في الأدب الغربي بالوقت نفسه. كانت حكاياتهم عن المهاجر والمنافي والبلاد مفتاح السر نحو سردياتهم.
أدب المنافي واللجوء... سرديات تحمل ملامح البلاد
Smaller Bigger
بيسان عدوان (*)

تطل علينا المنافي على الدوام، بمبدعين شعراء وروائيين ومترجمين هجروا قسريا من بلادهم لكنهم حملوها معهم حيثما ذهبوا، ليس في ملامحهم ولهجاتهم التي ظلت حبيسة جدران بيوتهم الجديدة، لكنها عبرت أروحهم واستقرت في سردياتهم الجديدة. كثير منهم اضطروا إلى الهجرة والنفى، وما بين الوطن والبلاد الجديدة خلقوا رؤي جديدة أثرت بشكل ملحوظ علي مسارهم الأدبي وأضافت آسلوبا متنوعا وجديدا في الأدب العربي، ومؤثرا في الأدب الغربي بالوقت نفسه. كانت حكاياتهم عن المهاجر والمنافي والبلاد مفتاح السر نحو سردياتهم. 
 
من البلاد الحنطية الأوسطية نحو بلاد الثلج، روى ثلاث من المبدعين عن علاقتهم المشتبكة بين البلاد الأم  التي هجروا منها قسرا والبلاد الجديدة. فمن سوريا والعراق ومصر ومدنهم وأحلامهم ومسارات حلوا بها نحو بلاد بعيدة وغريبة كانت الحكاية: 
 
من حلب الى باريس مرورا بمدن وعواصم لها خصائصها وسماتها الثقافية الخاصة، ظلت تحمل هوية خاصة ممزوجة بأصوات النساء في الحرب وفي المنافي، علي وقع هوية كردية/ عربية تروي الكاتبة مها الحسن حكايات النساء اللواتي يؤرخن للوطن وللحرب والمنفي والمعاناة التي عايشنها في البلاد أو في المهاجر.  
مها حسن روائية كردية سورية من مدينة حلب ولدت عام 1950، استقرت في باريس بعد خروجها القسري من حلب بعد الثورة السورية والحرب التي طالت كل المدن السورية عام2011. فأرخت للبلاد في أعمالها وحفظت الأمكنة والهويات وانتقالها بين الهويات والمنافي بوصفها "كل هذه الأمكنة وغيرها، تزوّدني بالسرد.
 
لكل مكان خصوصيته وإلهامه. من هنا فأنا أعتبر نفسي محظوظة بهذا التعدد الثقافي واللغوي. أنا كائن متطلّع إلى الاحتكاك بالآخر بشكل عام، وأحبّ التعلم والتعرّف على الشعوب والثقافات، وكلما دخل حياتي مكاناً جديداً، شعرت أن ضوءاً معطّلاً ينبثق في داخلي، وينير درب كتابتي.. وحول ارتباطها بالأمكنة تخبرنا حسن "قضية أن أهجر سوريا إلى الأبد، في العمق تخلق لدي حالة من عدم الاستقرار في العلاقة مع المكان الأول، من هنا، قد تكون الكتابة أداة تحرر من الانتماء الضيق للمكان... ربما أيضا لدي في العمق رغبة في التطهّر من ذنب العلاقة مع المكان الجديد، أعني ذنب عدم الانتماء لهذا المكان الذي منحني الكثير من الأمان والحرية، فتبدو اشتغالاتي على الوطن والانتماء مرهونة بالمكان الجديد والرغبة في رد الجميل له..
 
بين بغداد وكوبنهاجن يتمتع الشاعر العراقي الدانماركي سليم العبدلي برؤى عميقة ذات خصوصية، فالهجرة من العراق كما يخبرنا كانت بدوافع سياسية وثقافية يقول العبدلي أن "حالة العراق ليست فريدة، ولكن تفرّدها يكمن في إمتداد بطش السلطات آنذاك لكل شيء وخلال الاربعين عاماً من العيش في المنافي، كان الهمّ هو غسل جلدتي من مخلفات ذلك المجتمع التي علقت بي في العشرين عاماً التي عشتها في العراق. 
 
وهذا لا يعني أني ارتميت في أحضان ثقافة أخرى، على العكس، فان التخلص من مخلفات العراق جعل من جلدتي أكثر حساسية تجاه أي ثقافة قادمة، وأصبحت جلدتي أكثر انتقائية في تبني الثقافات الجديدة أو جزء منها، مضيفاً: على هذا المبدأ باتت علاقتي مع المنافي تأخذ طابعاً أخرَ.. في البدء كنت كاليتيم المشرد أبحث عن أولياء أمر جدد يحلّون محل أبويّ ولكن سرعان ما أخذت منحى آخراً، فيه ازدادت حاسة النقد والاستخلاص لكل ما صادفته، تلك الحاسة التي جعلت مني أن أكون في صفوف المعارضة لأي نظام ولأي ثقافة عامة في المجتمع، وهنا بدأ دور المثقف الناقد ينمو، ومعه نمت قدرة الكتابة التي شكلت الاداة المثلى للتعبير عن هذا الدور، الذي كان حتمياً في السنين الأولى من إقامتي في الغرب، لكوني منفيّاً من قبل نظام فاشي، فكان التركيز على القضايا الوطنية-العراقية هو الشاغل الأكبر. ولكن عندما تبتعد عن بلادك، يتسع أفق الرؤية، وتبدأ ترى ما حول بلادك، وكيف لحال بلادك أن يؤثر على جيرانك الأقربون، ثم الأكثر بعداً".
مدنٌ وأحياء متنوعة في جغرافيّاتها وثقافاتها شكَّلَتْ أحد الروافد الثقافية لدى الروائي طارق الطيب، فمن الأحياء القديمة في القاهرة حيث ولد، وجذوره السودانية الي النمسا في أوروبا رسَمَ طريقَهُ في خريطة الوعي والإبداع، تجسَّدَت في أعماله الأدبية المتنوع. 
 
كتابات الروائي السوداني المصري النمساوي باتت ظاهرةً ثقافيةً وأدبيةً، بحيث تُرْجِمَت أعماله إلى لغاتٍ أوربّيَةٍ مختلفةٍ، فيما عكست شخصيتُهُ حالةً من التلاحم العميق ما بين الشرق والغرب كما الطيب صالح ومحمد شكري. 
 
ولا يعتبر طارق الطيب أنه يعيش في منفى رغم أن كتابته لا تخرج من البلاد الأولي، بل تستحوذ علي دور البطل فيقول "أنا حقيقةً لستُ في منفى، لكنني عِشْتُ لبضع سنوات فترة "الاغتراب" في بداية وصولي إلى فيينا في العام 1984، تلك الغربة تُشْبِهُ مَعينَ الطفولة فهي خزينٌ أفادَني أيضاً في كتابتي. أدركتُ من اللحظة الأولى لوصولي إلى فيينا أنني أنا الغريب هنا ولستُ من أهل البلد، وأحتاجُ إلى مقاومةٍ من نوعٍ خاص. 
 
يوصف الطيب البلاد التي عالقة في أروحنا بالقول "المكان يشبه اللغة إلى حدٍّ كبير، ولا يمكن للشخص أن ينسى لغته، لذا فمثلما اللغة حاضرة على لساني فبالتالي الأمكنة التي في ذاكرتي حاضرةٌ أيضاً في نصوصي.. أمكِنَتي الرئيسية إذا اعتبرنا المكان هو البطل هي: مصر والسودان والنمسا".

(*) كاتبة وصحفية فلسطينية، تعيش في إسطنبول بعد سنوات من الانتقالات من المنافي في العالم العربي

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم 4/19/2026 7:09:00 AM
ظهرت على جثتين علامات تدل على إجراء تشريح.
لبنان 4/19/2026 12:00:00 AM
تفلت الحزب اتخذ مظهرا خطيرا إعلاميا وسياسيا في ظل إطلاقه تهديدات سافرة مباشرة ضد رئيس الجمهورية 
فن ومشاهير 4/16/2026 12:06:00 PM
ولي العهد الأردني يفاجئ المتابعين بفيديو الأميرة إيمان في يوم العلم.
فن ومشاهير 4/19/2026 10:55:00 AM
تعرض هاني شاكر لتوقفٍ مفاجئ في القلب.