لبنانيون في غربة موحشة في وطنهم الأم ... قصص متأرجحة بين الكثير من المعاناة وشيء من الأمل
يشعر غالبية اللبنانيين، باستثناء الطبقة الحاكمة منذ عام 1975 الى اليوم، بأنهم لا يملكون حياتهم في وطنهم، فيتحولون الى لاجئين في بلدهم الأصلي، وهذا يتضح من خلال نماذج لقصص متأرجحة بين الكثير من المعاناة وشيء من الأمل...
يشعر غالبية اللبنانيين، باستثناء الطبقة الحاكمة منذ عام 1975 الى اليوم، بأنهم لا يملكون حياتهم في وطنهم، فيتحولون الى لاجئين في بلدهم الأصلي، وهذا يتضح من خلال نماذج لقصص متأرجحة بين الكثير من المعاناة وشيء من الأمل...
لكن الأمل لم يتحقق وظلّ في البال مجرّد حلم من أحلام السيدة زكية كنيعو (81 عاماً) وابن شقيقها بشّار (41 عاماً)، الذي شبّ وحيداً من دون أشقاء ويتيم الوالدين منذ أعوام طويلة ليترك القدر له عمّته زكية لترعاه من تشوّه خلقي حادّ أقعده أسير الكرسيّ النقال. هو المصاب أيضاً بداء الصرع...
لم يأت أيّ من أقاربه لاصطحابه الى نزهة منذ عام ونصف العام لأنه يترتب عليه حمل بشّار من الطابق الخامس في المبنى الى المدخل لأن المصعد "خارج عن الخدمة" منذ زمن بعيد...
نذرت السيدة زكية كنيعو حياتها من أجل بشار وباتت عائلته الوحيدة بعد أن حرمت نفسها الزواج... بادرت حديثها بالتشديد على أن بشار يتناول يومياً أدوية عدّة منها لداء الصرع ولتنظيم دقات القلب وآخر للضغط إضافة الى دواء للنوم، مشيرة الى أن "المحسنين كثر في مساعدتنا على توفيرها لبشار...".
تصمت بحسرة لتهبّ مسرعة لمسح دموع بشّار، التي تنهمر أمامنا بسبب ألم شديد في رجله...
طمأنته العمّة العزيزة أن الدواء سيخفف من وجعه بعد وقت قصير، فيما ينساق نظرك الى أقسام البيت الصغير المصدّع في بعض أقسامه مع وجود مشكلة تفشّي "النشّ" على جدران المنزل كله...
كيف توفر الطعام؟ أجابت أن لديها "بعض الأرز، المعكرونة، الشعيرية والملح والسكّر، وهي من المساعدات التي تصلها من أولاد الخير"، مشيرة الى أن "اللحم والدجاج باتا شيئاً نادراً جداً، رغم أنها ستشتري اليوم أوقية لحم مفرومة لأن بشّار يرغب اليوم في تناولها...".
توقفت عند الصعاب التي تواجهها مع بشّار، ولا سيما في "حمله لإدخاله الحمّام لأنني لم أعد أقوى على حمله"، مشيرة الى أنه "لم يستحمّ منذ أيام عدّة وهذه حالي أيضاً...".
قالت: "أنتظر مساعدة الأقارب للقيام بذلك".
تعتمد السيدة زكية، التي تحتاج أيضاً الى تناول دواء للضغط، على المساعدات، التي تأتيها لدفع 324 ألف ليرة وهو الرسم الشهري لإيجار البيت مع ضرورة توفير الحاجات الخاصّة لبشار، الوحيد في عزلته، إضافة الى أن جيرانها يمدّونها بشريط من اشتراك الموتور ليتابع بشّار وعمته التلفزيون أو لإنارة لمبة...
هل يمكن لبشار أن يرى في وضعه بصيص أمل؟ في الحقيقة، ذكر لنا أنه يرغب في البقاء في لبنان مع عمّته طبعاً.
عبّر عن حبّه الكبير للرئيس سعد الحريري مردّداً على مسمعنا وهو يحمل صورته بين يديه أنه لن ينتخب لأن الشيخ سعد الحريري يقاطع الانتخابات ونحن متضامنون معه...
العليّة ... والمدرسة
الى قصّة أخرى قد لا تكون موجعة مثل الواقع الصعب اليومي الذي تعيشه السيدة زكية كنيعو وابن شقيقها بشار كنيعو.
دخلنا الى محل صغير لبيع أكسسوار الهواتف الخلوية التقليدية والعادية بأعداد محدودة جداً... يجلس الصغير محمد (سنتان ونصف) على كرسيّه الصغير ينظر الى أمّه منى محمد ناصر، التي تبيع هذه المستلزمات لتوفير بعض المدخول لعائلتها المؤلفة، الى محمد الصغير، من فضل (12) عاماً ومناسا (7 أعوام).
سألناها عن حال أولادها لتجيبنا بأن "فضل ومناسا التحقا اليوم، أي بعد مرور أسبوعين على انطلاقة الفصل الثاني من السنة الدراسية، لأننا لم نتمكن من توفير رسوم الفان للوصول الى مدرستهما في منطقة التحويطة والعودة الى المنزل في رأس النبع...".
لمَ يذهبان الى مدرسة في التحويطة؟ الجواب بديهي لدى السيدة منى ناصر وهو أن "ابن عم زوجي يتكلف بتأمين دراسة ولديها في المدرسة التي يمتلكها في التحويطة"، قالت بحسم وفخر: "هما من الأوائل في المدرسة...".
لا يمكن لأيّ كلمة أن تصف وضع العليّة في داخل محلّ الأكسسوار، التي تنام فيها العائلة، وهي تتألف من مكان ضيّق جداً فيه زاوية للمفرش، الذي يوضع أرضاً للنوم مع وجود ستارة تفصل بينه وبين الحمّام.
تلاحظ صباحاً حبال غسيل، توضع عليها الملابس في جانب من العلية مع تسجيل وجود مروحة على شمال هذه الحبال ويمينها للمساعدة على تنشيف الملابس بسرعة...
أين زوجها؟ أجابت "إنه في العمل. لديه وظيفة ثابتة متواضعة الدخل لإعالة العائلة"، مشيرة الى أن "الأزمة الخانقة الاقتصادية جعلتها تخشى على مصير عائلتها متمنية أن تسمح الظروف لها بالهجرة من لبنان الى بلد أفضل...".
ماذا خسرت؟ قالت: "أجبرتها الظروف المالية الخانقة على أن تعيش هنا بعد أن عجزت عن دفع إيجار المنزل...".
نزلت الدرج الحديدي الفاصل بين العليّة الى المطبخ، الذي هو في المقلب الخلفي من المحلّ. توجّهنا معها والصغير محمد الى المطبخ، الذي سكن جدرانه النش، سائلين عن طعام الغداء اليوم لتقول إنها أعدّت طبقاً من المجدّرة الصفراء لليومين المقبلين".
قالت: "ننتظر أن ينادونا لنأخذ ربطة خبز وبعض البصل والبطاطا...".
ماذا عن اللحم والدجاج؟ قالت: "لم نتناولها منذ مدّة طويلة...".
صمتت لتصارحنا بأنها تخشى أن يزيد صاحب المحل إيجار المتجر عليها، ما سيجبر العائلة على العيش مع ذوي زوجها...
لم تخف معلومة واحدة عنا قبل رحيلنا بالقول إن لها ضرّة تعول نفسها في منزل آخر مع ولديها مقنعة نفسها بأن زوجها هجرها ليبقى معها ومع أولاده الثلاثة...
المعيلة الوحيدة لابنها
الفصل الثالث من التراجيديا الإنسانية في لبنان اليوم هو قصة ميرنا حبوش المنفصلة عن زوجها والمعيلة الوحيدة لصغيرها كريس (سنتان ونصف) من مدخول عملها في المحاسبة، مع الإشارة الى أن تعتمد على دعم أهلها لتوفير المأكل والمشرب لكلّ منهما...
حياة ميرنا تغيّرت بعد الانفجار المشؤوم في 4 آب 2020. أدّى تناثر زجاج سيّارتها، التي كانت تقودها يومها، الى فقدانها النظر في عينها اليمنى، وقطع أوتار بعض أصابعها، وبقاء بعض الزجاج المتملك في اليد نفسها الى اليوم...
ماذا حصل؟ قالت إنها عادت الى منزلها في الكرنتينا بعدما رمّمته إحدى الجمعيات مشيرة الى أنها لم تتمكّن من توفير أثاث للمنزل باستثناء كنبة "مستعملة" نجلس عليها الآن.
عمدت الى استعارة بعض الأدوات المنزلية من شقيقتها، ومنها غسّالة أوتوماتيك وفرن لتسهيل شؤون عائلتها الصغيرة.
كيف تعيش ميرنا؟ تحلم بالهجرة مع صغيرها طبعاً لأن الأفق مسدود في لبنان.
شدّدت على أن وزارة الصحّة رفضت استقبالها مرّتين طالبة منها متابعة عملية تغطية فروق إجراء العمليتين الجراحيتين مع الضمان الاجتماعي، أي عملية تركيب عدسة لعينها التي لن ترى مجدّداً بها، وعملية أخرى ليدها، مشيرة الى أنها اعتقدت أن الوزارة تكفلت تغطية نفقات علاج جرحى المرفأ...
بادرت شقيقتها، وفقاً لما ذكرت لنا، إلى "جمع نفقات العملية التي تأمل أن تجري في منتصف هذا الشهر...".
ماذا حرمتها الأزمة الحالية؟ قالت: "أنفق قسماً من راتبي لتأمين حليب لصغيري والحفاضات الخاصّة به، إضافة الى تغطية تكاليف رسوم محدودة للبيت. حرمتني الازمة التوجّه الى مزيّن الشعر، شراء الثياب والخروج للّهو مع ابني...".
Twitter:@rosettefadel
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم
4/19/2026 7:09:00 AM
ظهرت على جثتين علامات تدل على إجراء تشريح.
لبنان
4/19/2026 12:00:00 AM
تفلت الحزب اتخذ مظهرا خطيرا إعلاميا وسياسيا في ظل إطلاقه تهديدات سافرة مباشرة ضد رئيس الجمهورية
فن ومشاهير
4/16/2026 12:06:00 PM
ولي العهد الأردني يفاجئ المتابعين بفيديو الأميرة إيمان في يوم العلم.
فن ومشاهير
4/19/2026 10:55:00 AM
تعرض هاني شاكر لتوقفٍ مفاجئ في القلب.
نبض