بقعة ضوء في مخيّم شاتيلا... كنانة ومحمّد كسرا النمطية: "حياة كفاكهة الصبّار"
في مخيّم شاتيلا البيروتي، حكايا ألم وأمل، وطاقات تبحث عن مساحات التعبير عن الذات. في يوم بارد عاصف، مشينا في حنايا المخيم. وسط الأبنية المتهالكة، وأشرطة الكهرباء العشوائية المتدلية وروائح الصرف الصحي العابقة، بحثنا عن بقع ضوء، وجدناها في قصص ترفض الاستسلام للواقع، وتتوق للبوح ولفت الأنظار الى احتمالات الحياة الفسيحة، والى القوة الايجابية الدافعة للتغلب على يوميات البؤس. لنتعرّف على قصتي كنانة ومحمد...
إيسامار لطيف
في مخيّم شاتيلا البيروتي، حكايا ألم وأمل، وطاقات تبحث عن مساحات التعبير عن الذات. في يوم بارد عاصف، مشينا في حنايا المخيم. وسط الأبنية المتهالكة، وأشرطة الكهرباء العشوائية المتدلية وروائح الصرف الصحي العابقة، بحثنا عن بقع ضوء، وجدناها في قصص ترفض الاستسلام للواقع، وتتوق للبوح ولفت الأنظار الى احتمالات الحياة الفسيحة، والى القوة الايجابية الدافعة للتغلب على يوميات البؤس. لنتعرّف على قصتي كنانة ومحمد...
كنانة عبد المجيد، الأمّ والمحاربة ذات العزيمة الصلبة، التي تحدّت المجتمع والقانون لتستعيد حضانة ابنتها بعد طلاقها، على الرغم من أنّ هذه الفكرة مرفوضة تماماً في الوسط الفلسطيني عموماً وفي المخيّم خصوصاً، لم تستمع إلى الأصوات الحاقدة والرجعية بل استمعت إلى نفسها وأصبحت اليوم قدوة لكلّ أم وامرأة. لا تزال معالم التنقل من بلد إلى آخر وويلات الحرب ظاهرة على وجه كنانة، حتّى إنّها تسكن صوتها، فهي التي ذاقت مرارة الحرب السوريّة والفلسطينيّة معاً، وما تلاها من نزاعات تقصم الجبل فكيف بامرأة؟
إلى لبنان كانت وجهتها وابنتها، بعدما خطفها منها زوجها آخذاً إيّاها إلى السويد، فتحوّلت هذه الأمّ إلى لبوة انقضّت على العادات والقوانين لتغلب عاطفتها كلّ شيء آخر، واستطاعت بعد سنة استعادة ابنتها وحرّيتها معاً.
تروي كنانة في حديث لـ"النهار" رحلتها مع الحياة، رافضةً تسميتها بالمعاناة، لأنّها تعتبرها فرصة للتغيير وإثبات الذات. وعلى الرغم من بساطة مسكنها لاقتنا بروح مرحة ما زالت تنبض بالعطاء، فكان سؤالنا الأول الذي تهفو له نفس الأكثرية: "كيف تصفين حياتك في المخيّم؟"، فجاء جوابها ببساطة مع ابتسامة خفيفة: "أشبّه حياتي بالمخيّم بفاكهة الصبّار، فهي شائكة من الخارج إلّا أنّ داخلها حلو وطيّب".
وتُضيف في حديثها: "لم يكن الخيار سهلاً، ففكرة تحرّر المرأة بحدّ ذاتها تُشكّل خلافاً، فكيف إن كانت هذه المرأة مطلقة ولاجئة مع ابنة صغيرة دون أيّ سند؟ فحتّى عائلتي بعيدة عنّي وهذا عرّضني لمجالات ابتزاز عدّة، إلّا أن هذا الأمر لم يخِفني لا بل زادني إصراراً لأوجه المجتمع بالدرجة الأولى وأحمي ابنتي، وهذا ما حدث، وها أنا اليوم أعمل في الشأن الاجتماعيّ بالمخيّم مع نساء أخريات مثلي واستطعت من خلال عملي كسر الصورة النمطية للاجئة والمطلقة هنا، وهذا من أعظم إنجازاتي".
في السياق، شرحت كنانة مراحل تطوير موهبتها بإعادة التدوير وتصنيع الدمى، لافتةً إلى أن "ظروف عائلتها لم تكن ميسورة، ما دفعها إلى اللجوء إلى بعض الحيل لاختراع ألعاب لها ولإخوتها، فبدأت بتصنيع الدمى وتخييط ملابس لها عن طريق استعمال الجوارب القديمة". أمّا عن إعادة التدوير فهذه بحدّ ذاتها حكاية تستحقّ تسليط الضوء عليها، إذ تحوّل كنانة الإمدادات الصحيّة المهترئة وقوارير الغاز القديمة إلى حِرَف فنيّة وتدهنها ثمّ ترسم عليها حيث يصلح استخدامها كتحف أو صمديات".
لم تمرّ ثانية دون أن تذكر كنانة، اللاجئة منذ سنوات في لبنان اليوم، فلسطين التي لم تزرها يوماً، فترقرقت عيناها بالدموع، غير أنّها استجمعت قواها وحاولت تشتيت انتباهنا، قائلةً: "ليش بيقولوا ما عنّا وطن؟... نحنا عنا بلد وهو موجود بقلوبنا وعالخريطة اسمو فلسطين ومنفتخر بانتمائنا إلو".
لم تكن حكاية كنانة بقعة الضوء الوحيدة في مخيّم شاتيلا، فمحمد أحمد الملقب بـ"محمد زيحو" اختبر المعاناة ذاتها، ولكنّه اختار الصمود والمواجهة بالفنّ والغناء على طريقته الخاصّة.
يقول محمد في حديث لـ"النهار" إن "حياة اللاجئ في لبنان ليست سهلة، فالقوانين تظلمه من جهة، والتفكير المناطقيّ وحتّى الطائفيّ من جهة أخرى، وهذا يوقع اللاجئ، الذي هو إنسان في الأساس، في مشاكل عدّة وصعوبات، أبرزها تلك المادّية في ظلّ الظروف المتردّية التي نواجهها اليوم".
ويُردف محمد: "الوضع صعب هنا، أو إذا صحّ التعبير تعيس، فنحن بالكاد نعيش، ومع هذا نقول الحمد لله... فغالبية الشباب، حتّى المتعلمون منهم، عاطلون من العمل بسبب جنسيّتهم التي لا ذنب لهم فيها لا بل التي نفخر بها، فكلما ذهبنا إلى مقابلة عمل نرجع بالجواب نفسه: لا نوظف فلسطينيين، أو إذا أرادوا تجميلها، يقولون: لا نوظف أجانب. فأنا كفلسطيني يحقّ لي اليوم امتلاك نمرة عمومية للتاكسي ولكن لا يمكنني العمل بها، أليس الأمر مضحكاً؟".
يشرح محمد في كلامه شغفه وتعلّقه بالموسيقى التي يرى فيها مخرجاً لأزماته وطريقة لإيصال قضيّته، ويقول: "كانوا يخبرونني بأنني أملك صوتاً جميلاً، فكنت أدندن بعض الأغاني ولا سيّما تلك التي يشتهر بها التراث الفلسطيني، إضافة إلى العتابا الشهيرة، مع الوقت أسّسنا فرقة صغيرة واشترينا الآلات من جيوبنا الخاصّة، فأنا أرى في الفنّ ما لا يراه غيري، لذلك اخترت اللون الفلسطينيّ كوسيلة للتمسّك بقضيّتي والدفاع عنها، وخاصة أنّني أغنّي التراث الذي أفتخر به".
من المؤلم ألّا يتمكّن المرء من زيارة أرضه التي يُنشد لها ولو مرّة واحدة، لذلك يشير أحمد إلى مدى "تعلّقه بفلسطين التي لم يرَها يوماً، إلّا أنّه يُعلّم حبّها لأطفاله الخمسة اليوم كما يُعلّمهم الفنّ"، ويقول: "حلمي إرجع عبلدي حتّى أعمل اللي عم بعمل هون هونيك مطرح ما مفروض كون أنا وعيلتي".
في هذه المساحة الصغيرة والمنسيّة على أطراف بيروت تكثر الحكايات السعيدة والحزينة، إلّا أنّه على الرغم من مرارة واقع اللاجئين في لبنان اليوم، ثمّة طاقة إيجابية وبارقة أمل غريبة في أعينهم تتجلّى في أعمالهم الفنيّة أو حتّى أصواتهم، فمثلاً، قوّة كنانة في ابنتها وعملها الاجتماعيّ مع المطلقات واللاجئات في المخيّم، أمّا محمد فقوّته في صوته "الرنّان" والقويّ. أمّا ضعفهما فيتمحور حول المادّيات والقوانين التي تعوق أحلامهما ولكن... إرادتهما انتصرت الى حين!
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم
4/19/2026 7:09:00 AM
ظهرت على جثتين علامات تدل على إجراء تشريح.
لبنان
4/19/2026 12:00:00 AM
تفلت الحزب اتخذ مظهرا خطيرا إعلاميا وسياسيا في ظل إطلاقه تهديدات سافرة مباشرة ضد رئيس الجمهورية
فن ومشاهير
4/16/2026 12:06:00 PM
ولي العهد الأردني يفاجئ المتابعين بفيديو الأميرة إيمان في يوم العلم.
فن ومشاهير
4/19/2026 10:55:00 AM
تعرض هاني شاكر لتوقفٍ مفاجئ في القلب.
نبض