12-02-2024 | 06:05

"مسؤولون وهميون"... مواطنون ضحايا عصابات النصب والاحتيال في الجزائر

تتخذ عمليات النصب والاحتيال في الجزائر، أشكالاً متعددة، لعل أخطرها ظاهرة انتحال صفة مسؤولين في الدولة الجزائرية، أو تلك التي تحاك خيوطها في العالم الافتراضي.
"مسؤولون وهميون"... مواطنون ضحايا عصابات النصب والاحتيال في الجزائر
Smaller Bigger

تتخذ عمليات النصب والاحتيال في الجزائر، أشكالاً متعددة، لعل أخطرها ظاهرة انتحال صفة مسؤولين في الدولة الجزائرية، أو تلك التي تحاك خيوطها في العالم الافتراضي.

ولا يزال كثيرون يتذكرون تفاصيل قضية مثيرة، تمت معالجتها على مستوى مجلس قضاء الجزائر، راح ضحيتها العشرات ممن سلبت منهم مبالغ مالية كبيرة من طرف تاجر أثاث منزلي، مقابل تسهيل حصولهم على مساكن وهمية بالاستناد إلى صهره الذي يعمل في إحدى الوكالات الرسمية التي تعنى بتشييد المساكن وبيعها.

أساليب متعددة لهدف واحد
المتهم في إحدى القضايا المنظورة هو رجل خمسيني، قام بسلب الضحايا مبالغ مالية كبيرة بعدما أوهمهم بمساعدتهم في الحصول على شقق، وفي كل مرة كانوا يسلمونه دفعات من المبلغ المستحق ليتبين في نهاية المطاف أنه احتال على أشخاص آخرين بالطريقة نفسها.

جريمة أخرى لا تختلف كثيراً عن هذه، لكن المتهم فيها شابة في العشرينات من العمر تنحدر من محافظة عنابة (إحدى أكبر مدن الجزائر، تقع في الشمال الشرقي للبلاد)، تورطت في ممارسة النصب والاحتيال على جزائريين بسطاء، بانتحال صفة إطار سامي في الدولة بغرض سلبهم أموالهم باستغلال أوضاعهم الاجتماعية القاهرة والمزرية وأوهمتهم بمساعدتهم في الحصول على مساكن لائقة، غير أنها توارت بعد ذلك.

قضية أخرى لا تختلف كثيراً عن سابقتها، المتهم فيها شخص مارس أساليب المكر والخداع والاحتيال، ادعى أمام الضحايا أنه منتسب إلى مختلف الهيئات والإدارات الرسمية وأنه سبق أن تقلد رتباً أمنية عالية، منها وفق ادعائه ضابط سام في الجيش الجزائري وحتى في قيادة الدرك وإطار بمديرية الأمن الجزائري وغيرها من المناصب، ولذلك فهو قادر على قضاء حوائجهم والتوسط لهم على أساس النفوذ الكبير الذي يتمتع به.

وفي أيلول (سبتمبر) الماضي، أودع قاضي التحقيق لدى محكمة سيدي امحمد، أو محكمة عبان رمضان كما يصطلح عليها نسبة إلى الشارع الواقعة فيه، رجلاً في العقد السادس من العمر رهن الحبس الموَقت بسجن الحراش، بتهمة انتحال صفة قابض بريد في أحد فروع بريد الجزائر، وهي مؤسسة عمومية ذات صبغة صناعية وأيضاً تجارية، بهدف سرقة المعاشات التقاعدية (الشيخوخة).

النصب الإلكتروني
ولا يكاد يمر يومان فقط من دون أن تنشر المصالح الأمنية في البلاد أخباراً عن الإطاحة بجماعات إجرامية متخصصة في قضايا النصب والاحتيال عبر العالم الافتراضي، ولعل أخطر الجرائم التي كُشفت للرأي العام عن طريق وسائل الإعلام، الإطاحة بجماعة إجرامية مكونة من 3 أشخاص بينهم امرأة في قضية نصب عبر الإنترنت وقع ضحيتها أكثر من 90 شخصاً مع استرجاع أموال طائلة من العملة الصعبة.
 
 

 
وحسب التفاصيل التي كشفتها مصالح الأمن الجزائري، فإن هذه الشبكة الإجرامية التي ينحدر عناصرها من مدن البليدة، بومرداس والجزائر العاصمة، كانت تنشط تحت غطاء شبكة إلكترونية، أغرت ضحاياها بمناصب عمل وهمية وعرض سلع وخدمات بأسعار مغرية جداً مقابل مبالغ مالية وحلي من الذهب كان يدفعها الضحايا.

وكما ذكرنا سالفاً، لا تخلو الصفحة الرسمية للشرطة الجزائرية من عرض عينات من النصب والاحتيال التي تشمل مختلف الفئات والمجالات، على غرار المعاملات المالية أو النزاعات العقارية وحتى التجارة الإلكترونية التي أصبحت تستغل من مواقع إلكترونية غير معتمدة أو صفحات على المنصات الاجتماعية تروج لسلع مغشوشة غير مطابقة للصور المنشورة.

تشديد العقوبات
ولعل أبرز ما يلفت الانتباه خلال التمعن في تفاصيل القضايا التي تعالج على مستوى المحاكم، أو تلك التي تنشر تفاصيلها مصالح الأمن، الدهاء والحنكة لدى الأشخاص محل المتابعة القضائية، وكأن ذلك ولد معهم بشكل فطري، إذ يمتلكون قدرة لافتة وسريعة في النصب على الضحايا، ومن بينهم أشخاص من مختلف الأعمار تراوح بين 20 عاماً حتى 60 سنة ذكوراً وإناثاً.

ولأن الظاهرة انتشرت بشكل خطير في العقد الأخير، شددت الجزائر عقوبات انتحال الصفة، إذ صادق البرلمان في منتصف الشهر الماضي على القانون المتعلق بمكافحة التزوير واستعمال المزور والذي جاء بعقوبات قاسية في حق كل من يتورط في قضايا انتحال وظائف وألقاب وأسماء، بهدف وضع حد لاتساع الظاهرة التي شملت مجالات عدة للاستفادة من امتيازات دون حق.
 

 
لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل تكفي الإجراءات الأمنية والتدابير القانونية المتخذة للحد من هذه الجرائم؟ يرى خبراء اجتماعيون أن هذه الإجراءات مهمة بالتأكيد، ويجب تعزيزها بحملات توعية اجتماعية وإعلامية لتنبيه المواطنين إلى وجوب الحذر في التعامل مع أي أشخاص لا يقدّمون أنفسهم بطرق مطمئنة تكشف هويتهم الحقيقية ومناصبهم الفعلية.
 
وتقول الحقوقية الجزائرية والنائبة السابقة في المجلس الشعبي الوطني فطيمة سعيدي: "يجب علينا أولاً أن نفهم طبيعة العوامل التي تقف وراء تفشي هذه الظاهرة"، وتربطها أولاً بـ"اختلال ميزان الإيمان والأخلاق والقيم، داخل جميع مؤسسات التنشئة الاجتماعية التي تتدخل في تكوين شخصية الفرد وتشكيل حياته في مراحلها المبكرة".

وتضيف في حديث لـ"النهار العربي": "للأسف في مجتمعنا أصبحت الأولوية للمادة، فمجتمعنا أصبح مادياً لا مكان للقيمة فيه، ولا للمشاعر والمبادئ والقيم الروحية".

 البيروقراطية وتعقيد المعاملات
ويعزو النائب في الغرفة الأولى في البرلمان كمال بن خلوف انتشار هذه الظاهرة إلى "تدهور الخدمات، وأيضاً التوزيع غير العادل للثروة، فمنتحلو الصفة قد انتهزوا مجموعة من العوامل الاجتماعية لإيهام المواطنين بقدرتهم على تحقيق مصالحهم مستغلين فرصة جهل بعضهم بالقانون في معظم الأحيان".

ويتطرق المتحدث للحديث عن عوامل أخرى ساهمت في تزايد قضايا انتحال الصفة التي تنظرها المحاكم والتي راح ضحيتها مواطنون بسطاء، ويذكر على سبيل المثال "تعقيد المعاملات الإدارية ومعاناة الجزائريين مع استخراج الوثائق والأوراق للحصول على منفعة وخدمة عمومية، فالمواطن الجزائري يدخل في رحلة بحث مضنية ليجد مسؤولاً يساعده على قضاء حوائجه اليومية في جميع المرافق".

وفي لقاء سابق جمعه مع المتعاملين الاقتصاديين، حذر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون من "آفة البيروقراطية التي ما فتئت تنخر جسد الإدارة الجزائرية على المستوى المركزي، وفي الجزائر العميقة عبر المحافظات والدوائر والبلديات".

وفي محاولة منه لمحاربة هذه الآفة، شدد رئيس الدولة على الوزراء والمسؤولين على ضرورة التقيد بتنفيذ قراراته في ظرف شهر واحد، ولكنه لم يحدد العقوبات التي ستطاول كل من لا يطبق التعليمات والقرارات.

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.