تتجه الأنظار في إقليم كردستان- العراق إلى ما قد يطاله من ردود فعل عسكرية وسياسية عقب الضربات الجوية التي شنتها الولايات المتحدة على عشرات مواقع الحشد الشعبي العراقي والميليشيات المسلحة المرتبطة بإيران في كل من سوريا والعراق، والتي كانت نفذت هجمات على القواعد الأميركية في الإقليم، طالت في الكثير من المرات المصالح الاقتصادية والمواقع الأمنية والعسكرية لقوات البيشمركة الكردية.
الهجمات الأخيرة، التي قالت القيادة المركزية الأميركية إنها "تركزت في سوريا والعراق ضد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني وجماعات الميليشيات التابعة له، وطالت أكثر من 85 هدفاً"، لم تكن قريبة من حدود إقليم كردستان، حتى التي ضمن العراق، بل بعيدة عن الإقليم بنحو 200 كيلومتر. ولم تطل الضربات فصائل الحشد المتهمة بمناوئة الإقليم بوضوح، مثل التشكيلات المتمركزة في شمال غرب محافظة نينوى الموصل، أو تلك المتمركزة في منطقة سنجار غرب المحافظة.
لم يصدر أي موقف رسمي من سلطات كردستان تجاه الهجمات الأخيرة، وهو لن يصدر غالباً، كسلوك تقليدي من قبلها تجاه المواجهات في المنطقة، لتحييد الإقليم. لكن الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية اللواء يحيى رسول، أصدر بياناً في وجاء فيه: "تتعرض مدن القائم والمناطق الحدودية العراقية إلى ضربات جوية من قبل طائرات الولايات المتحدة الأميركية، إذ تأتي هذه الضربات في وقت يسعى فيه العراق جاهدا لضمان استقرار المنطقة... هذه الضربات تعد خرقاً للسيادة العراقية وتقويضا لجهود الحكومة العراقية، وتهديداً يجر العراق والمنطقة إلى ما لا يحمد عقباه، ونتائجه ستكون وخيمة على الامن والاستقرار في العراق والمنطقة".
وسيكون هذا البيان غالباً مؤطراً لموقف الإقليم.
ووفق المراقبين، شغل إقليم كردستان- العراق خلال العامين الماضيين، وخصوصاً بعد حرب غزة الأخيرة، موقعاً دقيقاً على المستويين الجغرافي والعسكري بين إيران والولايات المتحدة. ففي وقت تطورت العلاقات الاقتصادية والسياسية والعسكرية بين الولايات المتحدة وإقليم كردستان خلال هذه الفترة، باعتبار أن الإقليم صُنف من قِبل واشنطن كحليف موثوق، سياسياً وفي ملف محاربة الإرهاب، ومختلفاً نوعياً عن باقي مناطق العراق الخاضعة عسكرياً وسياسياً للنفوذ الإيراني، فإن طهران كانت تصنف هذه العلاقة المتنامية بين الطرفين كخطر استراتيجي على نفوذها في سوريا والعراق، كبؤرة وحيدة عصية على النفاذ.
مارست إيران ضغوطاً متتالية على الإقليم، سياسياً واقتصادياً عن طريق حلفائها من القوى السياسية المركزية في العراق، وعسكرياً وأمنياً عبر استحضار ملفات عالقة بين الطرفين، والتهديد بتصعيدها استثنائياً ما لم يستجب الإقليم لها، مثل ملف الأحزاب الكردية- الإيرانية الموجودة في الإقليم، أو اتهام الإقليم بإيواء مراكز ومواقع للمموساد الإسرائيلي، أو عن طريق دفع الميليشيات العراقية المرتبطة بها إلى قصف الإقليم، تحت لافتة "المقاومة الإسلامية" المطالبة بإخراج القوات الأميركية من العراق.
وبحسب الإحصاءات غير الرسمية، فإن نصف الهجمات التي شنتها الأذرع المرتبطة بإيران على مصالح وقواعد الولايات المتحدة في كل من سوريا والعراق وباقي دول المنطقة إنما استهدفت مواقع ومراكز في إقليم كردستان، وطابعها العام لم يكن يستهدف مصالح الولايات المتحدة ومواقعها العسكرية، بل إقليم كردستان نفسه، وهو ما يتوقع المراقبون أن يستمر خلال المرحلة المقبلة، بعد حملة القصف العسكري الأخيرة التي طالت فصائل الحشد الشعبي.
طوال هذه المرحلة، كانت كردستان تتجنب أية مبادرة عسكرية، وتعتبر نفسها على الحياد من الصراع الإيراني- الأميركي،وليس لها مصلحة ولا قدرات لأن تكون جزءاً من هذا الصراع، لكنها فعلياً كانت تنتقد السلبية الأميركية وغياب المبادرة والرؤية الاستراتيجية في تعاملها مع الهجمات الإيرانية على إقليم كردستان.
الباحث والكاتب السياسي شفان رسول شرح في حديث لـ"النهار العربي" التبدلات التي قد تطرأ على موقف وأوضاع كردستان، ضمن العراق وفي العلاقة الأمنية والعسكرية مع إيران وأذرعها، بعد الضربة العسكرية الأميركية الأخيرة، وقال: "منذ بداية عهد الإدارة الأميركية الجديدة، هذه هي المرة الأولى التي تثبت فيها موقفاً حازماً مما كان يطالها مع حلفائها في العراق، وبالذات إقليم كردستان، وهو ما سيثبت موقف الإقليم وقابليته على الاستفادة من هذا التوازن، لكن ذلك يتوقف على شرط أساسي، هو إمكان استمرار هذا المستوى من الرد الأميركي، خصوصاً ما قد يطال الإقليم ومصالحه، وليس القوات الأميركية ضمنه".
أضاف رسول: "المسألة الأخرى تتعلق بالحكومة المركزية العراقية وموقفها من هذا الاستقطاب النهائي بين الولايات المتحدة والنفوذ الإيراني في العراق. فالإقليم مجبر على الالتزام بالخط الكلي للحكومة المركزية دستورياً، ولا يستطيع التحرك ميدانياً خارجه. علماً أن هذه الحكومة المركزية لن تستطيع بدورها أن تكون توافقية في الصراع الدائر على أراضيها بعد الآن".
يذكر أن للولايات المتحدة قاعدة عسكرية رئيسية في منطقة حرير شمال مدينة أربيل، عاصمة الإقليم، وثمة مركز لوجستي للتوجيه بالقرب من مطار أربيل الدولي المدني، إلى جانب مراكز عدة للتنسيق والإمداد لصالح قواعدها العسكرية في سوريا، ومعها مصالح اقتصادية واسعة في الإقليم، تتعلق بعشرات الشركات الأميركية الفاعلة وفروعها الإقليمية.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
العالم العربي
5/3/2026 12:35:00 AM
أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان
5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي".
لبنان
5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة
لبنان
5/2/2026 7:19:00 PM
انتشار عدد من الصور المسيئة إلى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، في حملةٍ تتجاوز حدود التعبير عن الرأي
نبض