كان الطبيب الأردني "أ.ع." على موعد مع خبر سار لطالما انتظره لاستبدال عقوبته بالحبس بإحدى العقوبات المجتمعية، وذلك بعد إدانته بجرم التسبب بالوفاة، وإلحاق الضرر بمال الغير، وقيادة المركبة دون أخذ احتياطات السلامة المرورية اللازمة، إذ دهس شخصاً في منطقة شفا بدران شمالي العاصمة عمان، ما أدى إلى وفاته، فيما اصطدمت مركبته كذلك بمركبة أخرى وألحقت بها أضراراً.
ووفق أوراق القضية التي حصل "النهار العربي" على تفاصيلها، تلقى الطبيب في كانون الثاني (يناير) 2023، حكماً بالحبس مدة 6 أشهر، ووقف العمل برخصة القيادة للمدة نفسها، إلا أنه وبعد مرور أقل من شهرين أمضاها في الحبس، تقدم بطلب لدى محكمة صلح جزاء شمال عمان لاستبدال العقوبة السالبة للحرية بعقوبة مجتمعية، إذ كان له ما أراد بعد يومين فقط من تقديم الطلب، واستبدلت عقوبة الحبس مقابل إلزامه بالقيام بعمل غير مدفوع الأجر في أحد المراكز الصحية في العاصمة، لمدة 80 ساعة على أن يتم التنفيذ خلال مدة لا تزيد على سنة.
من الحبس إلى المسجد
في قضية أخرى، تم ضبط المواطن "ت.س." أثناء اعتدائه على أراض حرجية تملكها الدولة ومساحتها 4 دونمات، وذلك لاستخراج كميات كبيرة من الرمل ونقله بهدف بيعه، فحُكم بالحبس لمدة 6 أشهر وغرامة قدرها 1000 دينار (نحو 1500 دولار) عن كل دونم، وإلزامه كذلك بإزالة الاعتداء على نفقته، بالإضافة مقدار الضرر والرسوم، كما ورد في قرار محكمة بداية عمان.
ولم تنجح محاولة المواطن بالطعن بالقرار استئنافاً، فعاد وتقدم بطلب لاستبدال عقوبة الحبس بعقوبة مجتمعية، وهو ما تم بالفعل عندما قررت محكمة صلح جزاء ناعور إلزام المواطن بالخدمة في أحد مساجد العاصمة لمدة 100 ساعة غير مدفوعة الأجر، على أن يتم التنفيذ خلال مدة لا تزيد على سنة.
سجون مكتظة ومطالب بالتوسع بالعقوبات البديلة
ويُنظر إلى العقوبات البديلة عن الحبس في الأردن، بوصفها "طوق نجاة" بالنسبة للمحكومين، فيما يمكن اعتبارها "ضرورة" بالنسبة للسلطات في ظل اكتظاظ السجون والتكلفة العالية جداً للنزلاء، إذ تشير الأرقام الرسمية إلى أن نسبة الاكتظاظ تصل إلى 159 في المئة بعدد يقارب 25 ألف نزيل، في حين تصل تكلفة النزيل الواحد إلى نحو 700 دينار شهرياً (حوالى 1000 دولار).
لذلك، تبرز مطالبات بالتوسع في عدد أحكام العقوبات البديلة عن الحبس، والتي استفاد منها منذ بدء سريان قانون تطبيق بدائل الإصلاح المجتمعية مطلع آذار (مارس) 2018، آلاف الأشخاص، وكان آخر ما تم الإعلان عنه بهذا الخصوص من وزارة العدل إصدار 334 حكماً قضائياً بعقوبة بديلة عن الحبس خلال تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.

"الحبس لا يحقق معالجة شاملة"
بشأن ذلك، يشدد القاضي الأسبق ومستشار ديوان الرأي والتشريع سابقا الدكتور محمود العبابنة على أهمية التوسع في العقوبات البديلة، معتبراً أنها أمر بالغ الأهمية، وأن السياسة العقابية التقليدية السالبة للحرية والمتمثلة بالحبس فشلت في تحقيق معالجة شاملة مانعة لوقوع الجريمة.
وقال العبابنة لـ"النهار العربي" إن هذا التوجه تم تأييده في القواعد النموذجية الصادرة عن الأمم المتحدة، وجاء في قواعد طوكيو للتدابير غير الاحتجازية لعام 1990، إذ نصت المادة (8) منها على: "ينبغي للهيئة القضائية، وقد توافرت لديها طائفة من التدابير غير الاحتجازية، أن تراعي في قرارها حاجة الجاني الى إعادة التأهيل، وحماية المجتمع، وكذلك مصالح المجني عليه"، ومن بينها العمل للنفع العام، والذي أوصت عليه في البند "8/أ" عبر تأدية خدمات للمجتمع المحلي.
ويقر القانون الأردني لعام 2017، وفق العبابنة، تطبيق العقوبات البديلة، إذ تعتبر الخدمة الاجتماعية عقوبة بديلة عن حجز الحرية، ومثالها تنظيف حديقة عامة، أو مدرسة، أو العناية بمراكز العجزة، والهدف من ذلك إعادة تأهيله، وتعزيز تواصله المجتمعي، وقد حددها القانون الأردني بالخدمة بمدة لا تقل عن 40 ساعة، ولا تزيد على 200 ساعة.
وأضاف أنه "من المهم تفعيل الرقابة على تطبيق العقوبات البديلة، إذ لا يكفي إرسال الجاني الى حديقة لتنظيفها عشر مرات بواقع 4 ساعات يومياً، بل يجب الرقابة على عمله، وأن لا يكتفي بالذهاب مرتين أو أكثر للحصول على شهادة تفيد بأنه قام بالخدمة المجتمعية"، فيما شدد في الوقت ذاته على ضرورة أن يكون ثمة معيار دقيق لتطبيق العقوبة البديلة، وأن لا تكون تمييزية بين شخص وآخر.
أهداف تطور فلسفة العقوبات البديلة
أما المحامي البارز رأفت المجالي، فيقول لـ"النهار العربي" إن ثمة بدائل أخرى وردت في القانون بالإضافة إلى الخدمة المجتمعية، وهي المراقبة الإلكترونية، والمراقبة المجتمعية، وحظر ارتياد المحكوم عليه أماكن محددة، مشيراً إلى أن الخدمة المجتمعية هي الأكثر تطبيقاً، وخصوصاً في المساجد.
وأضاف أنه تم منذ عام 2020، تنفيذ 3 آلاف عقوبة بديلة في مساجد المملكة ومكاتب وزارة الأوقاف للشؤون النسائية، وذلك بالتعاون مع وزارة العدل، لافتاً إلى أنه يتم توزيع المحكومين على المساجد للقيام بمهام الصيانة والنظافة وكل ما تحتاجه من أعمال.
ووفق المجالي، فإن من أبرز أهداف تطور فلسفة العقوبات البديلة، هي نقل المحكوم من بيئة إلى أخرى لتصويب سلوكه، معتبراً أنه "وفي الكثير من القضايا التي يمكن وصفها بـ"البسيطة" لا يكون فيها الحبس هو الأكثر كفاءة وفعالية في المعاقبة، خصوصاً بالنسبة لمن ليس لهم أي سوابق جرمية، فالحبس قد يكون سبباً في فقدان أسرهم مصادر عيشها، وأيضاً ربما يكون سبباً لعدم تكيف المحكومين مجدداً مع مجتمعاتهم، فضلاً عن أنه يؤدي أحياناً إلى اكتساب أساليب جرمية جديدة".
بشأن ذلك، يشدد القاضي الأسبق ومستشار ديوان الرأي والتشريع سابقا الدكتور محمود العبابنة على أهمية التوسع في العقوبات البديلة، معتبراً أنها أمر بالغ الأهمية، وأن السياسة العقابية التقليدية السالبة للحرية والمتمثلة بالحبس فشلت في تحقيق معالجة شاملة مانعة لوقوع الجريمة.
وقال العبابنة لـ"النهار العربي" إن هذا التوجه تم تأييده في القواعد النموذجية الصادرة عن الأمم المتحدة، وجاء في قواعد طوكيو للتدابير غير الاحتجازية لعام 1990، إذ نصت المادة (8) منها على: "ينبغي للهيئة القضائية، وقد توافرت لديها طائفة من التدابير غير الاحتجازية، أن تراعي في قرارها حاجة الجاني الى إعادة التأهيل، وحماية المجتمع، وكذلك مصالح المجني عليه"، ومن بينها العمل للنفع العام، والذي أوصت عليه في البند "8/أ" عبر تأدية خدمات للمجتمع المحلي.
ويقر القانون الأردني لعام 2017، وفق العبابنة، تطبيق العقوبات البديلة، إذ تعتبر الخدمة الاجتماعية عقوبة بديلة عن حجز الحرية، ومثالها تنظيف حديقة عامة، أو مدرسة، أو العناية بمراكز العجزة، والهدف من ذلك إعادة تأهيله، وتعزيز تواصله المجتمعي، وقد حددها القانون الأردني بالخدمة بمدة لا تقل عن 40 ساعة، ولا تزيد على 200 ساعة.
وأضاف أنه "من المهم تفعيل الرقابة على تطبيق العقوبات البديلة، إذ لا يكفي إرسال الجاني الى حديقة لتنظيفها عشر مرات بواقع 4 ساعات يومياً، بل يجب الرقابة على عمله، وأن لا يكتفي بالذهاب مرتين أو أكثر للحصول على شهادة تفيد بأنه قام بالخدمة المجتمعية"، فيما شدد في الوقت ذاته على ضرورة أن يكون ثمة معيار دقيق لتطبيق العقوبة البديلة، وأن لا تكون تمييزية بين شخص وآخر.
أهداف تطور فلسفة العقوبات البديلة
أما المحامي البارز رأفت المجالي، فيقول لـ"النهار العربي" إن ثمة بدائل أخرى وردت في القانون بالإضافة إلى الخدمة المجتمعية، وهي المراقبة الإلكترونية، والمراقبة المجتمعية، وحظر ارتياد المحكوم عليه أماكن محددة، مشيراً إلى أن الخدمة المجتمعية هي الأكثر تطبيقاً، وخصوصاً في المساجد.
وأضاف أنه تم منذ عام 2020، تنفيذ 3 آلاف عقوبة بديلة في مساجد المملكة ومكاتب وزارة الأوقاف للشؤون النسائية، وذلك بالتعاون مع وزارة العدل، لافتاً إلى أنه يتم توزيع المحكومين على المساجد للقيام بمهام الصيانة والنظافة وكل ما تحتاجه من أعمال.
ووفق المجالي، فإن من أبرز أهداف تطور فلسفة العقوبات البديلة، هي نقل المحكوم من بيئة إلى أخرى لتصويب سلوكه، معتبراً أنه "وفي الكثير من القضايا التي يمكن وصفها بـ"البسيطة" لا يكون فيها الحبس هو الأكثر كفاءة وفعالية في المعاقبة، خصوصاً بالنسبة لمن ليس لهم أي سوابق جرمية، فالحبس قد يكون سبباً في فقدان أسرهم مصادر عيشها، وأيضاً ربما يكون سبباً لعدم تكيف المحكومين مجدداً مع مجتمعاتهم، فضلاً عن أنه يؤدي أحياناً إلى اكتساب أساليب جرمية جديدة".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض