04-03-2024 | 04:50

الفطر تنقذ عائلات سوريّة كثيرة.. من غرف المنازل إلى المزارع النتخصصية

لا يعدم سوريون كثر وسيلة لكسب رزقهم في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها بلدهم، فقد بدأ مئات الأشخاص تباعا زراعة الفطر المنزلي لسهولة العمل بها انطلاقاً من حاجتها للرعاية البسيطة التي تعتمد على ما هو متوافر من المتطلبات الأولية غير المرهقة ماديا.
الفطر تنقذ عائلات سوريّة كثيرة.. من غرف المنازل إلى المزارع النتخصصية
Smaller Bigger
 لا يعدم سوريون كثر وسيلة لكسب رزقهم في ظل الأزمة الاقتصادية التي يعيشها بلدهم، فقد بدأ مئات الأشخاص تباعاً زراعة الفطر المنزلي لسهولة العمل بها، انطلاقاً من حاجتها للرعاية البسيطة التي تعتمد على ما هو متوافر من المتطلبات الأولية غير المرهقة مادياً. 
 
هذا النوع من الزراعة الذي انطلق من المنازل تمكن من تحقيق عائد مادي جيد لزارعيه، فراح بعضهم مع الوقت إلى أبعد من اعتباره مشروعاً منزلياً مغلقاً ومتناهي الصغر، موسعين الأمر نحو الاستثمار بالفطر كمادة غذائية مطلوبة في الأسواق.
 
التوسع الاستثماري حصل عبر نقل الزراعة نحو مزارع خاصة نقل معه المشروع من الصغير ومتناهي الصغر إلى المشروع المتوسط كسباً وإنتاجاً، مع إمكان الاستمرار بالتوسع به نحو درجات أكثر كثافة وربحاً.
 
هذا الانتقال من الفردية في العمل نحو الجماعية، ومن الغرف الضيقة وحدائق المنازل الصغيرة نحو مزارع أكبر حقق عوائد تشغيلية ملائمة قياساً إلى رأس المال القليل الذي يتطلبه المشروع أساساً، وكذلك وفر فرص عمل جديدة، ما لفت نظر الجمعيات الأهلية وبعض مؤسسات الحكومة السورية إلى وجوب تطوير  هذه المشاريع ومساعدة من ينوي الخوض بها عبر تأمين الأوليات غير المكلفة، تحديداً لذوي الأوضاع الأشد حرجاً وفقراً علّها تكون عوناً لهم في الأيام الصعاب التي يعيشونها.
 

إمبراطورية الفطر
يمتلك ثائر بيوضاني اليوم  مشروعه الكبير لإنتاج الفطر في إحدى قرى حمص وسط سوريا، متمكناً من تأمين فرص عمل لنحو 50 أسرة ريفية في تلك المنطقة، بعدما ظلّ يتوسع في عمله حتى تمكن من الوصول إلى النتيجة الاستثمارية التي يصفها بالقيمة غير المتوقعة، وهو الذي بدأ زراعة الفطر قبل سبع سنوات في غرفة في منزله، قبل أن يتطور مشروعه مع تتالي الأشهر والسنوات وصولاً إلى شكله الحالي في نهاية المطاف.
 
ينصح بيوضاني كل الأسر السورية بالتوجه إلى العمل في زراعة الفطر المنزلي لسهولة إنتاجه ووجود سوق تصريف واسع له، وكذلك قلّة تكاليفه، وعن تجربته يقول لـ"النهار العربي": "بدأت قصتي مع الفطر عام 2017، نجحت في زراعته في غرفة داخل منزلي، كما تمكنت من تسويقه لرفاقي وجيراني، أعجبتني الفكرة لأني جنيت أضعاف أرقام تكلفته، صرت أنتج بكثافة أعلى مراعياً ظروف زراعته الأساسية، وشيئاً فشيئاً بدأت أبيع للمحال في الأسواق".
 
ويضيف: "زراعة الفطر تخضع لشروط بسيطة، أولها تخميرها في غرفة منعزلة لمدة 20 يوماً تقريباً باستخدام مواد معينة غير مكلفة بينها القش وغيره، ثم مرحلة البسترة في غرفة أخرى لمدة عشرة أيام، ثم مرحلة الحضانة ومدتها أيضاً قرابة 20 يوماً، وهنا يجب أن تكون درجة حرارة الغرفة تقريباً 26 درجة مئوية، وهنا نتفتح الأكياس ونضع داخلها مادة اسمها (البتموس)، فيبدأ الفطر بالنضج ويتم قطافه على أربع مراحل، كل أسبوع مرة، وبعدها يوضع في أكياس أو في سلل معينة لبيعه".
 
ويشرح أنّ العملية بأكملها قد تستغرق ثلاثة أشهر، ولكنّها في المحصلة غير مكلفة وأرباحها جيدة جداً، ويمكن تطويرها، فكلما كان مكان الزراعة أوسع كان الجني أربح وأوفر، وهذا ما قاده إلى توسيع عمله، إذ بات اليوم ينتج عبر مزرعته نحو 600 كيلوغرام من الفطر في الدورة الواحدة، مستنداً إلى امتلاكه 30 غرفة في المزرعة مجهزة ما بين البسترة والتخمير والتدفئة.
 
وهو بات يصدر إنتاجه المستمر والمتواصل إلى أربع محافظات سورية ما خلا حمص ذاتها، واصفاً ما يملكه بـ"إمبراطورية الفطر"، مستدركاً أنه وإن كان الوصف مبالغاً به ولكن يكفي النظر فقط إلى كمية إنتاجه وعدد الأسر التي تمكن من تشغيلها، منطلقاً من حال مادية تحت الصفر قبل سبعة أعوام ومن غرفة صغيرة لا يدخلها النور، وفوق كل ذلك عقبات متعلقة بتأمين الدفء لاستمرار الإنتاج.

الحل بالفطر
علي حمود شاب ثلاثيني من دمشق يعاني عجزاً بعد إصابته خلال الحرب بإحدى قذائف الهاون، الحادث ذلك أثر على حياته وقلبها رأساً على عقب، فزاد في معاناته عدم قبوله في أي وظيفة أو عمل، وكمثل السوريين الآخرين عانى الفقر والحاجة إلى أن قرر الخوض في زراعة الفطر قبل بضعة أعوام.
 
وعن ذلك يقول: "بدايةً لم أكن مقتنعاً بالأمر، ولكن القصة سرت في المجتمع وصار يعمل فيها الكثيرون، فقلت في نفسي لأجرب الأمر، فالمشروع غير مكلف أبداً، وبالفعل تمكنت من زراعة أول فوج مثمر في منزلي وتسويقه وفوجئت بالأرباح التي يمكن كسبها، إذ يتراوح سعر كيلو الفطر اليوم ما بين 30 و90 ألف ليرة سورية (من دولارين إلى ستة دولارات أميركية)، وهو رقم هائل جداً إذا ما قسمنا الربح على التكلفة".
ويتابع: "استهوتني الفكرة لقلّة التعب الذي تحتاجه، وكذلك تلقيت مساعدات من جمعيات معنية بتطوير زراعة الفطر المنزلي لمساعدة ذوي الحاجة الأشد من دون مقابل، فقمت باستئجار منزل من صديقي في ريف دمشق متسع المساحة وبأجر زهيد ونقلت المشروع إلى هناك وبت أجني ما يكفيني ويزيد".

بديل اللحوم
أم مازن سيدة من ريف جبلة في الساحل السوري، أيضاً وجدت نفسها على خريطة الاستثمار بالفطر مستفيدةً من عامل أساسي مكنها من عدم مواجهة عراقيل تذكر، وهي أنّها بحكم طبيعة الأرياف هناك تعمل بالزراعة أصلاً وتمتلك أرضاً مع عائلتها.
وعن تجربتها مع الفطر تقول: "كنت أسمع بين وقت وآخر عن هذا المشروع، ولم أكن مقتنعة به تماماً، ولكن مع تتابع سني الحرب صارت محاصيلنا تهدر وترمى في الأنهار وتتلف وتباع بأبخس الأثمان ولم تعد زراعة الأرض ترجع بعائد مادي جيد، فكان لا بدّ من التفكير بكيفية أخرى لاستثمار خبرتنا في الزراعة، الخبرة التي عاش أجدادنا بسببها لقرون طويلة".
وتضيف لـ"النهار العربي": "قرأ لي أولادي على صفحات الإنترنت وبين المواقع عن كل ما يتعلق بزراعة الفطر، وبالفعل اتخذنا القرار بالشروع في زراعته قبل عامين تقريباً، بالضبط في الفترة التي بدأت أسعاره ترتفع كثيراً مع توجه السوريين للحصول عليه كبديل من اللحوم في ظل الأوضاع القائمة، والحمد لله، اليوم يؤمن لنا هذا المشروع ما يعيلنا ويكفينا ويحفظ كرامتنا بعدما طورناه ووسعناه لتنضم إلينا عائلات أخرى من قريتنا إما بالمشاركة أو العمل لدينا، وهكذا كسبنا كلنا من منتوج لا يحتاج مصاريف كتلك التي تهدر بأرقام خيالية على شكل أسمدة ومبيدات لإنتاج محاصيل أخرى".
 

عقبات أمام الزراعة
لكن ليس جميع من عمل بزراعة الفطر نجح وتمكن من قطاف ثماره، فالمشروع الذي يبدو سهلاً للوهلة الأولى يتطلب خلال مراحله أشياء لا يمكن تأمينها في كل وقت، خصوصاً الحرارة المطلوبة للتدفئة، والتي تسهل مهمة أهل الساحل أكثر من غيرهم استناداً لطبيعة الجو والرطوبة هناك.
ففي المناطق الباردة سيحتاج الزارع لتدفئة صناعية في ظلّ شبه انعدام للمشتقات النفطية اللازمة لتشغيل المدافئ، وكذلك انعدام الكهرباء، ما يضيف نفقات جديدة في الموسم الشتوي، ولكن مع ذلك هذا لا يجعل المشروع خاسراً بقدر ما يجعل أرباحه أقل في الشتاء ومضاعفةً في الصيف، وفي الحالتين الطلب المتنامي في السوق يجعل من المادة مورد ربح مستديماً لمستثمرها.

كيس فطر بضعف شهادة مهندس
لا يُعتقد أنّ السوري قبل الحرب كان ليفكر بزراعة الفطر مخصصاً له غرفة من منزله الصغير في الغالب، ولكنّ الحرب التي فرضت نفسها بقسوة غيّرت الكثير من المعادلات، كحال المهندس المدني سامح خيزران الموظف في إحدى الدوائر الحكومية، والذي اختصر حديثه مع "النهار العربي" بقوله: "عن أي هندسة ودراسة وجامعة وامتيازات ووظيفة نتحدث حين يكون راتبي 30 دولاراً و(كيس) الفطر الواحد الذي أنتجه يساوي ضعف راتبي".

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية