10-02-2024 | 05:00

متسوّلو سوريا... من مآساة اجتماعيّة لأزمة أمنيّة

​ الطفل ذو العشر سنوات، والذي كان موجودا في أحد أحياء دمشق القديمة، كان يمكن بسهولة لحظ وجود "سكين" على خصره، كتلك السكاكين التي يستخدمها المجرمون
متسوّلو سوريا... من مآساة اجتماعيّة لأزمة أمنيّة
Smaller Bigger
خلّفت الحرب السورية مئات الظواهر السلبية التي انتشرت واستوطنت في مفاصل المجتمع السوري، الذي بات اليوم أكثر هشاشةً من أي وقت مضى وأكثر قابليةً لاحتضان تلك الظواهر بكل ما تشمله من تداعيات. 
 
ليست الجريمة وحدها ما تصدر مشهد سنوات ما بعد ضبط الأمن في المدن الكبرى، بل رافقتها ظواهر أعمّ وأكثر شموليةً، خرجت عن الفردية في سياقها وتنظيمها وحضورها، كانتشار الأميّة والبطالة والدعارة والفساد، إضافة إلى ما يمسّ شريحة لا يختلف اثنان على أنّ سياق حضورها بما هي عليه الآن سيحمل في القريب مشكلات متناميةً ومحمولةً على ظهر الجريمة المفترضة، فردياً أو جماعياً، وتلك الظاهرة هي التسول، وليس التسول بمفهومه التقليدي، بل تسول الأطفال على وجه الخصوص، الأطفال الذين يملأون الشوارع اليوم.

أطفال مخيفون
قد لا يكون الأمر جديداً كلياً هذا العام، أو خلال عامين أو ثلاثة مضت، لكنه تنامى ضمن إطار ما يشبه الشبكات المنظمة أحياناً وضمن تصنيفه كعمل فعلي في أحيان أخرى. وتحول هؤلاء الأطفال الذين تتراوح أعمارهم غالباً بين 5 و14 عاماً إلى مصدر خوف وقلق للمارة في الطريق، خصوصاً أنهم ينتشرون في أكثر الشوارع ازدحاماً.
 
لماذا صار بعض هؤلاء الأطفال مصدر خوف؟ لأنّ سلوكهم المتبدل والمتجه نحو العنف اللفظي والجسدي أحياناً هو بيت القصيد في ما صاروا إليه حالاً وتوجهاً. هذه الملاحظة سجلها "النهار العربي" من خلال محاورة طفل متسول عمره نحو 10 سنوات، لم يكن مبالياً بالحديث طال أو قصر، المهم أنه حصل على مبلغ أقل من قليل، بالكاد يعادل جزءاً بسيطاً من دولار واحد. وهكذا هم هؤلاء الأطفال بالعموم، يقوم تسولهم على المبالغ البسيطة، وذلك أيضاً مردّه إلى أنّ من سيشفق عليهم ويمنحهم مالاً هو سوريٌّ عابر في الطريق، والسوريون صار حال جيوبهم معروفاً، فهي صدقة ولو قليلة كما يحسبونها.

عائلات متسولة
الطفل ذو العشر سنوات، الذي كان يتجول في أحد أحياء دمشق القديمة، كان يمكن بسهولة ملاحظة وجود "سكين" على خصره، كتلك السكاكين التي يستخدمها المجرمون، وليست كالسكاكين المنزلية العادية، أما الغرض من تلك السكين، فقد اعترف الصغير الذي يغزو ملامحه التوحش، بأنّه يستخدمها للدفاع عن نفسه في وجه أطفال متسولين آخرين يحاولون أحياناً سرقة ما في حوزته. وبعد إنكار متكرر منه، اعترف بأنّه أيضاً يقوم في بعض الأحيان بـ"تشليح" (سلب) أطفال آخرين أموالهم لأنّ عليه أن يعود إلى والده بـ"مبلغ معين" يومياً، ودون ذلك سيتعرض لضرب شديد.
 
أحمد طفل صغير، لم تكن محاورته أمراً سهلاً، ولكن دردشة معه أوضحت أنّه لم يدخل المدرسة يوماً، فهو لا يعرف القراءة والكتابة، تركته والدته رضيعاً وتزوجت برجل آخر، ليتزوج والده بدوره من سيدة أخرى قبل أن يصاب الأب بجلطة أسفرت عن عجز في ساقه، تاركاً أحمد وإخوته الثلاثة يتسولون.
 
يطالبه والده يومياً بأن يعود بمبلغ لا يقل عن 50 ألف ليرة سورية (3 دولارات)، وكذلك إخوته. وهم ينجحون في ذلك غالباً، لتكون حصيلة تلك العائلة شهرياً نحو ستة ملايين ليرة (400 دولار)، أي ما يعادل مرتب عشرين موظفاً حكومياً، والأهم أنّ الطريقة لا تهم، المهم أن يعودوا بالأموال.
 

المهم النتيجة.. بالقوة أو بالمعروف
بعض أولئك المتسولين الأطفال يحاول أن يشحذ بالقوة ويطارد الأشخاص، وبعضهم يحاول بيع الورد عنوةً؛ وإن لم يستجب المارة فقد يضربونهم ويهربون، أو يشتمونهم أو يرمونهم بالحجارة، في ظاهرة مقلقة تحمل بعداً إنسانياً واجتماعياً ونفسياً متراكباً.
 
التقى "النهار العربي" طفلاً متسولاً آخر في منطقة قريبة من دمشق القديمة، قال إنّه يحتاج لخمسة آلاف ليرة حتى يكمل حصاد يومه ويعود إلى منزله مطمئناً، وخمسة آلاف ليست إلا ثلث دولار، حصل عليها بعد ما بدا على وجهه من ملامح حزنٍ وقهرٍ توحي بعذابات لا نهاية لها لطفل عمره ثمانية أعوام.
 
اسم الطفل عمر، ولعمر قصته. إذ توفي والده صغيراً وتزوجت والدته هاجرةً إياه وأخته لتربيهم خالتهم التي فرضت عليهم امتهان التسول، وأخت عمر تكبره بعام واحد، وتقوم بالتسول بالضبط كما يفعل أخوها، في حيين متقاربين.
يقول عمر وكانت العجالة باديةً على وجهه، العجالة التي تتيح الاعتقاد أنّه أخيراً سيذهب إلى منزله: "الآن خالتي ستكون سعيدة لأننا سنعود مبكراً بالأموال التي تريدها".

المحتال الصغير
وما هي إلا نصف ساعة أخرى حتى نلتقي عمر مجدداً يطارد شاباً وفتاةً ليتسول منهما، قد يبدو المشهد مضحكاً، فالفتى اتضح أنّه بارعٌ في اختلاق القصص ونسج الحكايات واستثارة العواطف، إلا أنّ مطاردته لهما كانت تحمل معها مضايقةً لفظية مهينة للشابين اللذين لم يدريا ما يفعلان مع استحالة ضرب طفل صغير يحافظ على مسافة تمكنه من الشتم بأمان بغية الحصول على المال مقابل التوقف عن فعلته.
مجدداً، وجهاً لوجه مع عمر وسؤاله: "ألم تقل إنّ خمسة آلاف فقط تنقصك وستذهب إلى منزلك؟ ما رأيك في أن تتولى رعايتك وزارة الشؤون الاجتماعية بدلاً من التسول وظلم خالتك؟". بلمح البصر اختفى عمر وهو يجري بين السيارات العابرة.

عقول ممسوحة
كان الشاب والفتاة اللذين طاردهما عمر غير مستغربين، وأكدا أنّ تلك الظاهرة صارت هي الأساس في التسول، إذ قال الشاب وهو مهندس مدني اسمه ميسم نوران: "لم يكن من الصعب أن أجري خلفه وأمسكه وأوسعه ضرباً لكنّه طفل، وهؤلاء الأطفال كمن يتعاطى المخدرات، يمتلكون عقولاً ممسوحةً من الآداب العامة، فهم أنفسهم لا يعرفون لماذا يقدمون على الإيذاء، كلّ ما عليك فعله أن تمضي في طريقك وقد يرميك ذاك الصغير بحجر أو شيء، وسيمرّ الناس قربكما ولن يكترث أحد، فهذه الظاهرة كادت تصير قاعدةً".
ويروي ضاحكاً قصة أخرى حصلت معه: "في الصيف طاردني طفل يتسول، أعطيته ألفي ليرة، لكن لم يعجبه الأمر، فلم يكن منه إلا أن شهر سكيناً وقال لي هاتِ كل ما معك، نظرت إليه وهو لا يتجاوز ثلث طولي وعمره لا يتعدى سبع أو ثماني سنوات وضحكت من قلبي، ضحكة ممزوجة بقهر على حال أطفالنا. ثم حملته كما هو إلى قسم الشرطة في آخر الحي وسلمتهم إياه".
نوران لا يخفي قلقه من مستقبل هؤلاء الأطفال، وبحسبه فمن يحمل ويشهر سلاحاً في هذا العمر، فهؤلاء بعد سنين قليلة سيدخلون إلى منازل الآخرين لصوصاً وقاتلين ومعتدين.

المال أو التحرش
الشابة التي كانت مع ميسم روت لـ"النهار العربي" حادثة وصفتها بالقذرة، وصلت إلى حدّ ما يشبه التعدي الجنسي على صديقتها ليلاً من قبل مجموعة متسولين تجاهلت طلبهم المال، فالتفوا حولها محاولين لمسها بطريقة غير أخلاقية.
 
تقول: "الآن لم نعد نجد متسولاً طفلاً وحده فقط، بل صرنا نجدهم جماعات أيضاً، لا يبالون بما يفعلون، يسرقون من المحال، يشتمون المارة، يضربونهم، يحملون أسلحة صغيرة أو عصياً، يتحرشون بالفتيات، كما حصل مع صديقتي التي كادت تنهار أعصابها لهول المشهد في الشارع المظلم لسوء حظها، ولتلك اللمسات التي تخرج من طفل بقصد التحرش.. ولولا أنّها صارت تصرخ كالمجنونة لما هرب أولئك الأطفال، وأؤكد بالقول الأطفال، لكن أقول كيف يمكن لطفل صغير أن يفهم خطورة هذا التصرف تجاه سيدة لإجبارها على منحه الأموال؟".

من الورود إلى الأشواك
وبين أولئك الأطفال من يغلف تسوله ببيع الورود القسري بأي شكل لأي شاب وفتاة يسيران معاً، وفي قصة مشابهة لقصة الفتاة التي التفت حولها مجموعة متسولين محاولين إهانتها باللمس الجسدي، تعرضت في العام الماضي فتاةٌ اسمها ميرا شرباتي لحادث مشابه حين كانت تسير مع صديقها قبل أن يعترض طفل طريقهما محاولاً بيعهما الورود بالقوة، وبعد أخذ ورد ورفض من الشابين ما كان من الطفل إلا أن استدار خلفها ممزقاً فستانها بيده قبل أن يجري بعيداً ويطارده الشاب رفيق ميرا من دون أن يتمكن من الإمساك به.
تقول ميرا: "لا أنسى ذلك اليوم في حياتي، لا أنسى نظرة الإهانة التي أحس صديقي أنّه مُني بها، ولا بأنّ طفلاً يفعل ذلك، ولا بأنّنا أساساً نفعل ذلك بعضنا ببعض بعد كل تلك الحرب. ماذا نفعل؟ وماذا ننتج للمستقبل؟ نحن نزرع بذور أطفالٍ سيكبرون ويصيرون شباباً وتنقسم عبرهم البلد من جديد ما بين مجرم ومعتدٍ وربما مغتصبٍ وفئة أخرى خائفة على الدوام".

حكومات من خلف حجاب
قد تبدو تلك القصص هي الأكثر تطرفاً من عالم تسول الأطفال في سوريا، وفي الوقت ذاته قد تكون نزراً يسيراً من أحداث أكثر مأسوية حصلت أو تحصل، ولكنّ كلّ من التقاهم "النهار العربي" لم يذكر حادثةً واحدةً مشرقةً تتعلق بتسول الأطفال، ما يقود بالضرورة إلى النتيجة الحتمية التي تطرح تساؤلاً عن دور السلطات، وخاصةً وزارة الشؤون الاجتماعية وعن تحملها أدنى مسؤولياتها في مكافحة التسول. 
 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية