رغم محاولات السلطات السورية المضنية للسيطرة على ملف المشتقات النفطية منذ اشتعال الحرب في البلاد عام 2011، إلا أن المشكلات المتوالية لا تتوقف عن تجديد المواجهات بين الحكومة والمتلاعبين، ما يؤزم مسألة توافر الوقود في الأسواق، ويزيد من شحه المتنامي.
وفي أحدث حلقات الصراع، حاولت حكومة دمشق توفير المازوت بالسعر المدعوم لوسائل النقل العامة، بغية الحفاظ على الحركة الحيوية المطلوبة في الطرق، والتي أقلها تأمين نقل الموظفين وعدم دخول البلد في حالة من الشلل، وإن كان ذلك ضمن الحدود الدنيا للحركة التشغيلية في قطاع النقل والسير، مع ضرورة المراعاة اللحظية لعدم تناسب أعداد الراكبين بأيّ شكل مع أعداد وسائط النقل الفردية منها والجماعية.
ولكن توفير المازوت بهذا الشكل المدعوم خلق سوقاً موازية (سوداء) واسعة، أبطالها سائقو النقل العام الذين صاروا يستغلون المخصصات اليومية والتي تعطى لهم بواقع 30 ليتراً يومياً بسعر يقارب 500 ليرة سورية لليتر، أي أن سعر الثلاثين ليتراً يوازي نحو دولار واحد، فيما يباع المازوت بالسوق السوداء مقابل حوالي 13 ألف ليرة سورية لليتر الواحد (أقل من دولار بقليل). الفارق الهائل بين السوق المدعومة والسوداء جعل السائقين يتجهون لبيع مخصصاتهم، ما شلّ حركة البلاد غير مرّة وفي أشهر كثيرة، فمهما كان ما سيجنيه السائق من عمله على سيارته لن يعادل شيئاً من القيمة التي سيبيع فيها مخصصاته في السوق السوداء.
فارق هائل
ولتوضيح الأمر أكثر، فإنّ حصة "الميكرو" (الحافلة الصغيرة سعة 14 راكباً) هي 900 ليتر من المازوت شهرياً، وهذه الليترات سعرها في السوق السوداء حوالي 12 مليون ليرة، أي نحو 800 دولار، وبالتالي يكون قد وفّر السائق على نفسه مخالفات مرورية واهتراءات وإصلاح.
وفيما لو كان سيعمل يومياً على خط النقل المحدد له، فلن يجني ربع أو ثلث هذا الرقم بمعزل عن الإنهاك البدني.
ولكنّ تلك المعادلة تصب في مصلحة السائق وحده، وتجعل المواطن جالساً على الأرصفة، واقفاً تحت الجسور، منتظراً عند إشارات المرور لوسيلة نقل تقلّه، من دون نتيجة.
بيع المحروقات دفع السائقين للإحجام عن العمل، ما حدا بالسلطات المحلية التنفيذية لابتكار أسلوب مراقبة لوسائل النقل العامة، تحديداً تلك التي تعمل داخل المدن والتي لا يمكن الاستغناء عن وجودها أو خفض أعدادها.
الحل أخيراً!
جاء حل المراقبة متمثلاً بتركيب أجهزة تتبع على كل وسيلة نقل (GPS)، وهي أجهزة صغيرة بحجم قبضة اليد يتم توصيلها عبر أشرطة نحاسية إلى وسيلة النقل، فتتمكن من مراقبة وتسجيل حركتها اليومية ومدى التزامها بخط سيرها وإنجاز الرحلات المطلوبة منها ضمن كمية المازوت المدعوم الممنوحة لها.
سارت الأمور بعد القرار وتركيب الأجهزة جيداً، واكتظت الساحات والمواقف بوسائل النقل حتى كادت تغدو أكثر مما يحتاجه المتنقلون، فسرعان ما اتضح حجم وتعداد السائقين الذين كانوا مستنكفين عن العمل بغية بيع مخصصاتهم.
التحايل على الحل
لكنّ ذلك الانفراج "الهائل" استمر لوقت قصير، قبل أن يبتكر السائقون طرقاً جديدة وغريبة للتحايل على الأجهزة الموضوعة في مركباتهم، ما خلق عملاً جديداً ومرهقاً لوزارة الداخلية في تتبع أساليب الاحتيال تلك، والتي بمحصلتها يدفع السوري الثمن بعد أن يقضي ساعات من وقته في الطرق منتظراً وسيلة تقله إلى عمله أو وجهته من جديد.
أبرز أساليب الاحتيال تلك تمثلت في أن يتفق عدد من سائقي سيارات النقل العامة (شخصان فأكثر وصولاً لسبعة أشخاص أو أكثر) على فك أجهزة التتبع، وهي أجهزة سهلة الفك والتركيب عن سياراتهم، ووضعها جميعها في سيارة واحدة. وتلك السيارة تقوم بعملها بالشكل المعتاد، فيصعب ملاحظة الأمر على الجهات الرقابية. ويتقاسم في نهاية اليوم سائق السيارة الأرباح من بيع المحروقات للسيارات التي فكّت الأجهزة مع بقية زملائه من أصحاب الأجهزة.
مراقبة دقيقة
مصدر في وزارة الداخلية أشار لـ"النهار العربي" إلى أنّ السلطات لم تتوقف لحظة - منذ بدء تنفيذ القرار- عن مراقبة تنفيذه والقيام بحملات مفاجئة، وإيقاف السيارات وتفتيشها، والاستناد إلى المعلومات المتقاطعة، ما أدى لضبط مئات من حالات الغش والتلاعب بالسيارات خلال الأشهر القليلة الماضية، مبيناً إحالة جميع المخالفين مع سياراتهم إلى القضاء بعد انتهاء التحقيقات معهم والوصول إلى معرفة كل المتورطين.
المصدر وصف قضية التلاعب بـ"الخطيرة"، قائلاً إنها تنطوي على تبعات وتأثير كبير على المجتمع من شأنه تعطيل الحركة فيه وجعله فارغاً، وبالتالي تحويل المدن لما يشبه مناطق الأشباح إذا لم يجد الموظف وسيلةً تنقله لعمله تحديداً في ظلّ عجزه عن التنقل بواسطة سيارات "التاكسي" كل يوم لأجرتها الباهظة.
![]()
دخل زهيد
أحمد مسلماني، سائق "ميكرو" على خط نقل داخل العاصمة دمشق، أوضح في حديثه مع "النهار العربي" أنّ فكرة تركيب أجهزة تتبع للسيارات "خنقت السائقين" الذين كانوا يجدون مورداً كافياً للعيش بدونها، أما بعدها فصار يتوجب عليهم العمل لساعات طويلة جداً لتحقيق دخل زهيد.
ويقول: "كنا نريد سياسة ألّا يموت الديب وألّا يفنى الغنم، دائماً في معادلة النقل هناك من يدفع الثمن، سابقاً الركاب والآن نحن، لماذا لا يكون هناك حلول وسطية؟ هل يعقل أننا نتقاضى 800 ليرة سورية عن الراكب، هذا رقم لا يشتري علكة لطفل، وفي نهاية الشهر قد نخرج خاسرين من عملنا".
سيارات مهترئة
ماهر علفان، سائق آخر في العاصمة، يشرح أنّ وسيلة النقل إذا التزمت بخطة عملها قد يكسب السائق ثلاثة أو أربعة ملايين ليرة (200 دولار أو أكثر بقليل)، ولكنّه يضيف أنّ ذلك ليس سليماً حسابياً، بسبب استهلاك تلك السيارات الكبير من قطع الغيار والصيانة.
ويضيف: "أحدث ميكرو يعمل على خطوط النقل اليوم عمره 30 عاماً، هذا الميكرو يحتاج صيانة إن لم تكن يومية فهي أسبوعية، والأسوأ من ذلك أنّه ليس هناك ميكرو ثمنه أقل من 300 مليون ليرة سورية (20 ألف دولار)، فهل يعقل أن نجمد هذا المبلغ لأجل أرباح هي بضع ليرات؟".
حلقة مفقودة
بدوره بيّن السائق محمود عبد الحي الذي يعمل على خط جرمانا في ريف دمشق، أنّ قرار تركيب أجهزة التتبع أمن وفرة في تعداد وسائل النقل وبيّن كمية المحجمين عن العمل والمستفيدين من بيع المازوت في السوق السوداء، ولكنّه في الوقت ذاته لا يعتقد أنّ الحل الجذري كان يكمن في التتبع الإلكتروني.
ويضيف: "بعد تطبيق القرار، اكتشفنا لماذا كنا قلائل على الخط وغير قادرين على تلبية احتياجات كل الركاب قبل ذلك. الآن معظم الركاب يحظون بمقاعد، ولكن ما زال ثمّة حلقة مفقودة، يجب أن ترفع أجور النقل، فالتاكسي اليوم يأخذ 50 ألف ليرة سورية (أكثر من 3 دولارات) على أي عملية نقل ركاب ونحن علينا أن نرضى بالقليل".

خوف من وسائل جديدة
مراقبة هندسة النقل والمرور والداخلية لحركة أجهزة التتبع لا تعني نجاحهم في وقف عمليات الغش، وإلّا لما كان حتى اليوم يلقى القبض على سائقين متورطين في عمليات الاحتيال تلك، سائقون يعتقدون أنهم قد ظلموا كثيراً بالقرار، فيما ترى شرائح المجتمع أنّها أنصفت.
وفي تشريح القرار، وما قبله وما بعده، فإنّ أصحاب وسائل النقل العام قد عاشوا فترةً ذهبية طويلة على حساب مازوت لا يصل إلى منازل السوريين وعلى حساب انتظارهم لساعات في الحر والبرد لوسيلة نقل تقلهم إلى عملهم.
ويبدو بحسب أشخاص عديدين التقاهم "النهار العربي"، أنّ موضوع أجهزة التتبع قد حلّ مشكلة كبيرةً في يومياتهم المثقلة بالمشكلات، وسط خشية من أنّ يبتكر السائقون أساليب أكثر تطوراً وأقل لفتاً للانتباه كما يفعلون حالياً، إذ راح البعض منهم يضع تلك الأجهزة في سيارات خاصة أو سيارات نقل عامة أو دراجات نارية تصعب مراقبتها.
نبض