خرج الوضع عن السيطرة على الحدود السورية- الأردنية في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية على خلفية استمرار الحرب على غزة منذ ما يقارب شهرين ونصف الشهر. فجأةً تحولت عمليات تهريب المخدرات ومحاولات مكافحتها إلى حرب صغيرة بين حرس الحدود الأردني وعصابات التهريب ومن يقف وراءها من ميليشيات وفصائل متعددة الولاء والارتباط.
هذا التصعيد لا يمكن أن يحدث من دون أن يكون له ارتباط بالمشهد الكبير الذي تعيشه المنطقة وتشكل حرب غزة عنوانه العريض. وقد يكون لدى كل من الأردن وإيران مصالح مختلفة في استثمار الحدث الفلسطيني واحتمال استمراره على هذا النحو لوقت طويل من أجل تحصيل مكاسب سياسية وأمنية لم يكن ممكناً تحصيلها لولا غطاء الحرب في غزة.
وبلغ التصعيد على الحدود السورية – الأردنية ذروته مساء الإثنين مع شنّ طائرات يُعتقد أنها أردنية غارات جوية داخل الأراضي السورية مستهدفة معاقل ومقار لتجار مخدرات في المنطقة الحدودية. وجاءت الغارات التي لم يعلن الأردن بشكل رسمي مسؤوليته عنها بعد أسبوع تخللته خمسة اشتباكات بين قوات حرس الحدود الأردني وعصابات التهريب.
وفي هذا السياق تبرز شكوك لها جذورها بأن الأردن قد يكون اختار التعامل مع تهريب المخدرات بصيغة مبالغ فيها لضمان وصول صداها إلى العواصم العربية المعنية. غير أن هذا لا يعني التقليل من خطورة ما تشهده الحدود الأردنية – السورية، ولا مبررً لغض الطرف عن وجود أيدٍ خفية تتدخل في تلك المنطقة لتسعير التصعيد خدمة لأجندات قديمة- جديدة.
وكشفت مواقع سورية معارضة عن بدء إيران وميليشياتها في الجنوب السوري بتنفيذ مخطط ضد الأردن الذي كان عاهله الملك عبدالله الثاني أول من حذّر من خطر الهلال الشيعي الذي أصبح حقيقة واقعة وأمراً لا مفر منه، مشيرةً إلى أن طهران تعمل حالياً على مدّ الهلال نحو الأردن ومن ثم إلى السعودية التي هي الهدف الحقيقي والرئيسي للخطة الإيرانية.
واعتبرت بعض المواقع أن الأردن بعد اشتباكات الاثنين التي امتدت من الفجر حتى المساء، يواجه حرباً أمنية وسياسية وعسكرية، وليست عمليات تهريب مخدرات اعتيادية، فهناك عملية استنزاف ممنهجة للجيش الأردني على الحدود الشمالية، بالتوازي مع التوتر على الحدود بين الأردن وإسرائيل من جهة، والحشد الشعبي العراقي الذي يتربص بالأردن مدفوعاً من إيران على الحدود الشرقية.
ونقلت هذه المواقع عن مصادر "خاصة" لم تسمّها أن العمليات التي جرت من الجانب السوري، هي عمليات نفذتها ميليشيات إيرانية محترفة ومسلحة، وهو السبب الذي أدى لوقوع إصابات عديدة في صفوف حرس الحدود الأردني من جهة، وطول مدة الاشتباكات التي تجاوزت 11 ساعة، في حين لم يتجاوز أي اشتباك أو إطلاق نار سابق على مهربي المخدرات أكثر من ساعة في أطول وقت ليفروا إلى الداخل السوري ويتركوا ما يحملون من مخدرات، وفق ما ذكر تقرير صادر عن "تجمع أحرار حوران" السوري المعارض.
وتشير كل معطيات العملية التي جرت الإثنين، أنها عملية عدائية متعمدة عنوانها الكبير "تهريب المخدرات"، وحقيقتها استهداف أمن الأردن بشكل واضح، وحرب غير معلنة ضده من قبل إيران، فإيران هي من تصدر الأوامر لميليشياتها التي لا يمكن أن تتحرك من دون أوامر الحرس الثوري وفيلق القدس الإيرانيين، وفق الموقع ذاته.
وتشهد الحدود السورية- الأردنية، منذ العام 2018 بعد سيطرة حكومة دمشق على الجنوب بموجب تسوية برعاية الروس، عمليات تهريب للمخدرات لم تتمكن أي جهة حتى الآن من ضبطها أو الحد منها، وتوجّه اتهامات إلى دمشق وإيران برعايتها أو في أحسن الأحوال غض الطرف عنها بهدف إزعاج الأردن والضغط عليه، مقابل تحصيل مكاسب مادية مغرية.
وأكد "تجمع أحرار حوران" أن الوجود الميليشيوي الإيراني الذي بدأ بالتغلغل والسيطرة على الجنوب منذ خمس سنوات، لم يكن فقط من أجل تهريب المخدرات، إذ إن النظام لوحده قادر على رعاية هذه التجارة، فهناك هدف إيراني أبعد من ذلك، وهو استهداف الأردن آخر البوابات العربية التي تقف عائقًا في وجه مشروع ثورة الخميني لتشيّع المنطقة.
وجاءت الحرب على غزة فرصة لإيران وأدواتها في سوريا وغيرها، ليس فقط للمزايدة في الشعارات، وإنما للبدء بتنفيذ المخطط الأكبر بفرض السيطرة على المنطقة سواء بالقوة، أو إحداث الفوضى، أو بتبادل المصالح مع الدول الكبرى ومع إسرائيل نفسها.