29-12-2023 | 06:10

2023 لا يشبه أياً من سنوات إسرائيل... انقسام و"سبت أسود" وفشل عسكري

كان إعلان وزير العدل الإسرائيلي ياريف لايفين عن "خطة الإصلاح القضائي" سبباً لإثارة جدل واسع لدى الرأي العام في اسرائيل.
2023 لا يشبه أياً من سنوات إسرائيل... انقسام و"سبت أسود" وفشل عسكري
Smaller Bigger
كان إعلان وزير العدل الإسرائيلي ياريف لايفين عن "خطة الإصلاح القضائي" سبباً لإثارة جدل واسع لدى الرأي العام في اسرائيل. شمل الإصلاح المقترح تغيير المنهجية التي عملت بموجبها الحكومة الإسرائيلية منذ تأسيسها، لتثير هذه الخطة انقساماً داخلياً في اسرائيل امتد على 9 أشهر.
 
استعد النظام السياسي الإسرائيلي للتحوّل التاريخي بخطّة الإصلاح القضائي التي طرحتها حكومة بنيامين نتنياهو. وظهر بشكلٍ جلي أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي هو الذي وضع تلك التغييرات القضائية على رأس أولويات ائتلافه اليميني المتطرّف الذي شكّله لهذا الغرض بعد اتهامه بالفساد.
 
وفي المقابل، رفضت محكمة العدل العليا الإسرائيلية الاقتراح عند بدء النظر فيه، ودعت المجتمع الإسرائيلي إلى تجنّب مثل هذه الإصلاحات التي من شأنها زعزعة الطابع الديموقراطي ونظام العلاقات بين المؤسسات. ولهذه الأسباب عملت المعارضة الإسرائيلية وقطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي على حشد الرأي العام ضدّ هذه الإصلاحات، ودعت الى تنظيم تظاهرات ضخمة استمرت على مدى 39 اسبوعاً، فتقلّصت عوامل الوحدة على نحو مضطرد، وسط استقطاب متزايد حيال الحراك الداخلي في المجتمع الإسرائيلي، وهو ما تجلّى في العام 2023 في المعركة المحتدمة حول خطة نتنياهو لتعديل النظام القضائي.
 
 
النظام القضائي في إسرائيل
تُعتبر محكمة العدل العليا الإسرائيلية إحدى أبرز الفاعلين في "ديموقراطية إسرائيل" بغض النظر عن سنّ قانون القومية عام 2018، أو نظام الفصل العنصري الذي انشأته بعد احتلال فلسطين للتعامل مع الفلسطينيين، وكان لها دور رئيسي في الحفاظ على التوازن السياسي بين المؤسسات، حيث عملت على النظر في كل الاستئنافات المقدّمة ضدّ سلطات الدولة والهيئات العامة الأخرى، كما أنّها الجهة المنوطة بالفصل في دستورية القوانين التي تصدر عن الحكومة.
 
خلال 9 أشهر سعى ائتلاف نتنياهو إلى زيادة سلطة الحكومة وصلاحياتها على حساب السلطة القضائية، والذي وصفه زعيم المعارضة الإسرائيلية بيني غانتس بأنّه "انقلاب سياسي". وسعى الاقتراح المقدّم إلى الحدّ من قدرة محكمة العدل العليا على مراجعة التشريعات، كما أتاح الاقتراح للحكومة الحصول على صلاحيات التفويض القضائي. وبموجب بند التجاوز الذي تستند إليه في خطتها الإصلاحية، ستتمكّن الحكومة الإسرائيلية من تمرير التشريعات التي أبطلتها المحكمة العليا في السابق، وعلى هذا الأساس، يمكن للحكومة تمرير التشريعات بموافقة أغلبية بسيطة من أعضاء الكنيست، 61 عضواً من أصل 120 عضواً.
 
في المقابل، لن تتمكن المحكمة العليا من رفض القوانين المقترحة من الحكومة إلاّ إذا وافق أعضاؤها بالإجماع على نقض مشاريع القوانين.
 
وكان السؤال الأبرز الذي تناقله الخبراء ومحللو الشؤون القضائية والمتخصصون في إعداد القوانين، "هل ستتحول إسرائيل إلى دولة استبدادية شرق أوسطية في عهد نتنياهو؟". فالقانون المقترح يعمل على الحيلولة دون إشراف جميع الفاعلين المحايدين في السلك القضائي على عملية مراجعة القوانين المقترحة من جهة الحكومة.
 
الانقسام الإسرائيلي
رئيس الوزراء الإسرائيلي أكّد أكثر من مرّة أنّ رغبته في إجراء إصلاح شامل للنظام القضائي له صدىً قوي ودعم شعبي كبير. وبحسب نتنياهو، فإنّ المعارضة توافق أيضاً على ضرورة اتخاذ إجراءات جديدة في سبيل إصلاح النظام القضائي إصلاحاً جوهرياً، وأنّه لن يقوم بتقويض إصلاحات النظام القضائي من أجل الديموقراطية. ومع ذلك، رأت قطاعاتٌ مختلفة من الاسرائيليين أنّ تلك الإصلاحات تمثل تهديداً وجودياً لأنّها قد تتسبّب في تغيير الطبيعة الديموقراطية لإسرائيل.
 
أدّت الأزمة السياسية في إسرائيل إلى انقسام في البلاد، ولم تظهر في الأفق أي بوادر لحل سلمي لهذه الأزمة. كما كشفت عن انقسامات عميقة بين أوساط مؤيّدي نتنياهو من المتدينين الارثوذكس والقوميين الصهاينة من جهة، والقطاعات الأكثر ليبرالية وعلمانية في المجتمع الإسرائيلي من جهة اخرى، ما طرح أسئلة رئيسية حول الأسس الدستورية لإسرائيل وتوجّهاتها المستقبلية.
 
خرج مئات الآلاف من الاسرائيليين إلى الشوارع ليل سبت، وتحوّلت التظاهرات والاعتصامات الى شبه يومية لأسابيع طويلة، ووصلت إلى الكنيست ومطار بن غوريون، احتجاجاً على التعديلات القضائية، التي ادّعت الحكومة انّها ضرورية لكبح القضاة الليبراليين الذين يتدخّلون في الشأن السياسي. لكن منتقدي التعديلات اعتبروها اعتداءً على "الأسس الديموقراطية لإسرائيل".
 
وفي خضم الاحتجاجات، أعلن عدد كبير من جنود الاحتياط امتناعهم عن أداء الخدمة العسكرية او حضور التدريبات، ما أثار مخاوف المؤسسة العسكرية من احتمال تعرّض أمن البلاد للخطر، كما أعلنت شركات إئتمانية عدة أنّها ستعيد تصنيف اسرائيل إئتمانياً، ما تسبّب بأزمة اقتصادية وهبوط حاد للشيكل الإسرائيلي مقابل الدولار، وبدأت شركات التكنولوجيا الكبرى مغادرة البلاد، وحزم أصحاب الشركات الناشئة امتعتهم.
 
السابع من تشرين الأول (أكتوبر)
وسط الفوضى العارمة التي اجتاحت اسرائيل، نفّذت حركة "حماس" وفصائل فلسطينية اخرى هجوماً أقل ما يمكن وصفه بالمباغت والجريء، ضدّ مستوطنات غلاف غزة والقواعد العسكرية الإسرائيلية هناك، وقد تمّ التخطيط له بشكل جيد داخل قطاع غزة المحاصر والفقير، المحاط بجدار الكتروني كلّف ملايين الدولارات، وحواجز إسرائيلية تحوّلت إلى معابر، وتحول يوم السبت في السابع من تشرين الأول (اكتوبر) الماضي، إلى سبت اسود في تاريخ اسرائيل العسكري، ورمز للفشل الاستخباراتي الهائل، وأحاط المجتمع الاسرائيلي بصدمة وخوف غير مسبوقين.
 
كما أحدث هجوم "حماس" صدمةً استخباراتية عالمية، بعدما كانت معظم أجهزة الاستخبارات الغربية مطمئنة إلى نجاعة وتفوّق الاستخبارات الإسرائيلية التي تعتمد على التقنيات الأميركية الأحدث والأكثر فعالية في العالم، ما جعل واشنطن مجبرة على تقديم تفسير لهذا الفشل.
 
حلّلت أجهزة الاستخبارات الأميركية الموقف، وأشارت الى أنّ نقاط الضعف تمثلت في إبعاد الجناح السياسي لـ"حماس" عن مرحلة التخطيط للهجوم بالكامل، وأنّ الذراع العسكري وحده من كان يعمل عليه، ما تسبّب في تعمية أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية الداخلية والخارجية، والتي قد تكون تمتلك بعض المصادر المرتبطة بالمستوى السياسي في "حماس"، بحكم انفتاحه على أطراف عدة مؤيّدة ومناوئة للحركة، لكنها لا تمتلك هذه المصادر في المستوى العسكري الأكثر انضباطاً وانغلاقاً على شؤونه الداخلية.
 
ورجحت أن يكون بعض أعضاء الجناح السياسي في غزة على وجه الخصوص، قد حصلوا على معلومات مسبقة على أساس فردي، لكنها أكّدت أنّ أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية لم يكن لديها مخبرون بينهم، واستنتجت أنّ الفصل الصارم بين الفرعين السياسي والعسكري لحركة "حماس" قد يكون أحد المفاتيح لفهم العملية التي أفلتت من رصد كل الرادارات.
 
كما أنّ أدوات المراقبة الأميركية القوية الموجّهة نحو قطاع غزة - وفق المعلومات المتوفرة- لم تكن قادرة على التقاط إشارات تحذيرية تتعلق بالتحضير للهجوم، بخاصة أنّ الجناح العسكري لحركة "حماس" يستخدم منذ فترة طويلة وسائل اتصال بدائية ولكنها فعّالة، ما يحبط أحدث تقنيات الاعتراض.
 
ومن التفسيرات التي سعى الأميركيون للترويج لها بعد "السبت الاسود"، أنّ تضاؤل اهتمام الاستخبارات الإسرائيلية بــ"حماس" بسبب الخيارات التكتيكية وأولويات سلطتها السياسية، ساهم في إهمال جبهة غزة، ما حدا بالمستوى العسكري الإسرائيلي الى نقل جزء كبير من القوات المسلحة إلى الضفة الغربية، حتى إنه طُلب من جهاز الأمن الداخلي (الشاباك) تركيز جهوده على أمن المستوطنات اليهودية لا على قطاع غزة.
 
أما الدرس الكبير الذي تعلّمه الأميركيون من هذا الهجوم، فهو أنّ "حماس" فاجأها عدم وجود ردّ فعل من جانب قوات الاحتلال الإسرائيلي أو على الأقل الوقت الذي استغرقه الردّ، إذ لم يكن المهاجمون يعتقدون أنّ في إمكانهم البقاء لفترة طويلة داخل إسرائيل واحتجاز هذا العدد الكبير من الأسرى قبل العودة إلى قطاع غزة.
 
بعد أكثر من 80 يوماً من الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة، والتركيز على تهجير الفلسطينيين وتجويعهم وقتل الآلاف أغلبهم من النساء والأطفال، لم تحقق إسرائيل أياً من أهدافها، بل اعتمدت أسلوب المراوغة الإعلامية في نشر خسائرها: الكثير من التعتيم حول أعداد القتلى من الضباط و الجنود، السماح بنشر الإصابات بالجملة، رقابة عسكرية مشدّدة حول المعارك وما تتبعها من عمليات لتغطية فشلها، استهداف مباشر للمستشفيات وصل حدّ الكذب والافتراء للتغطية على الخسائر وحرمان الفلسطينيين من أبسط حقوقهم في الحصول على العلاج، وتبرير قتل الخدج والأطفال والنساء الحوامل.
 
ومارست إسرائيل الاستبداد في قمع الأصوات المناهضة للحرب والقتل الوحشي... اعتقالات تعسفية ومزيد من الدم في كل مكان، بضمان أنّها لن تحاسب ما دامت البوارج الاميركية تحت خدمتها وتصرّفها في المياه الإقليمية في البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر.
 
لكن المراوغة والكذب والتضخيم الإعلامي الإسرائيلي والتسويق المبالغ فيه بانتصارها الكبير في غزة لن تدوم، وإذا كان عدد من القتلى من المرتزقة ليس لهم عائلات، أو أنّ عائلاتهم قد قبضت ثمنهم بعد مقتلهم مقابل أن تلتزم الصمت إلى الأبد، فإنّ الكثير من عائلات الأسرى والمحتجزين الإسرائيليين الذين خرجوا أحياءً او قُتلوا لأخطاء بسبب سوء التشخيص، لن توافق على الصمت أكثر، وهي تشاهد القصف الهمجي والعشوائي يتسبّب بمقتلهم، تُضاف اليهم امهات الجنود والضباط في حال حدثت "مصيبة" او عملية مباغتة في المستقبل القريب... وذلك ليس ببعيد.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 2:25:00 PM
بدأت الإجراءات القضائية المذكورة على أثر ادعاءات وجّهها المدّعون إلى مصرف لبنان، مفادها أنه أسهم في استقطاب ودائعهم بالدولار الأميركي من خلال تطمينات مضلّلة حول سلامة الأموال وإمكانية الوصول إليها