2023 فلسطينياً: عام سقوط الأقنعة "الأكثر قسوة ودموية"
منذ السابع من تشرين الاول يقف العالم صامتا تجاه الابادة الجماعية والقتل الوحشي الذي تمارسه اسرائيل، اذ ترتكب قوات الاحتلال أفعالا تشكل انتهاكات خطيرة للقانون الدولي ولحقوق الانسان والقانون الدولي الانساني، فالحصار المحكم على قطاع غزة يمنع كل سبل الحياة عن القطاع. فمنع المياه والمواد الغذائية والكهرباء والوقود والادوية يشكل جريمة حرب استادا الى المواد 33-146-147 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1947 التي تؤكد ضرورة حماية المدنيين.
ربما يكون عام 2023 هو الأشد قسوة والأكثر دموية في حياة الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، لكنه أيضاً العام الذي سقطت فيه كل الأقنعة وبانت الوجوه على حقيقتها، بعدما حمل العالم الغربي على مدى 30 عاماً في جعبته الكثير من الحكم والمواعظ والدروس في الديموقراطية والتعددية والحريات للفلسطينيين، وادعى الدفاع بشراسة عن حقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. بدا هذا العالم صامتاً لا يحرك ساكناً أمام آلة القتل الإسرائيلية الوحشية في قطاع غزة والضفة الغربية التي انتهكت أبسط قواعد القانون الدولي مرات ومرات خلال الأشهر الثلاثة الماضية.
منذ بداية العام شهدت الضفة الغربية أياماً ساخنة وعمليات عسكرية شرسة متواصلة، كما شهد قطاع غزة قصفاً إسرائيلياً استمر أياماً في عملية استهدفت قيادات حركة الجهاد الإسلامي، وعملية "البيت والحديقة" في اجتياح اعتبر الأوسع والأكبر لمدينة جنين ومخيمها واستمرت أياماً.
حتى نهاية أيلول (سبتمبر) الماضي توقع الخبراء العسكريون الإسرائيليون انفجاراً غير مسبوق على الأرض. ذلك لأن المقاومة الحالية في الأراضي الفلسطينية لا تشبه سابقاتها خلال الانتفاضتين الأولى والثانية، وظهر تطور واضح في التكتيك العسكري.
كما أن جيلاً بأكمله انتقل من مرحلة كونه رهينة للتطورات السياسية والمفاوضات إلى صاحب المبادرة في القتال وتغيير قواعد الاشتباك، بعدما أثبتت منهجية السلطة الفلسطينية فشلها في احتواء المقاومة وحصرها بالمقاومة الشعبية السلمية التي لم تغير في الواقع على الأرض شيئاً بل زادت الأمور سوءاً.
هو جيل لا يرى في السياسيين أو في خطاباتهم المستهلكة أي أفق جديد لحل الصراع ودحر الاحتلال، بدا الشبان الفلسطينيون أكثر توحداً، مصممين على عدم التنازل عن الحقوق أو التخلي عن طوحاتهم وأحلامهم في الحرية والاستقلال.
30 عاماً انتظر خلالها الفلسطينيون دولة من خلال حل الدولتين الموعود، لكن النتيجة كانت أن قتلت إسرائيل حل الدولتين، وتحولت السلطة الفلسطينية إلى سلطة إدارية تهتم بشؤون الصحة والتربية والتعليم وصرف رواتب الموظفين في السلطة المدنية والأجهزة الأمنية، بانتظار حلم الدولة تارة تتلقفهم الولايات المتحدة فيعتمدون على الدعم المقدم من وزارة الخارجية والوكالة الأميركية للتنمية ويخضعون لكل الشروط والإملاءات، وتارة أخرى تتلقفهم إسرائيل بوعود أشبه بالأحلام وسط حكومات إسرائيلية يزداد تشددها وتطرفها كلما تم التطرق إلى حل الدولتين أو الحل النهائي، وتقتطع من مقاصتهم أموالاً وتتسبب بأزمة اقتصادية تحرمهم أي حياة طبيعة وتدفعهم إلى التأقلم مع الواقع المرير، وابتكار حلول لتخطي العقبات.

طوفان الأقصى "السبت الأسود"
يوم السبت السابع من تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، عند الساعة 6:30 صباحاً باغتت المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة والتي تتكون من الأذرع العسكرية لحركتي "حماس" (كتائب عز الدين القسام) و"الجهاد الإسلامي" (سرايا القدس) والفصائل الفلسطينية الأخرى، اعتبرت العملية الهجوم الأكبر على مر تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي منذ عقود، رداً على الاحتلال والعدوان الإسرائيلي المستمر على الفلسطينيين والمقدسات في مدينة القدس.
اتسمت العملية بأنها عملية عسكرية متكاملة براً وبحراً وجواً باستخدام المظليين، وتسللاً عبر السياج الجدودي إلى مستوطنات عدة في غلاف غزة، فاجأت الجيش الإسرائيلي المنتشر على طول الحدود بطريقة غير مسبوقة وتكتيك عسكري مدروس، مستغلة ضعف الجبهة الداخلية التي أنهكها الانقسام الداخلي بعد إعلان الائتلاف اليميني المتطرف لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو "خطة الإصلاح القضائي".
أدت العملية إلى إعلان إسرائيل أنها في "حالة حرب" وشنت حرباً عنيفة مدمرة على قطاع غزة أسفرت عن تدمير 70 في المئة من المباني، وفي يومها الـ80 لا تزال تحصد آلاف الضحايا من المدنيين الفلسطينيين، إذ تخطت أعداد القتلى الـ21 ألفاً، وأكثر من 50 ألف جريح، وأدت إلى نزوح مليون و800 ألف فلسطيني من أصل مليونين و400 ألف هم سكان غزة، ولا تزال الحرب مستمرة.
وقتل 1140 إسرائيلياً، وتم أسر 250 إسرائيلياً، وإصابة أكثر من 5 آلاف، كم قتل 492 جندياً وضابطاً، إضافة إلى 70 عنصراً من الشرطة وقوات حرس الحدود وجهاز الأمن العام "الشاباك" الإسرائيلي.
وعاشت الضفة الغربية حصاراً مشدداً حول المدن والقرى التي باتت مفصولة تماماً عن محيطها بالبلوكات الإسمنتية، وإغلاقاً محكماً للبوابات الحديدية، وتصاعد عنف المستوطنين وتحولوا إلى السلطة التنفيذية الوحيدة على الأرض، وسط خطط استيطانية لا تنتهي.
لا يمكن الفصل بين ما يحدث في غزة وما يحصل في الضفة الغربية، التي يبدو فيها الوضع تنفيذاً للخطط القديمة وتبنياً واضحاً لخطة التسوية التي طرحها وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتساليئيل سموتريتش.

أما مدينة القدس فتخضع لحصار شامل ومشدد، وألغيت كل التصاريح الممنوحة للفلسطينيين، كما يتم اعتقال أي فلسطيني يشارك في تظاهرات ضد الحرب أو يقوم بمشاركة صورة لعلم أو يظهر أي تضامن مع قطاع غزة.
الأمر ذاته يسري على فلسطينيي الداخل حيث شنت القوات الإسرائيلية حملات اعتقال واسعة منذ بداية الحرب، وتعرض العديد من الطلاب والأساتذة والموظفين للطرد بسبب صورة أو مشاركة لفيديو يظهر القصف الوحشي على غزة، أو حتى مجرد "لايك" لصورة علم فلسطين.
الإبادة الجماعية
منذ السابع من تشرين الأول يقف العالم صامتاً تجاه الإبادة الجماعية والقتل الوحشي الذي تمارسه إسرائيل، إذ ترتكب قوات الاحتلال أفعالاً تشكل انتهاكات خطيرة للقانون الدولي ولحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، فالحصار المحكم على قطاع غزة يمنع كل سبل الحياة عن القطاع. فمنع المياه والمواد الغذائية والكهرباء والوقود والأدوية يشكل جريمة حرب استناداً إلى المواد 33-146-147 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1947 التي تؤكد ضرورة حماية المدنيين.
كما أن سياسة التجويع الإسرائيلية وإيقاف المستشفيات عن العمل والاستهداف المباشر لسيارات الإسعاف والمسعفين والأطباء والممرضين هي بحد ذاتها انتهاك واضح للمادة 55 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تنص على أنه من واجب دولة الاحتلال أن تعمل بأقصى ما تسمح به وسائلها، ومن واجبها تزويد السكان بالمؤن الغذائية والإمدادات الطبية إذا ما كانت موارد الأراضي المحتلة غير كافية، كما عليها مراعاة حاجات السكان المدنيين.
ولطالما حاولت إسرائيل التنصل من مسؤوليتها وزعمت أنها لم تعد قوة الاحتلال المسيطرة على قطاع غزة منذ عام 2005، إلا أن هذا المبرر لا يستند إلى أي أسس موضوعية أو قانونية، فإسرائيل تفرض سيطرتها الفعلية على قطاع غزة من خلال تحكمها بكل المعابر والحدود والمجالين الجوي والبحري وصولاً إلى المياه الإقليمية، وبناءً عليه فإن الاحتلال لا يزال قائماً، وهو ما يفرض عليها ضرورة مراعاة القانون الدولي الإنساني كدولة احتلال.
مخطئ من يعتقد أن الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني بدأ في السابع من تشرين الأول، ما شهدته فلسطين خلال عام 2023 هو نتيجة لاحتلال دام 75 عاماً، فالاحتلال والاستعمار بدآ بوعد بلفور، لكنه "القشة التي قصمت ظهر البعير" بسبب احتلال دائم مستمر وطويل تميز بالاضطهاد والوحشية، وخلق نظاماً ممنهجاً متكاملاً من الفصل العنصري (الأبارتايد).
الحرب على قطاع غزة وفصل الضفة الغربية عن بعضها بعضاً اليوم هما نتيجة فعلية بل حتمية لدعم الحكومات الغربية الأعمى للحكومة الإسرائيلية المتطرفة التي تسعى للقضاء على أي شكل من أشكال المقاومة الفلسطينية أينما وجدت وكيفما كانت، فالعالم "المتحضر" بأسره بحسب تصنيف نتنياهو لا يرى ولا يريد أن يرى القلسطينيين إلا شعباً تحت الاحتلال، موزعاً على دول اللجوء المجاورة، يعيش في كانتونات مقطعة الأوصال على طول الضفة الغربية وصولاً إلى قطاع غزة، الذي يريدونه الآن فارغاً من السكان بدعوى الحفاظ على أمن المستعمر الإسرائيلي وسلامته.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 2:25:00 PM
بدأت الإجراءات القضائية المذكورة على أثر ادعاءات وجّهها المدّعون إلى مصرف لبنان، مفادها أنه أسهم في استقطاب ودائعهم بالدولار الأميركي من خلال تطمينات مضلّلة حول سلامة الأموال وإمكانية الوصول إليها
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض