19-11-2023 | 06:10

"النهار العربي" على ضفاف "دولة المستوطنين"... فلسطينيون يروون معاناتهم مع "فتيان التلال" ومصادرة المحاصيل والأراضي

الطريق بين مدينتي القدس ونابلس والبالغ طولها حوالى 114 كيلومتراً، وتمتد عبر الخط السريع والذي يُعرف بـ"شارع 60"، باتت مقفرة منذ السابع من تشرين الثاني (أكتوبر) الماضي.
"النهار العربي" على ضفاف "دولة المستوطنين"... فلسطينيون يروون معاناتهم مع "فتيان التلال" ومصادرة المحاصيل والأراضي
Smaller Bigger
الطريق بين مدينتي القدس ونابلس على طول حوالى 114 كيلومتراً، عبر الخط السريع والذي يُعرف بـ"شارع 60"، باتت مقفرة منذ السابع من تشرين الثاني (أكتوبر) الماضي. بات الطريق السريع شبه مقفر الاّ مما ندر من السيارات والكثير من المركبات والآليات العسكرية الإسرائيلية على جانبيه.
 
يشير هذا المشهد الى حصار مشدّد حول القرى والمدن الفلسطينية التي باتت مفصولة تماماً عن محيطها، سواء بالبلوكات الإسمنتية أو بإغلاق محكم للبوابات الحديدية... كانتونات أشبه بجزر صغيرة وسط بحر من المستوطنين (144 مستوطنة) ومئات البؤر الاستيطانية التي تزداد أعدادها بشكل يومي وتحتل قمم الجبال، لتسيطر أمنياً على ما تبقّى من أراضٍ في الضفة الغربية المحتلة ووسط 3.25 ملايين فلسطيني.
 
 
لم يبدأ الصراع بين الفلسطينيين والاسرائيليين يوم السابع من تشرين الأول (اكتوبر)، لكنه القشة التي قصمت ظهر احتلال دائم وطويل ومستمر منذ 75 عاماً، تميز بالاضطهاد والوحشية وخَلَق نظاماً ممنهجاً متكاملاً من الفصل العنصري (الابارتايد)، يطغى على حياة الفلسطينيين ويخلق واقعاً مريراً ويتجدّد كلما أُتيحت له الفرصة بذلك.
 
فقدان الفلسطينيين السيطرة المباشرة على 60 في المئة مما يُعرف بالمنطقة (سي) من الأراضي الفلسطينية، جعل المستحيل ممكناً للسلطات الإسرائيلية، وتحولت ميليشيات المستوطنين المدعومين والمحميين من الجيش الاسرائيلي إلى السلطة التنفيذية الوحيدة على الارض.
 
منذ عام 1967 صادرت اسرائيل أكثر من مليوني دونم من أراضي الضفة الغربية، وسخّرتها لبناء المستوطنات وتوسيع مسطحات نفوذها، بما في ذلك المساحات الزراعية والمناطق الصناعية، وتمنع دخول الفلسطينيين اليها، وقد استولت اسرائيل عليها بطرق رسمية، عبر أوامر عسكرية، أو عبر اعلانها "أراضي دولة"، "مناطق إطلاق نار"، "محميات طبيعية" أو مصادرتها، فيما استولى المستوطنون بالقوة المجرّدة وبالعنف اليومي الذي يمارسونه ضدّ السكان الفلسطينيين، على ممتلكاتهم وفقاً للمعطيات الصادرة عن منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية.
 
تصاعد عنف المستوطنين
لذلك لا تُعتبر هجمات ميليشيات المستوطنين الإسرائيليين المتصاعدة منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، جديدة، بقدر ما يُعتبر تصاعد وتيرتها واشتدادها بالأمر اللافت والخطير، والذي يربطه معظم الفلسطينيين في الضفة الغربية بسياسة الترانسفير (التهجير) التي بدأت حكومة بنيامين نتنياهو اتباعها منذ تولّيها الحكم في اسرائيل في كانون الاول (ديسمبر) الماضي. فمنذ بداية العام تجلّت سياسة الحكومة اليمينية المتطرّفة في محرقتي بلدتي حوارة ترمسعيا، باستهداف حياة الفلسطينيين وأراضيهم ومصادر رزقهم وأماكن عبادتهم، كما تكرّر ذلك أخيراً في بلدات برقة رام الله وبمقتل الفتى قصي معطان- وستة أشخاص في بلدة قصرة- وبلال شاهين في بلدة الساوية،  على يد المستوطنين.
 
وتعود أسبابها الى "خطّة الحسم" التي اعدّها وزير المالية الاسرائيلي وزعيم حزب "الصهيونية الدينية" بتسالئيل سموتريتش، أما السبب الثاني، فهو انتشار مجموعات تضمّ مئات المستوطنين الشبان تنشط في شنّ الهجمات الدموية ضدّ الفلسطينيين، ومن أبرزها "الاستيطان الرعوي"، "تدفيع الثمن"، وأشهرها واكثرها نشاطاً "فتية أو فتيان التلال".
 
ويبدو أنّ قرار وزارة المالية الإسرائيلية بإغلاق 6 وزارات إسرائيلية من بينها "وزارة الاستيطان والمهام الوطنية"، بسبب الحاجة الى ترتيب الاولويات الاقتصادية والاجتماعية في إسرائيل، لن يكون له الأثر السلبي أو الملموس على المستوطنين في الضفة الغربية الذين بات عددهم يقترب من 800 ألف  وسيتجاوز المليون قريباً. فوزير المالية سموتريتش المستوطن وهو أيضاً وزير مشارك في وزارة الدفاع ويعرف بأنّه الحاكم الفعلي للضفة الغربية، والميزانيات التي رصدها للمستوطنين قبل الحرب ستذهب للمستوطنات عن طريق وزارة الدفاع وليس عن طريق وزارة الاستيطان.
 
كما أنّ المستوطنين على الارض يديرون أمورهم من دون  رقيب، ويسلبون الاراضي والزيتون، ويقيمون البؤر الاستيطانية بمساعدة وحماية الجيش الإسرائيلي، وتكفي كمية الأسلحة التي قام وزير الامن القومي ايتمار بن غفير بتوزيعها مجاناً بين مستوطنات الضفة الغربية للاستخدام الشخصي جيشاً كاملاً، بعد أن قامت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن بإرسالها ضمن شحنات الاسلحة، لمساعدة إسرائيل في حربها على قطاع غزة.
 
وإضافة الى التسهيلات والامتيارات الحكومية التي يحصل عليها المستوطنون وعائلاتهم من الوزارات المختلفة لتثبيت وجودهم وضمان بقائهم وتوسيع مجالاتهم، لم تعد أعمالهم تقتصر على تربية المواشي والزراعة وانتاج الفواكه والخضار، فانتقلوا سريعاً للعمل في حقل التكنولوجيا والمعلومات وانتاج النبيذ.
 
وكنتيجة حتمية لتزايد التيار الاستيطاني، واحزاب اليمين القومي الديني المتعدّدة، التي تقوم منذ مشاركتها في الائتلاف الوزاري الحالي بتضييق مساحة تدخّل الحكومة في شؤون المستوطنين والمستوطنات وتهميش مركزية الدولة وسلطتها في الميدان، ووضع القرار مجدداً بيد المستوطنين، يظهر الكثير من التصدّع والهشاشة في سقف الدولة وجدرانها الداخلية.
 
المضطربون يمارسون اضطهادهم
يُعرف "فتية أو فتيان أو شباب التلال" بأنّهم مجموعة صهيونية متطرفة، يتبعون إيديولوجيا كهانية متطرفة تعود  جذورها الى الصهيونية الدينية، ويؤمنون باسطورة "أرض اسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات"، ويبلغ تعدادهم المئات، لكن ربما تخطّوا الالف بسبب ارتفاع أعداد المستوطنين في الضفة الغربية، وهم ينتظمون في خلايا صغيرة، وفوضويو التفكير، وعنيفون.
 
يعود تأسيس هذه المجموعة الى تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1998 على يد وزير الدفاع الاسرائيلي آنذاك أرييل شارون الذي حضّ الشبان المستوطنين على التجمّع، معتبراً أن "على كل شخص هناك أن يتحرك ويركض وأن ينتزع المزيد من التلال ويوسع المنطقة. فكل ما يتمّ الإمساك به سيكون بين أيدينا، كل ما لا نمسك به سيكون في أيديهم".
 
 
 
 
 
وقام المستوطن أفري ران بإنشاء مزرعة كبيرة أطلق عليها "تلال العالم"، وبدأ هذا الضابط المتقاعد من الجيش الإسرائيلي يستقبل في مزرعته شباناً مضطربين يعملون في البناء والحقول، وهكذا ولدت النواة الاولى لـ"فتيان التلال" التي بدأت تتطور خلال الانتفاضة الثانية للفلسطينيين.
 
وتتراوح اعمار فتيان التلال بين 15 و 30، وهم أحفاد الجيل الاول من المستوطنين الذين بدأوا في حركتهم الاستعمارية بعد حرب الايام الستة واحتلال الضفة الغربية، ويعيشون في خيام وكرافانات بسيطة أو منازل متنقلة، ويدرس بعضهم في المدارس التلمودية الأشدّ تطرّفاً، مدفوعين بثقافة عنصرية، وإيديولوجيا راديكالية. ينجذب هؤلاء المضطربون نفسياً لهذه المجموعة كونهم طُردوا من مجتمعاتهم (منازلهم، مدارسهم، الحركات الشبابية) ما تسبّب بسخطهم، واصبحت المجموعة البديل للواقع الذي نُبذوا منه.
 
خلال تنقلنا في المنطقة، أخبرنا سكان أنّ "فتيان التلال" يقفون وراء الاعتداءات وسرقة الزيتون والمواشي، فيما يلعب حراس المستوطنات دوراً في إثارة الرعب وتوجيه التهديدات الى السكان.
 
في بلدة مادما الواقعة جنوب غرب نابلس، يقول لـ "النهار العربي" وجيه القط، وهو رئيس المجلس البلدي، إنّ القرية تتعرّض للاعتداءات من قِبل المستوطنين منذ سنوات، خصوصاً من مستوطنة يتسهار، لكن وتيرتها زادت بعد الحرب، كما أنّ الجيش الاسرائيلي يفرض طوقاً مشدّداً على سكان القرية. ومن أكثر الحوادث رعباً التي تعرّضنا لها الاسابيع الماضية هو منع سيدتين حاملين من القرية من الوصول إلى المستشفى في نابلس ما ادّى الى إجهاضهما أثناء الانتظار الطويل على حاجز المربعة، فيما كان لحرق السيارات والتهديد المباشر بعدم الخروج من المنازل، أثره في زيادة الخوف والقلق.
 
وعن تكسير وحرق أشجار الزيتون أثناء موسم القطاف، يروي أنه مُنع 70 في المئة من سكان البلدة من الوصول الى أراضيهم وجني ثمار الزيتون هذا العام، بسبب اعتداءات المستوطنين واطلاق النار مباشرة عليهم، وهذا سيتسبّب بأزمة اقتصادية للمواطنين الذين يعتمدون على الموسم اقتصادياً بشكل كلي.
 
في بلدة قريوت – جالود الواقعة جنوب شرقي نابلس، يقول  لـ"النهار العربي" بشار القريوتي، وهو المتطوع في غرفة العمليات في القرية منذ سنوات ويقوم بقيادة سيارة الإسعاف ونقل المواطنين في المنطقة الى المستشفيات والعيادات، إنّ فتيان التلال والجيش الاسرائيلي يقومون بمهاجمة السكان يومياً ويمنعون كل من يحاول الاقتراب من أراضيه، ما حرم سكان البلدة تماماً من الوصول الى أراضيهم. كما أنّ القرية تتعرّض بشكل يومي لكل أنواع الاعتداءات. ويكشف أن جنوداً إسرائيليين أطلقوا النار إطلاق النار في اتجاه سيدة ثمانينية كانت تعمل في أرضها، وهددوها بالقتل إذا فكرت بالعودة. وأضاف أنه غالباً ما يتم إطلاق بشكل مباشر ومستمر على سيارات الاسعاف واستهدافها بكل أنواع القنابل والرصاص، من أجل أن تتوقف عن أداء مهمّاتها بتوثيق اعتداءات وهجمات المستوطنين. واستولى مستوطنون من مستوطنات عيلي وشيلو وايش كادوش المحيطة بالمنطقة على الينابيع ومصادر المياه، وحولوها لبرك سباحة وحرموا السكان من ري أراضيهم. وختم القريوتي أنّ أكثر من 90 في المئة من الشكاوى المقدّمة لمركز الشرطة في منطقة بنيامين تذهب الى الأرشيف.
 
لسكان خربة جبعيت الواقعة شرق قرية المغير تاريخ طويل من الصراع مع المستوطنين والجيش الاسرائيلي. فقد تمّ طرد عائلة مكونة من 34 فرداً من بينهم 14 طفلاً بشكل قسري مشياً على الأقدام يوم 8 تشرين الأول (اكتوبر) الماضي باتجاه قرية المغير. وشرح عمران أبو عليا لـ"النهار العربي" أنّه حاول وعائلته العودة الى الخربة لكنهم مُنعوا من ذلك، بعدما قام مستوطنون ملثمون يرتدون الزي العسكري بالاعتداء عليهم.
 
وأوضح أنّ عائلته تمتلك سنداً بملكية الأرض منذ ستينات القرن الماضي، لافتاً إلى أنّه يحق المستوطنين البناء والتوسع بينما يتمّ منع الفلسطينيين. وختم أبو عليا بأنّ عائلته تقيم حالياً قرب قرية المغير حيث يحاصرهم مستوطنون من مستوطنة عاد ألعاد، وأنّهم باتوا يتوقعون هجوماً قريباً في أي وقت، "لأنّهم يريدون منا أن نرحل باتجاه الضفة الشرقية من نهر الاردن. أصبح ذلك جلياً وواضحاً... نحن نصارع يومياً من أجل البقاء في أرضنا".

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 2:25:00 PM
بدأت الإجراءات القضائية المذكورة على أثر ادعاءات وجّهها المدّعون إلى مصرف لبنان، مفادها أنه أسهم في استقطاب ودائعهم بالدولار الأميركي من خلال تطمينات مضلّلة حول سلامة الأموال وإمكانية الوصول إليها