لبنان يواجه الكوليرا والمعاناة تتفاقم... "أطباء بلا حدود" لـ"النهار العربي": لتأمين الاحتياجات الأساسيّة للنّاس وتشجيعهم على اللقاح
أطلقت وزارة الصحة اللبنانية حملة تتطعيم وطنية لتفادي انتشار الكوليرا في كل لبنان واستهدفت الحملة بالدرجة الأولى سكّان المناطق من مواطنين ولاجئين سوريين التي انتشر فيها المرض والطاقم الطبّي.
زينب الحجيري، أم لبنانية لثلاثة أطفال: فتاتان وصبي. أصيب أولادها بمرض الكوليرا الذي استمرت أعراضه لأسبوع. هي من المواطنات الكادحات، إذ تعيش في عرسال إحدى البلدات النائية في قضاء بعلبك في محافظة البقاع شمال شرق لبنان، وتشير إلى أنها تعاني في منزلها نقصاً في المياه. وفي ظل الأزمة الاقتصادية الحالية، أصبح شراء المياه من صهاريج المياه مكلفاً للغاية بالنسبة لها.
تروي زينب بمعاناتها واقع المواطن اللبناني. تصل المياه إلى منزلها 3 مرّات في الأسبوع، وبالتالي فهي مجبرة على ترشيد استخدامها والحد منها قدر الإمكان، ولكنّها تتساءل: كيف يمكن تنفيذ إجراءات الوقاية من الكوليرا والتقيّد بها إذا لم يكن هناك مياه للقيام بذلك؟

تصوير كارمن يحشوشي/MSF
سؤال زينب صائب وبمكانه. ما كان ينقص الشعب اللبناني إلا الأمراض والفيروسات لتكتمل معها سلسلة معاناته وأزماته. حاول المواطن بظروفه وأحواله السيئة التأقلم قدر المستطاع مع أزمات سياسية واجتماعية واقتصادية، أنتجها رجال السياسة بأيديهم، ولما وقع المحظور تبرؤوا منها. من انتفاضة "17 تشرين" والأزمة الاقتصادية إلى انفجار مرفأ بيروت وفيروس كورونا. لم ترحم المشكلات المواطنين اللبنانيين، فأتت ضربات متلاحقة في استراتيجية، لا يطبّقها العدو في الحرب ربّما!
الكوليرا... آخر الضربات؟
"الجسم لبّيس". مثل لبناني معروف، وصار أكثر تداولاً تزامناً مع كل هذه الحوادث. ولكن لم يكن ينقصه إلا مرض الكوليرا الذي ينتج من جرثومة تنتقل عبر مياه الشرب أو تناول مواد غذائية ملوّثة، أو من شخص إلى آخر عبر الأيدي الملوّثة، بالإضافة إلى شحّ مياه الشرب النظيفة مع غياب شبكات الصرف الصحّي.
أُعلن عن تفشّي المرض في 6 تشرين الأول (أكتوبر) بعدما سجّل لبنان آخر إصابة بالكوليرا عام 1993. أزمة جديدة نتيجة انقطاع مياه الشرب الآمنة وإهمال إمدادات شبكات الصرف الصحي وصيانتها، ما أدّى إلى تفاقم تلوّث المياه. بالإضافة إلى انقطاع التيّار الكهربائي عن منازل المواطنين فتوقّف عمل مضخّات المياه لفترة طويلة، والنتيجة لا مياه في صنابير المنازل. فاضطر المواطن اللبناني إلى الاعتماد على نقل المياه بالشاحنات عشوائياً. ولكن نتيجة حال زينب الحجيري، ومثلها الآلاف، أثقلت الأزمة الاقتصادية كاهل المواطنين، خاصة في الأماكن الفقيرة والنائية كعرسال ومناطق أخرى في لبنان، فلجأوا إلى الأنهار والبرك الملوّثة لسدّ احتياجاتهم.
مشهدية مؤلمة لشعب لم يرتَح يوماً. حرب لـ15 سنة وكفاح خلال سلمٍ "وهمي" انفجر عام 2019. بطبيعة الحال وقبل سؤال "وينيه الدولة": لا دولة والغياب رسمي وعلني. عمل روتيني نتيجة تراتب المسؤوليات في الوزارات المعنيّة وخطط طوارئ كًثُر فيها الحبر وجفّ التنفيذ. إلا أن الدور الفعّال والميداني هو الذي تقوم فيه المنظّمات الدولية كـمنظمّة "أطباء بلا حدود" خلال هذه الأزمة. ومنذ بداية تفشي الكوليرا، كثّفت المنظّمة الدولية المستقّلة والتي بدأت عملها في لبنان منذ 1976، جهودها لدعم الحد من تفشّي مرض الكوليرا وعلاج المصابين.

ولكن رغم العمل اليومي، أوضحت المنسقة الطبيّة في منظمة "أطباء بلا حدود" فرح ناصر، في حديث خاص لـ"النهار العربي"، أن المنظّمة تواجه صعوبات جمّة، خاصة في المناطق اللبنانية النائية والفقيرة التي ترزح تحت الأزمة الاقتصادية الحادّة، وأبرزها هي ازدياد الاحتياجات الطبيّة وغير الطبيّة للمواطنين. حيث إن خدمات طبيّة عدّة يحتاجها السكّان لا تدخل ضمن نطاق عمل المنظمّة، فتسعى الأخيرة إلى تأمين هذه الخدمات والحاجات بحسب أوضاع المواطنين. ووفق الموقع الإلكتروني الرسمي للمنظّمة، هي تهتم بتقديم خدمات الرعاية النفسية والرعاية الصحية الجنسية والإنجابية وطب الأطفال والتطعيم وعلاج الأمراض المزمنة.
ولفتت ناصر، في حديثها، إلى أن المواطنين اللبنانيين، على رغم غياب مرض الكوليرا عن لبنان حوالي 30 سنة ونسيانهم لتفاصيله، إلا أنّهم يطرحون الأسئلة بشأن المرض ولديهم الحشرية للمعرفة أكثر عنه، وهذا ما ساعد المنظّمة في حملتها التوعوية في المناطق وإيصال المعلومات إلى السكّان بطريقة سلسة وناجحة.
حملة تطعيم ضرورية... ولكن!
أطلقت وزارة الصحة اللبنانية حملة تطعيم وطنية لتفادي انتشار الكوليرا في كل لبنان، واستهدفت الحملة بالدرجة الأولى سكّان المناطق من مواطنين ولاجئين سوريين.
انخرطت منظّمة "أطباء بلا حدود"، المكوّن فريقها حالياً من 600 عضو ويقدّم حوالي 150,000 استشارة سنوياً في لبنان، في خطّة وزارة الصحة، وجهّزت قسماً داخل مستشفى تابع لها في في بر الياس في البقاع، فبات قادراً على استقبال مرضى الكوليرا وعلاجهم بسعة 20 سريراً، حيث يمكن زيادة العدد وفق الحاجة. ومنذ افتتاحه في 31 تشرين الأول (أكتوبر)، استقبلت المنظّمة 33 مريضاً في وحدة علاج الكوليرا الخاصة بها. ونتيجة انتشار المرض، تدير المنظّمة الدولية مستشفى ميدانياً بسعة عشرين سريراً أيضاً في عرسال، حيث يقع أقرب مستشفى عام على بعد أربعين كيلومتراً.

ووفق أحدث أرقام إصابات الكوليرا في لبنان، فقد تم تسجيل 586 حالة، بالإضافة إلى 20 حالة وفاة من تاريخ انتشاره، بحسب وزارة الصحة اللبنانية.
وفي أرقام لـ"النهار العربي"، قامت منظّمة "أطباء بلا حدود" بتطعيم أكثر من 54000 شخص في أسبوعين. وحوالي 50 شخصاً هو عدد المرضى الذين عولجوا في مستشفيات المنظّمة في بر الياس وعرسال. وأجرت المنظمّة أيضاً 17 تدريباً لنحو 400 من العاملين في مجال الرعاية الصحية.
وللحد من انتشار المرض، تقوم المنظّمة الدولية بالتطعيم ضد الكوليرا في عرسال وطرابلس وعكار وبعلبك-الهرمل في شمال وشمال شرق لبنان كجزء من حملة التطعيم الوطنية.
اللاجئون في المخيّمات... وتحذير من إهمال المشكلات
يروي اللاجئون السوريون تجربتهم مع مرض الكوليرا في المخيّمات التي يتّخذون منها مركزاً للإقامة بها منذ مغادرتهم سوريا. أبو علي الرفاعي (47 عاماً) من بلدة القلمون، أصيبت حفيدته بالمرض لـ20 يوماً مع أعراض شديدة كالإسهال، فتم نقلها إلى المستشفى ومعالجتها بمساعدة منظّمة "أطباء بلا حدود".

تصوير كارمن يحشوشي/MSF
وشرحت لاجئة سورية تُدعى عائشة الخالد تفاصيل إصابة ابنها أولاً بالكوليرا ومعاناته معها، وأشارت إلى أن حملات التوعية على وسائل الإعلام ساعدتها بطريقة أسرع على تحديد الإصابة ونقله إلى المستشفى للمعالجة. وأضافت: "بعد أيام، ظهرت العوارض عليّ وتعالجت بمساعدة أطباء بلا حدود حيث تلقيت مساعدة يومية من قبل المنظمة".

تصوير كارمن يحشوشي/MSF
في حديثها لـ"النهار العربي"، أوضحت المنسّقة الطبية للمنظّمة أن علاج الكوليرا يُعد عملية سهلة باستخدام علاج "المصل الوريدي". ويمكن تفادي الكوليرا في المنازل باستخدام مياه نظيفة وتعقيم الخضار والفاكهة، إلا أن المطلوب أن يكون لدى الناس الاحتياجات الأساسية لاتّخاذ تدابير الوقاية.
ولفتت فرح ناصر أيضاً إلى أن المطلوب بشدّة في لبنان أن يكون التركيز على البُنى التحتية لوصول المياه الآمنة إلى المنازل. بالإضافة إلى ذلك، يجب التشجيع على أخذ لقاح الكوليرا للحد من انتشاره تزامناً مع الحملة التي انطلقت منذ أسابيع.
وحذّرت ناصر من تداعيات عدم معالجة هذه المشكلات الأساسية، إذ تشكّل خطراً بانتشار أمراض أخرى تنتقل عبر تلوّث المياه، بالإضافة إلى الكوليرا.
التّوعية جزء من المواجهة
إلى جانب نداءات معالجة هذه المشكلات، تبقى التوعية عملاً أساسياً في مواجهة مرض الكوليرا والأمراض الأخرى. وهذا عمل مطلوب من الدولة اللبنانية أولاً والمنظمات والجمعيّات المنخرطة والمعنية بهذه الأزمات الصحية. وفي هذا السياق، تنتشر فرق منظمة "أطباء بلا حدود" في البقاع وتتجوّل في الأحياء وتزور المنازل والمتاجر والمخيّمات، وتحث الأفراد على رفع مستوى الوعي بشأن مرض الكوليرا وإجراءات الوقاية منه.

إن الانطلاق من هذه التجارب في ظل انتشار الأمراض عامل أساسي ومحفّز لمواجهة أزمات صحية في بلد أصبح مستسلماً أمام مشكلاته، والدولة اللبنانية تشكو وتناشد. هذه هي قدرتها الحالية على المواجهة، وبالتالي المواطن متروك لمصيره وربّه. والسؤال المطروح والجديّ: كيف ستكون حال الناس بغياب الدولة والمنظمّات والجمعيات معاً في ظل كل هذه الأزمات؟
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض