يتخبّط لبنان بأزماته ومشكلاته، إذ ما تلبث أن تلوح إشارة الى حل في ملف حتّى ينتكس ملف ثانٍ. هذا الروتين اللبناني مسيطر، الشعب ضحيّته الوحيدة وهو في حالة ضياع بين تصريحات المسؤولين ووعودهم وبين أفعالهم. ومع المشكلات الحياتية العالقة والمعلّقة، ينتظر لبنان استحقاقات دستورية هامّة، لعلّ أبرزها انتخاب رئيس جديد للجمهورية بعد أكثر من 3 أشهر من الشغور، وسط انقسام سياسي عمودي وصراعات ومناكفات بين الكتل السياسية اللبنانية لا تبشّر بإمكان إحراز تقدّم ملموس على صعيد ملف "ساكن بعبدا" وهويّته.
إلّا أن الاستحقاق الثاني الذي لا يقل أهمية، خصوصاً داخلياً، في ظل تلاشي الدولة وانحلالها يوماً بعد يوم، هو استحقاق الانتخابات البلدية التي تمّ تأجيلها من أيار (مايو) 2022 إلى 31 أيار 2023 بسبب تزامنها مع الانتخابات النيابية التي حصلت في 15 أيار 2022 وعدم الجاهزية الماديّة والبشرية لها.
هذا الاستحقاق المقرّر في موعده حتى الآن، يأتي في ذروة الانهيارات وفي ظل فراغ رئاسي وانقسامات وتوتّرات سياسية. فالقوى السياسية تتلهّى في الاستحقاق الرئاسي، أمّا مصير الانتخابات البلدية فمجهول حتى الساعة في ظل غياب الاهتمام السياسي والقرار أيضاً. إلا أن كل هذه التحديّات يجب ألا تشكّل سبباً لتأجيل هذه الاستحقاق، ما دامت الطبقة السياسية وأحزابها متمسّكة بدور الدولة وتؤكد وجودها وقدرتها على إدارة الأزمات. ولكن ما الذي يُعيق إجراء هذا الاستحقاق وأين الأحزاب من تأجيل ثانٍ للانتخابات؟
في جولة على أرقام البلديات في لبنان، يبلغ عدد المجالس البلدية 1,055 بلدية تضم أكثر من 12 ألف و484 عضواً، ومن هذه المجالس 944 مجلساً قائماً، ونحو 110 مجالس بلدية منحلة يدير أعمالها القائمقام أو المحافظ، بالإضافة إلى نحو 27 مجلساً بلدياً مستحدثاً بعد الانتخابات البلدية عام 2016. بالأرقام أيضاً، تُجرى الانتخابات البلدية على مدى 4 أسابيع بسبب تقسيم المحافظات اللبنانية، أمّا نظيرتها النيابية فيتم تنفيذها في يوم واحد.
وزير الداخلية مُصر... والحكومة؟
"نعم، هناك إمكان لتأجيل موعد الانتخابات البلدية". بهذا التصريح كشف وزير الإعلام في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية زياد مكاري عن "شبه" قرار سياسي بالتأجيل. فبعد جلسة الحكومة الأخيرة في 6 شباط (فبراير)، أعلن وزير الإعلام أنه "تم تأجيل البند المتعلّق بالاعتمادات المطلوبة لإجراء الانتخابات البلدية بكلفة 8 ملايين و900 ألف دولار".
في كل مناسبة أو اجتماع أو لقاء سياسي وصحافي، يؤكّد وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال بسّام مولوي إجراء الانتخابات في موعدها، مشدّداً على توافر الاستعدادات اللوجستية اللازمة لدى الوزارة لضمان إجراء هذا الاستحقاق الدستوري. ويضيف: "ولاية مجالس البلدية الحالية في كل لبنان تنتهي في 31 أيّار 2023، إلّا إذا صدر عن المجلس النيابي قانون بإرجائها وليس أنا من سيقترح التأجيل".
وفق مكاري، لم تتم مناقشة بند الانتخابات في مجلس الوزراء الذي كان مدرجاً على جدول الأعمال "بعدما رأى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أن الأولوية لانتخاب رئيس للجمهورية لا مجالس بلدية"، وأشار وزير الإعلام إلى أن "كل القوى السياسية ليست متحمّسة. فمشكلات الناس تكفيهم، بالإضافة إلى أن باستطاعة المجالس البلدية تصريف الأعمال".
.jpeg)
أمام هذا التخبّط الحكومي الواضح، يتمّ استرجاع تجربة الانتخابات البلدية عام 2016 عندما تمّ إجراء الاستحقاق في ظل الشغور الرئاسي ونجحت حكومة تمام سلام "الشرعية" في إجرائها. إلا أن المختلف اليوم، فهو الجوّ السياسي والدستوري مع حكومة نجيب ميقاتي "معاً للإنقاذ"، فهي حكومة تصريف أعمال ومطعون بميثاقيتها بسبب عدم تمكنّ الكتل في البرلمان من تشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات، ووسط رفض قوى سياسية على رأسها "التيار الوطنيّ الحرّ" تغطية اجتماعات حكومة ميقاتي وقراراتها، مع استمرار الانهيار الأكبر والمتسارع على كل الصعد مقارنة بالوضع السياسي والاقتصادي عام 2016.
التمويل... العائق الدائم
في القانون لا شيء يمنع تنظيم الانتخابات، لأن دعوة الهيئات الناخبة تتم بقرار من وزير الداخلية وليس بمرسوم. ومع هذا المسار، أكد مولوي جاهزية وزارته إدارياً للاستحقاق الدستوري. أمّا مالياً، فتعاني الدولة اللبنانية شبه إفلاس، اذ تعصف الإضرابات بمختلف القطاعات بسبب تدنّي أجور القطاع العام وسيطرة الشلل التام في المؤسسات الحكومية.
يُعوّل وزير الداخلية على تأمين تمويل خارجي، ففي حال تكفّل الاتحاد الأوروبي والجهات المانحة بتأمين النفقات المالية للانتخابات البلدية، فسيمكن إجراؤها في موعدها، وهذا ما أشار مولوي إليه الذي يسعى لإتمام هذه المحادثات، ويقول: "لا عقبة غير تأمين المال وهي أقل كلفة من الانتخابات النيابية".
ولفت رئيس لجنة الدفاع والداخلية والشؤون البلدية في البرلمان اللبناني النائب جهاد الصمد، بعد لقاء مع وزير الداخلية بشأن الانتخابات البلدية، إلى أن "ثمّة عوائق أساسية ما زالت تلوح في الأفق، خصوصاً لجهة تأمين المبلغ المطلوب الذي حدّدته الوزارة. فبحسب ما وصلنا من مؤشرات أن وزير المالية في حكومة تصريف الأعمال يوسف الخليل أبلغ من يعنيهم الأمر أن هذا المبلغ المخصّص للانتخابات غير متوافر في احتياط وزارة المالية حالياً".
يتخوّف خبراء قانونيون ودستوريون من أن يصل موعد الانتخابات من دون التمكّن من إجرائها والتمديد للمجالس البلدية، وعندها تُحلّ هذه المجالس وتتحوّل إلى تصريف الأعمال وتصبح تحت سلطة القائمقامين في كل لبنان.
.jpeg)
هل تطير الانتخابات من إشكاليّة جلسات مجلس النواب؟
الإشكالية القائمة اليوم في حالة الانتخابات البلدية بعد تأجيلها الأوّل هو الوضع السياسي والقانوني القائم في ظل الفراغ الرئاسي والحكومة المستقيلة، اذ تنقسم الآراء بين الكتل السياسية اللبنانية بشأن دستورية اجتماعات الحكومة وجلسات التشريع في مجلس النواب، ككتلة حزب "القوات اللبنانية" و"الكتائب اللبنانية" و"تكتّل التغيير" الرافضة لهذه الاجتماعات، باعتبار أن المجلس هو هيئة ناخبة حالياً ولا يجتمع سوى لانتخاب رئيس.
إن تأمين المال يحتاج إلى قرار من مجلس الوزراء لفتح اعتماد إضافي يخصّص لتمويل الانتخابات فينتقل بعدها إلى مجلس النواب لإقراره، إذا عقدت حكومة تصريف الأعمال جلسات أخرى. أما إذا اتُّخذ القرار بتأجيل الانتخابات فإن التمديد للمجالس البلدية يتطلّب اجتماعاً أيضاً لمجلس النواب تحت ما يُسمى جلسات "تشريع الضرورة" في ظل فراغ الموقع الأوّل في الجمهورية اللبنانية، وإلا تُحل كل المجالس البلدية. إذاً، مجلس النواب هو الحكم الوحيد.
في هذا السياق، لفت عضو كتلة "القوّات اللبنانية" النائب رازي الحاج إلى أن "حل معضلة تأمين الأموال المطلوبة لإجراء الانتخابات لا يكون بالضرورة عبر إقرار مجلس النواب هذه الاعتمادات، بل يمكن أن يأتي التمويل عبر قبول هبة أو مساعدة بمرسوم عادي".
واعتبر، في حديث الى "النهار العربي"، أن "الإدارة السياسية اللبنانية تجمع الحجج لفرض خيار جلسات تشريعية قبل الانتخابات الرئاسية. ولكن نحن كحزب سياسي لن نذهب إلى تشريع قبل انتخاب رئيس للجمهورية وفق ما ينص عليه الدستور"، مشيراً إلى أن "هذه الممارسات ليست عذراً لتأجيل الانتخابات، وهناك إمكان لإيجاد صيغة حل كما فعلوا في العديد من الملفات".
وأكد الحاج حرص رئيس الحزب سمير جعجع وتكتل "الجمهورية القويّة" على احترام المواعيد الدستورية، لا سيما الاستحقاقات الدستورية، مشدداً على "ضرورة إجراء الانتخابات البلدية في موعدها لأن المجالس البلدية حجر الزاوية، باعتبارها أول هيئة سياسية إدارية مستقلة مرتبطة مباشرة مع الناس".
ورأى عضو تكتل "الجمهورية القويّة" أن "الانتخابات البلدية هي المدخل لإعادة ضخّ الحياة المؤسساتية، ويعّول على دورها وعملها على الأرض في ظل الشلل الموجود في العديد من البلديّات"، مشيراً إلى أن حزب "القوات" يطالب جهات مانحة عدّة بمساعدة وزارة الدخلية مادياً ولوجستياً وتقنياً لإجراء هذه الانتخابات.
أمّا عضو كتلة "الكتائب اللبنانية" الياس حنكش فجدّد موقف الحزب الرافض لأي مشاركة تشريعية لمجلس النواب، مؤكداً أن "المجلس لا يستطيع القيام بأي خطوة سوى انتخاب رئيس. ونحن كحزب ضد أي جلسات تشريعية لأنّها غير قانونية، وأنا كنائب لا أشارك إلا في جلسة انتخاب رئيس جديد للجمهورية فقط".
وأكّد في حديث الى "النهار العربي" أن "حزب الكتائب ضد أي تأجيل للاستحقاقات الدستورية، لذلك نعمل على خلق توازن داخل المجلس النيابي بسبب رفضنا التأجيل وعدم احترام الدستور واستباحته".
وأشار إلى أن "كل ما يحصل أوصل البلد إلى أوضاعه الحالية بسبب هذه القرارات التي تفاقم الأزمات، بالإضافة إلى عدم التطرّق لها وإهمالها وفقاً لنظرية "مش وقتها حالياً". ولكن هذا الوضع غير مقبول ويجب عدم الاستمرار به"، وشدّد حنكش على أن "الحل لكل المشكلات هو انتخاب رئيس جديد للجمهورية وإنهاء الفراغ لكي ينتظم العمل في البلد"، رافضاً ابتداع "أفكار وخزعبلات دستورية واجتهادات" لا توصل لأي نتيجة.
وشدّد النائب التغييري ميشال دويهي على ضرورة إجراء الانتخابات البلدية في موعدها في أيار من دون اللجوء إلى مخالفة دستورية وعقد جلسة تشريعية في ظل الفراغ الرئاسي، مشيراً إلى أن "المشكلة الكامنة في ملف الانتخابات البلدية هي أنّها بحاجة لمجلس النواب إذا اتُّخذ قرار بتمديد ولاية المجالس البلدية أو إقرار الاعتمادات المخصّصة لإجرائها بسبب عدم موجود الأموال اللازمة لهذا الاستحقاق في موازنة 2022".
وإذا دعا رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري الى جلسة تشريعية ببند واحد هو فتح الاعتمادات المطلوبة لإجراء الانتخابات البلدية؟ أجاب نائب "قوى التغيير" بأن "الموقف المبدئي هو عدم المشاركة في أي جلسة تشريعية".
وتابع، في حديث الى "النهار العربي": "في الوقت نفسه، إن ملف الانتخابات يهم كل اللبنانيين، وهناك ضرورة لوجود مجالس بلديّة منتخبة من المواطنين مع وجود مئات المجالس المنحلّة ولا تجتمع، بالإضافة إلى عدم قدرة القائمقامين أو المحافظين على إدارة هذه المجالس وعدم صحّة التمديد لهذه لمجالس للمرّة الثانية. في هذه الحالة فقط، من الممكن دراسة قرار المشاركة في الجلسة مع المجموعات التغييرية والكتل النيابية الأخرى لأهميتها وارتباطها المباشر بشؤون المواطنين وحياتهم".
ولفت النائب التغييري إلى "وجود معضلة في هذا الاستحقاق وفقاً لما ورد في الدستور، بحسب المادة 75 التي تنص على أن المجلس النيابي في حال شغور موقع الرئاسة الأولى يلتئم فقط لانتخاب رئيس للجمهورية"، معتبراً أن "من الضروري الإسراع في الانتخابات الرئاسية لمواكبة كل الاستحقاقات على رأسها الانتخابات البلدية، لما تشكّله من أهمية قصوى على الصعيد الإنمائي وتواصلها المباشر على الأرض مع المواطنين".

عودة "مستقبلية" من بوابة الانتخابات البلدية؟
تتزامن الانتخابات البلدية هذا العام، في حال حصولها، مع تغيّرات جذرية على صعيد السياسة والاقتصاد والظروف الاجتماعية. في السياسة، يبرز عاملان أساسيان: ثورة 17 تشرين الأول (أكتوبر) و"القوى التغييرية" التي من المفترض أن تخوض هذه الانتخابات انعكاساً لما أفرزته الانتخابات النيابية الأخيرة من نتائج تُظهر بروز القوى الثورية وتصاعد الرأي المعارض على قاعدة "كلن يعني كلن". أما العامل الثاني فهو تعليق الطرف السني الأبرز في السياسة اللبنانية، وهو "تيار المستقبل" بزعامة رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، عمله السياسي، إذ لم يُشارك في الانتخابات النيابية عام 2018.
في 14 شباط (فبراير) عاد زعيم "المستقبل"، المعلّق عمله السياسي، سعد الحريري إلى بيروت لإحياء الذكرى الثامنة عشرة لاستشهاد والده الرئيس رفيق الحريري. وفي دردشة إعلامية، أكد الحريري أن "بيت الوسط سيبقى مفتوحاً. رجعت إلى الناس للعمل معهم، السياسة ليست كل شيء والأهم هم الناس"، متابعاً: "تركت السياسة إلا أنّني لم أترك ناسي". فهل هذا الكلام يؤشّر إلى عودة محتملة لـ"تيار المستقبل" عبر الانتخابات البلديّة؟
في قراءة لكلام الحريري، كشف النائب السابق في كتلة "تيار المستقبل" محمد الحجار عن إمكان مشاركة "المستقبل" في الانتخابات البلديّة في حال حصولها في أيار بهدف محدّد.
ولفت، في حديث الى "النهار العربي"، إلى أن "تيار المستقبل" لم يكن مع التمديد للمجالس البلديّة عام 2016 "بل كنّا مع حصول الانتخابات في موعدها. واليوم، يدور حديث التمديد مجدّداً للبلديات، إلا أنّنا على موقفنا المبدئي بضرورة إجراء هذه الانتخابات في موعدها الدستوري، خصوصاً في ظل الشلل الموجود والمشكلات في عدد كبير من البلديّات".
وتابع الحجار: "في هذا الوضع الصعب الذي يمر به لبنان، لا تمتلك البلديّات الإمكانات اللازمة للعمل ميدانياً، فالمساهمات المالية من الدولة أو القطاع الخاص لا تصلها إلا "بالقطّارة". إلا أن هذه البلديّات في رأينا تلعب دوراً أساسياً ومهماً على الصعيد التنمية المحليّة على كل الصعد، خصوصاً مع تعاون الهيئات الدولية والمنظّمات غير الحكومية مع المجالس البلديّة في المساهمة بتمويل مشاريع إنمائية. وهذا المسار التعاوني يجب أن يُستتبع بوجود أشخاص داخل المجالس البلديّة على قدر المسؤولية ولديهم الرؤية والإمكانات والثقة لكي يستطيعوا استثمار هذه المشاريع بمكانها الصحيح".
وأشار النائب السابق إلى أن "قرارنا ودورنا سيكون في هذا الاتّجاه والسعي إلى وجود أشخاص ذوي كفاءة في مواقعهم، غير طامحين لتسجيل حضور سياسي بالسيّطرة على البلديّات كتيّار سياسي كما كان يحصل في السنوات الماضية، لكن الهدف سيكون إنمائياً صرفاً، بخاصة مع غياب الدولة وتقاعسها".
يتأرجح ملف الانتخابات البلديّة بين الوضوح والغموض. الأزمات تتوالى والانسداد في الداخل اللبناني يتوسّع والحلول بعيدة. فهل ستخضع الانتخابات للتجاذبات أم تسلك مسارها الدستوري؟
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض