.... وبعد، وسط الانهيارات السياسية المتتالية والسوابق الدستورية في اختلاق "بدع استثنائية" لتصريف الاعمال، تتجه الأنظار اليوم الى قصر بعبدا ومسألة الاستشارات النيابية الملزمة لتسمية رئيس مكلف جديد للحكومة اللبنانية الموعودة، بعد استقالة حكومة الرئيس حسان دياب.
حتى الساعة، لا موعد رسمياً لتحديد الاستشارات، على الرغم من أن ثمة معلومات رجحت اجراءها الأربعاء المقبل، من دون أن تصدر حتى اللحظة المواعيد الرسمية، مما يعني أن هذه المعلومات تبقى في إطار الترجيحات.
إذ تلفت دوائر القصر الجمهوري الى أن "لا شيء رسمياً بعد".
عادة، وفور تبلّغ رئيس الجمهورية اللبناني باستقالة رئيس الحكومة، يدعو الأخير الى إصدار بيان يعلن فيه استقالة رئيس الحكومة ويعتبر فيه الحكومة بحكم حكومة تصريف أعمال، ويرفقه بالدعوة الى تحديد موعد لإجراء الاستشارات النيابية الملزمة.
وليس أمام رئيس الجمهورية قبول استقالة رئيس الحكومة أو رفضها، وليس أمامه أي مهلة لتحديد موعد الاستشارات. هذا ما نصّ عليه الدستور.
والدستور اللبناني نفسه لم يحدد، في نصوصه ومواده، مهلة لأنه قدّر أن تكون للمسؤولين حكمة ودراية، لكون أمر التأليف لا يحتمل المهل بل هو مسار فوري، وهذا ما كان يجري بالفعل في معظم التجارب اللبنانية السابقة.
وربما أيضاً، هذه هي نقاط الضعف في متن الدستور اللبناني، والذي أبقى على غموض في كثير من موادّه، مما يحمل الكثير من الاجتهادات والتفسيرات.
تجارب ومراحل
وفي التجارب اللبنانية الماضية، ثمة أكثر من تأخير بين استقالة حكومة لبنانية وتأليف أخرى جديدة. إذ بعد اتفاق الطائف عام 1990، يمكن حصر أبرز التجارب كالآتي:
عام 1992: بين استقالة الرئيس عمر كرامي وتكليف الرئيس رشيد الصلح مهلة 10 أيام.
أما في نيسان (أبريل) 2005، فقد كان للتأخير الطويل مبرر أو سبب. إذ في 19 نيسان (أبريل) 2005، تشكلت الحكومة اللبنانية الرقم 68 منذ الاستقلال وكانت الحكومة الخامسة التي تتشكل في عهد الرئيس إميل لحود. وقد تشكلت بعد 50 يوماً من استقالة الحكومة السابقة التي رأسها الرئيس عمر كرامي والتي أعلن استقالتها في 28 شباط (فبراير) 2005 وهو يلقي كلمته داخل البرلمان اللبناني.
يومها، كان ضغط الشارع اللبناني كبيرا، جارفا وصادما، لا سيما بعد الصدمة التي أحدثها استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط (فبراير) من العام نفسه.
بعدها... عاد كرامي واعتذر عن تشكيل حكومة جديدة بعد إعادة تكليفه من غالبية الكتل النيابية اللبنانية. رفض كرامي وأعيدت الاستشارات من جديد لتتشكل حكومة جديدة، بعد أكثر من شهر، من 14 وزيراً، برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي. وكانت حكومة من غير المرشحين للانتخابات النيابية.
أما عام 2011: فصلت بين استقالة وزراء "8 آذار" وتكليف الرئيس نجيب ميقاتي مهلة 13 يوماً.
... وأخيراً، وبين استقالة الرئيس سعد الحريري بعيد ثورة 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، وتسمية حسان دياب رئيساً لحكومة جديدة في كانون الأول (ديسمبر) 2019، نحو ثلاثة أشهر. إذ تشكلت حكومة دياب الجديدة في 20 كانون الثاني (يناير) 2020، لتصمد حوالى ثمانية أشهر، "فتنفجر" إثر انفجار مرفأ بيروت في 4 آب (أغسطس) الجاري.
واليوم، أي تجربة حكومية سيشهدها لبنان؟
ليست تجارب التأخير في عملية أو مسار تأليف الحكومات في لبنان بالجديدة، ويتفق أكثر من خبير دستوري على القول إن "لا مخالفة دستورية واضحة في تأخير الاستشارات النيابية الملزمة"، على الرغم من أن المادة 53 من الدستور تنص على أن "يسمي رئيس الجمهورية اللبناني رئيس الحكومة المكلف بالتشاور مع رئيس مجلس النواب استناداً الى استشارات نيابية ملزمة يطلعه رسمياً على نتائجها"، معنى ذلك أن لا مهلة زمنية، إنما ثمة صلاحيات واضحة أعطيت للنواب في شأن استشارات تسمية رئيس جديد للحكومة اللبنانية، وبالتالي أي تأخير في هذا الأمر يمكن اعتباره "تعدياً على صلاحيات النواب، أو مصادرة لهذه الصلاحيات".
وفي هذا السياق، ثمة خطوات أربع ينبغي اتباعها في مسار تأليف الحكومات اللبنانية:
الخطوة الأولى تنقسم الى ثلاثة محاور، وفق المادة 53 من الدستور، وهي: "يجري رئيس الجمهورية استشارات نيابية ملزمة. يودع النواب رئيس الجمهورية اسماء مرشحيهم لرئاسة الحكومة. يطلع رئيس الجمهورية رئيس مجلس النواب على نتائج الاستشارات، ويدعو رئيس الحكومة المكلف الى تشكيل الحكومة".
الخطوة الثانية حددتها المادة 64 من الدستور، بأن "يجري رئيس الحكومة المسمّى استشارات نيابية غير ملزمة في مجلس النواب، لتشكيل الحكومة".
الخطوة الثالثة، وفق المادة 53 ، "يعرض رئيس الحكومة المسمّى التشكيلة الحكومية على رئيس الجمهورية، فاذا وافق عليها الرئيس يوقعان معاً مرسوم تشكيل الحكومة".
الخطوة الرابعة بمرحلتين، وفق المادة 64 من الدستور. المرحلة الأولى، "تجتمع الحكومة وتؤلف لجنة لإعداد البيان الوزاري". المرحلة الثانية، "تمثل الحكومة أمام مجلس النواب لعرض بيانها الوزاري ونيلها الثقة".
أيضاً هنا، لا مهلة حددها الدستور لإلزام رئيس الحكومة المسمّى تأليف الحكومة، انما دائماً ثمة مهل معقولة تقديرية، وربما هي ما دفعت الى عدم الزام الرئيسين بأي مهل.
ووفق مؤسسة "جوستيسيا"، فإن المهلة المعقولة لدعوة رئيس الجمهورية اللبنانية الى استشارات نيابية هي يوم واحد! ويوم واحد ايضاً لرئيس الحكومة اللبناني المكلّف لإجراء استشاراته في مجلس النواب، ويوم واحد ليعرض تشكيلته الحكومية على رئيس الجمهورية.
بعد تأليف الحكومة، أمام اللجنة الوزارية مهلة 30 يوماً، لوضع بيانها الوزاري وعرضه أمام مجلس النواب اللبناني لنيل الثقة. وهذه المهلة حدّدها الدستور اللبناني بوضوح.
هكذا، إذا كان الدستور لم ينص على مهل إلزامية لتحديد الاستشارات، فإن ثمة مهلاً معقولة - تقديرية لا يجوز تجاوزها... وإلا، في الأمر أبعد من مخالفة، إنها طريقة تعاطي ونهج في إدارة الأزمات المتراكمة والكارثية!
نبض