23-08-2022 | 17:01

بين حكومة تصريف الأعمال والفراغ الرئاسي: لبنان أمام مرحلة مصيرية

تتجه الأنظار في لبنان الى الاستحقاق الأهم هذا العام والمتمثل بانتخاب رئيس جديد للجمهورية، لا سيما بعدما بات الجميع شبه مقتنع بعدم امكان تأليف حكومة جديدة نتيجة الخلافات السياسية.
بين حكومة تصريف الأعمال والفراغ الرئاسي: لبنان أمام مرحلة مصيرية
Smaller Bigger
تتجه الأنظار في لبنان الى الاستحقاق الأهم هذا العام والمتمثل بانتخاب رئيس جديد للجمهورية، لا سيما بعدما بات الجميع شبه مقتنع بعدم إمكان تأليف حكومة جديدة نتيجة الخلافات السياسية. من هنا بات الخوف الأساس من الدخول في مرحلة الفراغ الرئاسي بعد انتهاء ولاية الرئيس الحالي ميشال عون في شهر تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، على غرار ما حصل في الانتخابات السابقة بحيث أن حكومة تصريف الأعمال هي التي تتولى عندها ادارة البلاد في هذه المرحلة.

لكن المشكلة تكمن في لبنان بأن الدستور يقيد عمل حكومة تصريف الأعمال قاصراً مهامها على الأمور والقضايا الأساسية في البلد، وهو الأمر الذي تختلف حوله الآراء الدستورية، بين من يرى أن صلاحيات الرئيس في حال الفراغ تنتقل كما هي الى مجلس الوزراء مجتمعاً، ومن يرى أن هذا الأمر يبقى مقيداً اذا كانت هناك حكومة تصريف أعمال وليس حكومة كاملة الصلاحيات.

انطلاقاً من هذا الواقع تتكثف الدعوات الى ضرورة الإسراع بإجراء الانتخابات الرئاسية وعدم إدخال لبنان في فراغ من شأنه أن ينعكس سلباً على كل البلاد وعلى أمور اللبنانيين المعيشية والحياتية، إذا بقي لبنان في ظل حكومة تصريف أعمال لا تجتمع إلا للبحث في قضايا مهمة وأساسية.

وفي هذا الإطار يؤكد الوزير السابق، ونقيب محامي الشمال السابق، رشيد درباس أنه إذا حدث فراغ رئاسي ولم يتم انتخاب رئيس للجمهورية في الموعد المحدد فعندها صلاحيات رئاسة الجمهورية تنتقل الى مجلس الوزراء مجتمعاً ولا فرق هنا اذا كانت حكومة كاملة الصلاحيات أو حكومة تصريف أعمال بحيث أن الدستور لم ينص على الفراغ ولم يتطرق الى هذا الاختلاف.

ويذكر درباس في حديث الى "النهار العربي" بالمادة الدستورية التي تنص على هذا الأمر، بالقول: "المادة 62 من الدستور تنص على أنه في حال خلو سدة الرئاسة لأي علّة كانت تناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالة بمجلس الوزراء مجتمعاً"، مشيراً الى أن تقييد عمل الحكومة وتحديد مهامها يرتبطان فقط بصلاحيات الحكومة إذا تحولت الى تصريف الأعمال ولا علاقة له بصلاحيات الرئاسة التي تنتقل الى مجلس الوزراء مجتمعاً.
 
ويشير الخبير القانوني ونقيب المحامين ووزير الإعلام الأسبق رمزي جريج الى أن المادة 62 من الدستور تنيط صلاحيات رئيس الجمهورية "بمؤسسة" مجلس الوزراء، كهيئة دستورية، بمعزل عن الصلاحيات العائدة لها. ذلك يبقى نفسُه، سيّان أكان مجلس الوزراء متمتعاً بكامل صلاحياته أم كان في وضعية تصريف الأعمال. وأي تفسير مخالف يؤدي إلى ترجيح كفةِ الفراغ على تفعيل المؤسسات وتأمين استمرارها.

ويقول لـ"النهار العربي": "ثمة حجة إضافية تتمثل بحالة خلوّ سدة الرئاسة عند الوفاة أو الاستقالة، حيث يحلّ الفراغ فوراً فيها. فإذا صدف أن كانت الحكومة مستقيلة وأخذنا بنظرية عدم انتقال صلاحيات رئيس الجمهورية إليها، نكون قد وسّعْنا مدى الفراغ ليصبح تعطيلاً كاملاً، بل شللاً معوِّقاً لمجرى الحياةِ الدستوريةِ".

 ويضيف: "مفهوم تصريف الأعمال تطور في القانون الإداري، حتى استقرَّ العلمُ والاجتهادُ على "أن الضرورات تبيح المحظورات"، وأن بإمكان مجلس الوزراء الذي يصرِّف الأعمال وأن يجتمع استثنائيّاً في حالة العجلة (كإقرار الموازنة مثلاً) أو عند الضرورة. وأيُّ ضرورة أكثر إلحاحاً من خلو سدة الرئاسة؟ فإنّها تبرر اجتماعَ مجلس الوزراء وتوليه وكالة عن رئيس الجمهورية الصلاحيات اللازمة لتسيير شؤون البلاد، حتى ليصحّ القول، إن حالة الضرورة الناتجة من خلوّ سدة الرئاسة، تعيد إلى الحكومة المستقيلة كامل صلاحياتها، وتبرر لها، تلافياً للفراغ، أن تعقد جلساتها وتتخذ القرارات الضرورية لتسيير أعمال الدولة.

ويلفت الى أن ثمة قوانين يلحظ النص فيها أن الأشخاص المنتخبين أو المعيّنين في بعض المؤسسات والمواقع الدستورية أو الإدارية يستمرون في وظائفهم حتى حلول خلفائهم محلَّهم. (المادة 4 من القانون الرقم 243 تاريخ 2/8/2000 المتعلق بالنظام الداخلي للمجلس الدستوري). أما غياب أي نص دستوري مماثل فيدفع إلى الاستنتاج بالحجة المعاكسة، أنه لا يجوز تحت أي ذريعة لرئيس الجمهورية أن يستمر في مركزه بعد انتهاء ولايته، خصوصاً أن نص المادة 49 من الدستور يقول صراحة إن الولاية الرئاسية "تدوم ستَّ سنوات"، ثم يسكت عن ذكر إمكان استمرار الرئيس في موقعه حتى انتخاب خلف له.

ويخلص الى أن الفراغ الرئاسي الذي يهوِّل به فريق من السياسيين، في حال عدم انتخاب رئيس للجمهورية أو في حال عدم تأليف حكومة جديدة، هو فراغ مستحيل. فمجلس الوزراء يتولى صلاحيات الرئيس عند الشغور وكالةً، من دون أي تمييز بين حالتي الحكومة المكتملة الصلاحيات والحكومة المستقيلة. ويبقى في كلِّ حال على النواب أن يجنّبوا الوطن كلَّ هذه الاحتمالات بإتمام الاستحقاق الرئاسيِّ في أوانه، درءاً للفراغ الذي ليس أسوأَ منه إلا المماحكاتُ السياسية التي ترتدي ثوب النقاش الدستوري.
 
في المقابل، لرئيس مؤسسة "جوستيسيا" الخبير القانوني الدكتور بول مرقص رأي أكثر تفصيلاً، اذ يشير إلى أنه في حال خلو سدة الرئاسة لأيّ علّة كانت تؤول صلاحيات الرئيس الى مجلس الوزراء وكالةً وفق المادة 62 من الدستور سواء أكانت الحكومة من قبيل تصريف الأعمال أم حكومة مزاولة أصيلة لا فرق إلا بقدر تصريف الأعمال".

لكنه يوضح الى "النهار العربي" أن "تصريف الأعمال أساساً هو بالمعنى الضيّق وفق ما نصّ عليه الدستور بعد اتفاق الطائف، فكيف بالحري إن كانت حكومة تصريف أعمال، فإن هامش تحرّكها يكون أضيق، وبالتالي فإنها تمارس صلاحيات الرئيس بالحدود الدنيا اللاّزمة ليس أكثر".

ويتابع: "إلا أن ما يؤدّي الى التوسّع قليلاً في هذا الهامش المسمّى "المعنى الضيّق لتصريف الأعمال" هو أن فترة تصريف الأعمال إذا طالت فإنها تؤدي الى التوسّع قليلاً في حدود تصريف الأعمال كما أن تسمية رئيس الحكومة نفسه الذي يرأس حكومة تصريف أعمال كرئيس حكومة مكلّف من جديد من شأنها أن تبعث قليلاً من الحياة في مسيرة حكومة تصريف الأعمال على اعتبار أنه هو نفسه الذي يفترض أن يشكّل الحكومة الجديدة".

ويؤكد مرقص "إن الفراغ تربأ منه النصوص التي نظّمت عملية انتقال صلاحيات رئيس الجمهورية الى الحكومة بمقتضى المادة 62 من الدستور، لكن أيضاً وخصوصاً أن الدستور نفسه ضمن آلية انتخاب رئيس جمهورية دونما تقاعس من قبل النواب بمقتضى 4 مواد على الأقل من الدستور التي تُلزم المجلس النيابي بالانعقاد حكماً لانتخاب الرئيس فلا يحول دون ذلك سوى تراجع الأخلاقيات السياسيّة الى أدنى حدّ".

وبانتظار ما ستحمله الأيام والأسابيع المقبلة على صعيد استحقاق انتخابات رئاسة الجمهورية تتكثف الدعوات الى ضرورة إجرائها في موعدها كما يدعو قياديون في المعارضة الى أهمية الاتفاق على مرشح للرئاسة في مواجهة مرشح "حزب الله" وحلفائه.

ويشكل البطريرك الماروني بشارة الراعي رأس حربة في الإصرار على ضرورة عدم التأخر بانتخاب رئيس للجمهورية، لا سيما أنه يشكل المرجعية الدينية للطائفة المارونية التي يفترض أن ينتمي اليها الرئيس في لبنان. وهذا الأمر يتحدث عنه في عظاته حيث يعرب الراعي عن تخوفه من "أن عجز القوى السياسية عن تشكيل حكومة، فإنها ستعجز بالتالي غداً عن انتخاب رئيس جديد للجمهورية. ويكون السقوط العظيم".
 
وتنتهي ولاية الرئيس اللبناني الحالي ميشال عون في 31 تشرين الأول (أكتوبر) على أن يتحول البرلمان اللبناني الى هيئة ناخبة في 31 آب (اغسطس) الجاري، وفي انعقاد مستمر لانتخاب رئيس جديد قبل موعد انتهاء الرئيس الحالي.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية