لم تكن تمر ذكرى استقلال لبنان في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) على مدرستنا إلا باحتفال ضخم، موسيقى، تزيين، شعارات، حضور رسمي والأعلام اللبنانية في كل زاوية وعلى رؤوسنا. حوادث تجعل منك إنساناً وطنياً بقدر ما كنت تفهم معنى الاستقلال. والذي يزيد وطنيتك، كان كتاب التاريخ والصورة بالأبيض والأسود لقلعة الاستقلال في راشيا (محافظة البقاع)، ورجال دولة اعتُقلوا دفاعاً عن وطنهم.
بين الأمس واليوم، تبدّلت الاحتفالات، تبدّلت الشعارات بشعارات، والعلم اللبناني المُنكّس على قصر الرئاسة اللبنانية في منطقة بعبدا انعكاس لواقع البلد. والزمن بهذه الظروف، زمن أسود لا أبيض فيه. والمفارقة المؤسفة، انقلبت المعادلة من شعب ومسؤولين طالبوا الانتداب الفرنسي عام 1943 بالاستقلال حتى الاعتقال، إلى شعب طلب الانتداب مجدّداً، مستنجداً برئيس دولة فرنسا يوم تفجّرت العاصمة بيروت في 4 آب (أغسطس) عام 2020، لعلّه يكون المحاولة الأخيرة.
لبنان اليوم على أبواب استقلاله الـ79. فراغ رئاسي دخل حيّز التنفيذ في 31 تشرين الأول (أكتوبر) 2022 مع خروج الرئيس السابق ميشال عون من "قصر الشعب" بعد 6 سنوات كانت من الأصعب على الشعب اللبناني. لا مجال لتقييم هذه السنوات بتفاصيلها وما سبقها، إلا أن التاريخ وحده سيُنصف. والحل، برأي الكثيرين، رئيس "قوي" آخر لكن بآلية عمل مختلفة و"طينة" مختلفة!
مع عقد النواب جلساتهم لانتخاب الرئيس، تتبدّد الآمال شيئاً فشيئاً بأن يتصاعد الدخان الأبيض من قبة هذا البرلمان المتشرذم. اتّهامات وشعارات. نصاب وتطيير نصاب. هيمنة وسيطرة. تصويت و"زكزكة". فريقان يراهنان على التنازل لبعضهما البعض: سلاح "حزب الله" مع فريقه يفرض الشروط ويحدّد المسار، وفريق "سلمي" يراهن على مرشّحه لأنه "متجدّد". لا لزوم الدخول بالأسماء والترشيحات فالطبخة لم تنضج بعد ولن تنضج، على ما يبدو، في المدى القريب.
في الأمس، كانت صورة استقلال 1943 بالرغم من عدم وضوحها على صعيد التصوير، إلّا أنها كانت صلبة على صعيد التنفيذ، وبرهنت أن متى كان رجال الدولة على قدر المسؤولية والتضامن وعلى الطريقة اللبنانية "الكتف عالكتف"، تكون النتائج بالحد الأدنى مُرضية ومؤسسة لحقبة يسيطر عليها الأمل والإيجابية.
يمكن لكثيرين اعتبار أن استقلال لبنان كان مبكراً ومتسرّعاً، والبعض الآخر يعتبر هذه النظرية مؤامرة وعمالة. إلا أنه بعد كل سنوات الأزمات السابقة والحالية والقادمة، يمكن الاستنتاج بضمير صافٍ أن الشعب اللبناني، بقيادة حكّامه، لم يعرفوا يوماً أن يبنوا وطناً. وللتوضيح أكثر، إن معظم المسؤولين الذي استلموا مركز القيادة لم يريدوا أن يبنوا هذا الوطن. اتّهام أم استنتاج؟ هو واقع تترجمه أحوال اللبنانيين ومعاناتهم اليومية من لقمة خبزهم إلى جواز سفرهم!
كثيرون راهنوا على الانتخابات التي جرت في 15 أيار (مايو) الماضي باعتبارها التغيير المنشود الذي طال انتظاره. ولكن الواقع عكس الصورة كلياً ببرلمان مركّب ومجموعات أقلية لا يجمعها لا الفكر ولا الرؤية السياسية. على ضوء هذه النتيجة، أعاد كثيرون تجديد رهانهم على الانتخابات الرئاسية لتغيير منشود أيضاً طال انتظاره. إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه: ما هو هذا التغيير المنشود، من يحدّده وينفّذه؟ رئيس وبرلمان جديد؟ سطوة سلاح تعايش معها أركان السلطة وأعلنوا في الوقت نفسه مواجهتها؟
من هنا، إن الاستقلال الذي نحتفل به كل يوم 22 تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام هو عيد مُنتقَص ومُحتلّ وخاضع لسيطرة رجال دولة منهارة يلهون شعبهم في أزمات تُثقل الهموم وتزيد المعاناة، بالإضافة إلى حكم الأمر الواقع المتجسّد بواقع ميليشيوي يحضّر ربّما، لاستقلال جديد!
ما يريده لبنان قبل كل شيء هو الاستقلال الفعلي والتام قبل أي استحقاق دستوري آخر. استقلال تام وأبدي لوطن بلغ عامه المئة وبالكاد يتنفّس. ستنهال التهاني والشعارات يوم العيد وتكثر الوعود والتمنيات. فبأي استقلال نحتفل ومن نُهنئ؟
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض