ينتقل لبنان قريباً إلى مرحلة جديدة قد تكون واعدة رغم ظروفه الصعبة في ظل استمرار الشغور الرئاسي منذ 31 تشرين الأول (أكتوبر) واستفحال الأزمة الاقتصادية وتزايد معاناة الشعب اللبناني. بصيص الأمل يكمن في بحره، في "الذهب الأسود" الواعد، وذلك بعد اتّفاق تاريخي بين لبنان وإسرائيل بشأن ترسيم الحدود البحرية بوساطة أميركية في 27 تشرين الأول (أكتوبر) 2022، مهّد الطريق للشركات لدخول المياه اللبنانية والاستثمار فيها.
أمام هذه المرحلة ومتطلّباتها، يحتاج لبنان المُنهك إلى خارطة طريق واضحة المعالم تمكّنه من تحضير أرضيّة قويّة لإتمام هذا الحلم بطريقة سلميّة وبعيدة عن التوتّرات والمشاكل، خاصّة الأمنية. وبدأت المبادرات في هذا التوقيت المهم قبل أشهر على بدء التنفيذ الفعلي لعمليات التنقيب ورحلة الاستكشاف.
ولهذا السبب، ينعقد في فندق هيلتون بيروت ميتروبوليتان بالاس في بالعاصمة اللبنانية يومَي 30 و31 أيار (مايو)، مؤتمر برعاية قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون، يجمع الشركات النفطية وخبراء دوليين والجهّات اللبنانية المعنيّة بالتنقيب عن النفط والغاز وقوّات حفظ السلام جنوب لبنان "اليونيفيل" بمشاركة ضبّاط من الوحدة البحرية وشركات أمنية.
هو مؤتمر من تنظيم الجيش اللبناني وشركة "سيغما" المختصّة بتنظيم المؤتمرات العسكرية والأمنية. يشكّل هذا الحدث مناسبة تجمع كل الشركاء والجهّات الذين لديهم دور مباشر وغير مباشر في تأمين سلامة منشآت النفط والغاز وأمنها في البحر، حيث ستبدأ عملية التنقيب التجريبية في شهر أيلول (سبتمبر)، وفق ما أعلن وزير الطاقة اللبناني في حكومة تصريف الأعمال وليد فياض من دبي في تصريحات له خلال جلسة نقاش في "المؤتمر العالمي للمرافق" الأسبوع الماضي، مشيراً إلى أن المعلومات تظهر أن حقل الطاقة المزمع البدء باستكشافه "واعد جداً".

أولويّة المؤتمر... وتوقيته
وأوضح المدير التنفيذي لشركة "سيغما" رياض قهوجي، في حديث لـ"النهار العربي"، أن "مؤتمر بيروت يشكّل منصّة لتوضح الدولة اللبنانية، ممثّلة بالمؤسسة العسكرية، معطياتها وجاهزيتها أمنياً أمام هذا الاستحقاق حيث أن الجيش مطالب بحماية عملية التنقيب في وقت قدرات المؤسسة العسكرية محدودة. فالدولة اللبنانية هي المسؤولة المباشرة لأن عملية الحفر ستجري قانونياً خارج أراضيها لكن في منطقتها الاقتصادية، وثمة نقص في إدراك المسؤولية الملقاة على عاتق الدولة في هذا الشأن".
ورأى أنّ "توقيت المؤتمر مهم قبل 3 أشهر من وصول السفينة الأميركية إلى المياه اللبنانية وبدء الحفر، إذ يتعيّن طرح مبادرات فعلية أمام الدول المستفيدة والمساهمة، والمجتمع الدولي. فيكون لبنان مع شركائه أمام صورة واضحة لمسار هذه العملية بتفاصيلها".
في كانون الثاني (يناير) الماضي، وقّعت شركات "قطر للطاقة"، "توتال إينرجيز" و"إيني" اتفاقاً للاستكشاف والتنقيب عن النفط والغاز في البلوكين اللبنانيين 4 و9. ووزّع الاتفاق الحصص بين الجهات الثلاث على الشكل التالي: "قطر للطاقة" 30%، 35% لشركة "توتال إينرجيز" و35% حصة "إيني". وكانت شركة "توتال" أنهت أول بئر استكشافي تم حفره على الإطلاق في المياه اللبنانية العميقة في البلوك رقم 4 في أوائل عام 2020.

ماذا عن الإمكانيات؟
وذكر قهوجي أن "منصّة التنقيب تحتاج لحماية بحدود 500 متر حولها ويُمنع دخول أي شخص إلى هذه المساحة الحسّاسة".
تجربة لبنان ستكون في البلوك رقم 9 جنوب لبنان، الموجود في المياه الاقتصادية اللبنانية. سيفتح نجاح الخطوة الأولى الباب واسعاً أمام بلوكات أخرى إذ يبلغ عددها 10 ممتدّة قبالة الساحل اللبناني. وكان لبنان قد أطلق دورة تراخيص ثانية تنتهي في حزيران (يونيو) 2023 من أجل استدراج عروض التنقيب عن الغاز والنفط في البلوكات الثمانية المتبقية.
وتابع: "في مهمّاتها الروتينية، تعمل زوارق الجيش 12 ميلاً بحرياً فقط على طول الحدود اللبنانية المائية إلا أن عملية التنقيب الشاقّة وسط البحر في المياه العميقة، تحتاج إلى مراكب نقل مخصّصة وبوزن معيّن للتعامل مع الأمواج العالية لتأمين حماية دائمة ليلاً ونهاراً للمنصّات".
وأردف: "بالإضافة إلى البحر، يجب أن يكون لدى الجيش استعدادات جويّة كطائرات هليكويتر مجهّزة لعمليات الإنقاذ والبحث تفادياً للحوادث أو الحرائق، أنظمة اتّصال، قيادة مركزية متمكّنة وقويّة لمراقبة الحركة على هذه المنصّات وتحديد الأشخاص المخوّلين الدخول إليها. وبالتالي، تشكّل الحماية من القوّات المسلّحة أولوية قصوى بالتزامن مع عمليات الحفر. إذاً، وأمام دخول لبنان هذا المسار، تحتاج المرحلة لمجموعة تشريعات وخطط تنسيقية بين أجهزة الدولة كافّة لنجاح عملية التنقيب".
ولفت إلى أن "المؤتمر يحدّد التحديّات المحتملة جوّاً وبرّاً وتحت البحر بسبب مخاطر فعليّة تشكّها الطائرات المسيّرة تحت البحر وإمكانية حملها متفجّرات. لذلك من الضروري على المسؤولين اللبنانيين في الدولة تمكين الجهّات الأمنية من رصد كل حركة، بريّة كانت، أو جويّة أو بحريةّ، للتعامل مع أي تهديد أو عمل إرهابي وتوفير الحماية اللازمة".
"إن هدف المؤتمر هو تسليط الضوء على هذه التفاصيل والخروج بتوصيات للجيش، تستفيد بدورها منها الدول المانحة والدولة التي تنتمي إليها الشركات النفطية، لفهم حاجات الدولة اللبنانية وجيشها. ومن جهة أخرى، سيكون هذا المؤتمر فرصة لتحدّد الشركات توقّعاتها لعمل الدولة اللبنانية بالتزامن مع عملية التنقيب، بالإضافة إلى العمل داخل دولها مع حكوماتها لتقديم المساعدة الضرورية للبنان وبناء علاقة بين الشركات مع المؤسسات الأمنية اللبنانية"، وفق قهوجي.
في المؤتمر، سيتحدّث الجيش والخبراء بدقّة عن كل هذه الحاجات. ومع كل المشاكل التي يمر بها لبنان وانعكاسها على المؤسسات الأمنية، لا يدّعي الجيش أنه يملك كل القدرات الأمنية المطلوبة لحماية عمليات التنقيب.
وفق المعلومات، أُبلغت شركة "توتال" أن الجيش يؤمّن حماية ضمن قدراته، وهو غير قادر على تأمين حماية كاملة بسبب إمكانياته المحدودة.
وتشير التقديرات الأوليّة والمسوحات الزلزالية الثنائية والثلاثية الأبعاد التي أجريت خلال 20 سنة من قبل وزارة الطاقة اللبنانية إلى احتمال وجود نحو 30 تريليون قدم مكعّب من الغاز و660 مليون برميل من النفط السائل، أي ما يوازي 600 مليار دولار من عائدات الغاز و450 مليار دولار من عائدات النفط.

مصلحة "حزب الله"
في كل هذه العملية التي انطلقت وترسّخت منذ توقيع اتّفاق ترسيم الحدود، تتّجه الأنظار إلى "حزب الله" وتصرّفاته في ظل التطوّرات الإقليمية الحسّاسة من فلسطين إلى اتّفاق بكين بين إيران والسعودية.
في السياق، رأى قهوجي "أن لا مصلحة لـ"حزب الله" في "تعكير الجو" وخلق بلبلة بالتزامن مع عملية الحفر. أولاً، إنّ هذا الحزب اللبناني يشكّل طرفاً أساسياً من المنظومة الحاكمة في التركيبة اللبنانية. ومن جهة ثانية، إن قطاع النفط سيخلق فرص عمل للشباب اللبناني بمجالات عدّة في الحفر والتخزين والتصدير، وبالطبع ستكون بيئة الحزب أحد الأطراف المستفيدة".
وعقد وزير العمل اللبناني في حكومة تصريف الأعمال مصطفى بيرم، ممثلاً "حزب الله" في حكومة نجيب ميقاتي، اجتماعاً مع المدير التنفيذي لشركة "توتال" باتريك بويانيه في 11 آذار (مارس) وطالبه بتنفيذ البند الموجود في اتّفاقية الحفر الذي ينص على أن "80% من اليد العاملة يجب أن تكون لبنانية"، مشيراً إلى أنه "شدّد باسم الدولة اللبنانية والشعب، في الاجتماع الذي عُقد في جنيف منذ شهرين مع وزير الطاقة الفرنسي على أن الأولوية هي للعمّال اللبنانيين".
ها هو لبنان على مشارف مرحلة دقيقة والمطلوب الوعي والإدراك لمستلزمات هذا المسار. سيكون هذا المؤتمر انطلاقة ونقطة ارتكاز لتوضيح إمكانيات الدولة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية. فهل يكون لبنان على قدر المسؤولية؟
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض