ابتسامتكم في وجهي أهم من مالكم في جيبي... هذه الجملة دائماً ما يقولها البائع المتجول حسن قطيش الذي اختار صب القهوة مهنة لكسب مصروفه اليومي وإعالة والده المقعد. فبالرغم من كل معاناة حسن وتعبه وخوفه، إلا أن ابتسامة الناس وكلامهم يمدّانه بالطاقة الإيجابية، فهو لا يقدم القهوة فحسب، بل يقدم نفسه أيضاً كصديق ومستمع لهموم الناس.
يتجول حسن بقميص كتب عليه "أنا لبناني الشغل مش عيب" متقصداً إظهار هذه العبارة لما يعانيه بعض الشباب نتيجة تدهور سعر العملة اللبنانية، محاولاً إثبات أن البائع المتجول لا يقوم بعمل شرعي، على عكس الذين يقومون بأمور غير شرعية مثل بيع المخدرات، السرقة أو الاحتيال تحت مسمى "الطرابيش". وأضاف قائلاً: أحاول تشجيع شبابنا على العمل بأي وسيلة وبأي طريقة يمكن الاسترزاق منها، وهذا لن يقلل من شأنهم".

يشارك حسن أصدقاءه على صفحته الخاصة عبر "فايسبوك" خواطره ويومياته التي يعبر فيها عن أحزانه وخيباته في الحياة. فكل من يرى ابتسامته يشعر وكأنه لا يحمل أي هم أو حزن، ليقول البعض له: "أنت تعيش مئة سنة وكأن لا هموم لك"، لكن كل ما يفعله حسن هو إقناع الناس بأنه بخير، فطبطبته وإنصاته لهم وحركاته البهلوانية للصغار دائماً ما تنجح في رسم ابتسامة على وجوه الناس ليكمل "أحاول أن أقنع الناس بأن هناك فسحة أمل رغم أني افتقده".
ما لا يعلمه البعض أن خلف هذا الفنجان قصصاً ومواقف تؤلم حسن، وأسوأها حين يمر أحد أقربائه متجاهلاً وجوده فقط لأنه بائع قهوة متجول، لكن ما يبقيه هادئاً هو الالتفاف الشعبي والدعم الدائم من أصدقاء الكورنيش الذين ينتظرونه بدلاً من تجاهله.
بيع القهوة كانت فكرة أحد أصدقاء حسن، ففنجاناً واحداً كفيل بأن يغيّر المزاج، فمع كل رشفة قهوة قصة أو ربما غصة، وزوايا البن العالقة في الفنجان قد تروي حكايا وتكشف أسراراً...
حين سألنا حسن عن أحلامه وما يريد أن يحققه أخذ وقتاً ليجيب، خاصة أنه على مدى 29 سنة لم يسأله أحد هذا السؤال، فأحلامه هي عبارة عن حقوق باتت أحلاماً مثل امتلاكه بيتاً ومحلاً صغيراً، وأن يتزوج من فتاة يحبها، ويعيش دون الاعتماد على أحد. ويكمل: "أكبر حلم لدي اليوم هو شراء بضاعة لعله يفي ديونه المتراكمة".

لا نعلم إن كانت أحلام حسن ستتحقق يوماً ما، فهو اليوم يلعب مع قوى الأمن لعبة القط والفأر، خاصة أنه عام 2017 صدر قرار من محافظ مدينة بيروت في حينه القاضي زياد شبيب بمنع الباعة المتجولين في مدينة بيروت وإلغاء جميع التراخيص المعطاة سابقاً، عملا بتوجيهات وزير الداخلية والبلديات حسب ما نشر على مواقع الإعلام.
وفي اتصال مع زياد شبيب، قال إن "هذا القرار وضعته وزارة الداخلية في السابق نتيجة الأوضاع الأمنية في وقتها"، مضيفاً: "قمنا باستثناءات عدة في وقتها مثل قصة جواد بائع الكعك الذي منح رخصة ليستطيع أن يكمل حياته دون خوف وإعالة أسرته".
بدوره، قال محافظ بيروت مروان عبود فقال إن القرار لا يزال سارياً، لكن بحكم الأوضاع الاقتصادية نتغاضى عن الأمر قليلاً بما أنها مهنة يسترزق منها الكثيرون، وتغيير هذا القرار يحتاج إلى قرار وزاري جديد.
نبض