وحدها "الغصّة" تجمع بين أهالي الضحايا... ولا ينسون
بين الناجي الوحيد من داخل مرفأ بيروت محمد الدقدوقي، والشاب أحمد قعدان "وحيد أمه" الذي أطفأ الفرح في عينيها، قبل أن يغادر على غفلة، تقف الممرضة باميلا زينون للاحتفاء بمواليد جدد إنما لتؤكد أن الحياة لا بد أن تستمر برغم الوجع الجاثم في النفوس، مثل الوباء الذي يسرق الهواء من ضحاياه.
لقد مضى عام على الفاجعة. وحدها "الغصة" تجمع بين أهالي الضحايا، ليس لغياب الأحبة فحسب، بل لأن الجناة ما زالوا طلقاء، وما زالت الدماء تغطي سيارة أحمد المركونة في شارع مزدحم في الطريق الجديدة في العاصمة اللبنانية بيروت.

ومن هناك يبدأ صباح أم أحمد، من حيث تشير إلى ما تبقى من السيارة التي باتت أشبه بقطعة خردة، ولم يفلح "الشادر" الذي يغطيها في إخفاء معالم الجريمة التي خطفت نحو 214 ضحية وأدمت أكثر من 6500، مشلعة نوافذ وأبواب 9 آلاف مبنى.
وإن كان بالإمكان ترميم الحجر وإخفاء معالم دمار، تخبر دموع أم أحمد عن وجع الفقدان الذي لا دواء له، فالشهر الذي خطف حياة ابنها شهد ولادته كذلك. تحكي: "غادرنا قبل أيام من عيد مولده الـ30". ولسخرية القدر أنه كان متوجهاً بسيارة الأجرة خاصته لشراء قالب حلوى لزبون اتصل به.

تضيف أم أحمد: "درس ابني إدارة الأعمال في جامعة خاصة. أنفق والده جنى سنوات طويلة من الخدمة في دار الأيتام لقاء شهادة تخول أحمد العيش بكرامة وأمان. ولأن الأحوال متعثرة في بلد ينغل فيه سوس السياسة، وضع شهادته جانباً واشتغل سائق أجرة. كان المعيل الرئيسي لنا ولشقيقاته الثلاث".
في يوم الانفجار، وبعد الدوي الهائل الذي بدل في معالم العاصمة، اتصل والده للاطمئنان، ليأتي الرد من عابر سبيل: "ابنك ينزف كثيراً. لقد سقط قرميد أحد المباني على سيارته". أسرع أبو أحمد لإنقاذه بعدما تعرف إليه من ملابسه، إذ غطت الدماء معالم وجهه. نقله على يديه من مستشفى إلى آخر، في محيط الانفجار بعد تعذر وجود سيارة إسعاف شاغرة. لكن قدره أن يفارق الحياة قبيل دخوله غرفة الإنعاش بدقائق".
وبقدر الحزن الذي خلّفه رحيل "أحمدتو" - كما اعتادت أن تناديه - فإنها ساخطة على السياسيين الذين باستهتارهم قتلوا وحيدها قبيل تقدمه لخطبة فتاة بأيام. تقول: "من الأيام الأولى التي أعقبت الانفجار، قلت للصحافيين إن الدولة قتلت أولادنا، وإنها ستفعل المستحيل من أجل عدم رفع الحصانة عن المتورطين. وأقولها ثانية: كل متورط في الدماء لا يجرؤ على مواجهة المحققين".
في 23 آب (أغسطس) الفائت، كان من المقرر أن يتوجه أحمد الى السفارة الكندية من أجل استكمال أوراق الهجرة، تقول: "شارك بداية في الثورة، وكان متحمساً لفكرة أن ينتفض الشعب على الفساد والفاسدين، لكنه بعد ذلك وجد في الهجرة فسحة أمان بدلاً من ساعات العمل الطويلة في الشوارع. أرهق الشاب وبقي ثائراً إلى أن أخمد انفجار الرابع من آب الشعلة في عينيه".
وماذا تبقى؟ تجيب أم أحمد: "لطالما أوصانا في حياته الاهتمام بسيارته. كان يقول هي مورد رزقي الوحيد. وبعد أشهر من رحليه أتاني في المنام معاتباً. لماذا لا تهتمون بالسيارة وقد غطاها الغبار؟".
وتختم: "كل ما كان يحبه بتنا نتجنبه من أجل أن لا نبكي. لقد جفت دموعنا من كل شاردة وواردة تذكرنا به. الكفتة المشوية، سيارته، ملابسه..".
قمح نبت في أذنه
بسخرية يبادر الناجي الوحيد من داخل عنابر المرفأ محمد الدقدوقي، مستهلاً ذكرى الانفجار بالإشارة إلى أن حبة قمح لفظها جسده، من خلال أذنه، بعد أشهر من الانفجار. أما الزجاج فـ"أحتفظ بمخزن منه في جسدي"، يعلق.
أحوال الدقدوقي صعبة بعد عام. قليل الكلام لأنه وعد عائلته بأن ينسى، لكن الآثار الواضحة على جسده من الصعب تجاوزها، إذ بترت قدمه اليمنى واستأصلت عينه اليسرى ويده اليمنى كذلك معطوبة.

كان يعمل في إحدى الشركات داخل المرفأ. ظن للوهلة الأولى أن الدخان ناجم عن مرفقعات، فبدأ يلتقط الصور إلى أن تطور الوضع، فأسرع إلى سيارته وأقفل النوافذ، ليلمح من خلال المرآة شاباً يلوح له. تقدم نحوه وتمكن من دفعه الى سيارته، وبعد ثوان تحول كل شيء الى ضباب. استيقظ بعدها، بنصف وعيه، لأن ماء البحر غمره. كانت الأصوات بعيدة وبالكاد تمكن من الحركة، لكنه نجا.
بعد مغادرته المستشفى، وفقدانه عمله وأمواله التي أنفقت على العلاج، وجد في محطة قديمة للمحروقات كان يملكها ملاذه، لكن الحظ ترصد به، إذ تزامنت إعادة الافتتاح بأزمة المحروقات، وهمه اليوم تأمين الدواء الذي يتعذر تأمينه، وإن وجد فالأسعار خيالية.
"أهل السياسة الله يهدهن"، يعلق، مبدياً أسفه على الضحايا الذين خسروا حيواتهم من دون أن تكون هناك قضية. يتابع: "ممكن تقبل فكرة الموت لمن اختار أن يدافع عن أرضه، عندها يكون شهيداً. أما أن يدفع المئات أرواحهم بسبب الاستهتار والحسابات الداخلية والخارجية فعندها يتضاعف الوجع ليغدو بحجم قنبلة نووية".
ومنذ إصابته في مقر عمله في المرفأ ولغاية اليوم، فإنه يتكبد تكاليف المستشفى وجلسات العلاج الطويلة كاملة. "ما من أحد يسأل لأن الإنسان ليس من اهتمامات أصحاب السلطة عندنا في لبنان المنكوب". يضيف: "الخيانة العظمى أن تعرف بوجود النيترات وتسكت. وهل من دليل أوضح للمحاسبة؟".
ولادة بعد الموت
قطعت الممرضة باميلا زينون وعداً لزميلاتها بتجاوز ذلك اليوم المشؤوم، ولا سيما أن المستشفى حيث تعمل خسر عدداً من الكادر الطبي لديه. تحاول أن تسقط من ذاكرتها مشاهد الدماء والزجاج والركام والجثث، بابتسامة من عينيها للمواليد الجدد الذين يبصرون النور حيث سقطت أرواح أو تمزقت بنثرات الزجاج.
لم تحص أعداد المواليد الجدد الذين أبصروا النور بعد ترميم المستشفى، لكنها مع كل ولادة تزداد إيماناً بضرورة الصمود في بلد يغادره خيرة شبابه.
وعلى الرغم من الفرح الذي تستمده من الأطفال، فإنها مثل حال زميلاتها باتت تفكر كثيراً بالمستقبل، وكم واجهها السؤال: "إذا تزوجت وأنجبت هل يمكن أن أتعرض لمواقف أليمة مثل التي تعرض لها آباء وأمهات اختلطت أفراحهم بخساراتهم؟".

تختم باميلا: "على الرغم من حالة الإفلاس المسيطرة في البلد، يساورني الشعور بالأمان، لأني لم أخطُ بعد في طريق الهجرة. يكفي الذين غادروا في طريق لا عودة منها، فهل نفاقم الأمر في الرحيل؟".
نبض