لشهر رمضان خصوصية في الشارع المصري، فمظاهره لافتة للعيان، من الزينات والفوانيس، وصولاً إلى مائدة الإفطار التي تحفل بها أرجاء المحروسة، ورغم تراجعها بسبب الأزمة الاقتصادية التي مرت بها مصر في الآونة الأخيرة، إلا أنها تظل تقليداً مصرياً أصيلاً عُرف منذ العصور الأولى في الحكم العربي.
ولانتشار الموائد الرمضانية في برّ مصر أسباب عدة، منها ما هو وثيق الصلة بالسياسة، وبعضها يرتبط بالدين والمجتمع، لكنها في النهاية ظاهرة لافتة تستحق النظر إليها عبر التاريخ: كيف نشأت وتطورت؟ وما أنواع الطعام التي كانت تقدم فيها؟
موائد طولونية
يحفل التراث العربي بمآثر الكرم والعطاء، مثل قصّة حاتم الطائي الشهيرة، وهي قصة نبتت في الأرض التي خرج منها الإسلام، وارتبطت بتقاليده التي توارثتها الشعوب. وفي هذا الصدد يقول الباحث في التاريخ الإسلامي حسن حافظ إنّ "من بين الأمور المهمة في الإسلام التوصية بإطعام الطعام، التي تُعدّ من أعظم القربات وأفضل الطاعات التي حضّ عليها النص القرآني، وأوصى بها النبي".
ويضيف لـ"النهار العربي": "تستند الموائد الرمضانية إلى فهم وتطبيق للمنهج الإسلامي؛ مما دفع بتطور هذه الممارسة بشكل مؤسسي عبر التاريخ، وعند النظر إلى هذه المسألة في مصر من واقع التجربة العملية، نجد أن فكرة إطعام الطعام استُخدمت في السياق التاريخي، كنوع من أنواع التقرب للعامة".
ويشير الباحث في التاريخ الإسلامي إلى أنّ مدّ موائد الطعام للعامة بدأ مع الطولونيين، واستمرّ بعد ذلك في عهد المماليك وبقية العصور وصولاً إلى الوقت الحالي.
ويقول: "في حالة أحمد بن طولون، الذي أقام دولة شبه مستقلة عن الخلافة العباسية، وانطلاقاً من كونه حاكماً تركياً غريباً عن المجتمع المصري، نجد أن موائد الطعام استُخدمت بشكل سياسي لإظهار نوع من أنواع التقرب إلى الرعية".
وفي عهد بن طولون كانت تقام الموائد الضخمة في شهر رمضان أو في المناسبات الدينية، وكانت المائدة تضمّ أنواعاً مختلفة مثل الطيور، ولحم الضأن، ومأكولات معروفة في هذه الفترة تشبه المعجنات في العصر الحالي.
وما يبرهن على الاستخدام السياسي لهذه الموائد في العهد الطولوني، أنها كانت تبدأ بانضمام كبار رجال الدولة، ثم تترك للعامة؛ أي بعد انتهاء قادة الدولة والحاكم من تناول الطعام بشكل أساسي وفض مجلسهم، تترك المائدة مفتوحة للعامة ليأكلوا ما ترك لهم.

زخم وازدهار
في العصر الفاطمي، ومع ظهور الدولة واستقلالها بشكل كامل، أصبحت مصر مقر الخلافة الفاطمية، وفي ظل هذه المتغيرات السياسية نرى نوعاً من أنواع الزخم والازدهار الكامل لمفهوم موائد الرحمن؛ إذ كان يُقدم فيها الطعام لمختلف طبقات الشعب.
يقول حافظ إنّ الموائد اكتسبت هنا اسماً جديداً، هو "الأسمطة"، جمع سُماط، وهو نوع من أنواع المائدة الضخمة التي تشبه "مائدة الرحمن" الموجودة في أيامنا هذه؛ إذ إنها مائدة مستطيلة ويجلس حولها الناس، وتقدم أنواعاً مختلفة من الأطعمة.
ويستطرد: "اهتم الفاطميون جداً باستراتيجية استخدام الطعام كآلية من آليات الدعاية؛ لإثبات مدى الازدهار والرفاهية التي تعيش فيها الدولة، وانعكس ذلك في طبيعة الأسمطة، التي امتدت عبر أيام الشهر الكريم، إلى جانب الاحتفالات ذات البعد الديني مثل عيد الأضحى، وعيد الفطر، أو الاحتفالات المرتبطة بالمذهب الإسماعيلي".
.jpg)
في العصر الفاطمي كانت توزع 1200 قدرة على المساكين بالقاهرة والفسطاط وضواحيهما (رسم تخيلي لمدينة القاهرة قديماً)
كان طعام الأسمطة يُطهى في مطبخ القصر الفاطمي، الذي يقع حالياً في موقع مجموعة نجم الدين أيوب نفسه في شارع المعز لدين الله الفاطمي، وكان السُماط الرئيسي يقام في قاعة الذهب بالقصر الفاطمي، وموقعها حالياً في شارع بين القصرين.
باستثناء الموائد كان يخرج من القصر يومياً نحو 1200 قدرة تضمّ اللحوم والمأكولات، تُوزع على الضعفاء والفقراء، ما يشبه "شنطة رمضان" في عصرنا الحالي، وكانت عملية التوزيع تشمل العاصمة المصرية التي كانت مكونة من مدينتين وقتذاك، وهما القاهرة والفسطاط، فضلاً عن الضواحي المحيطة بهما.
وحظيت الأسمطة في العهد الفاطمي بنظام صارم؛ إذ كانت تبدأ من اليوم الرابع من شهر رمضان حتى 26 منه، وكانت الميزانية المرصودة لهذه الاحتفالات تقدر بنحو 3 آلاف دينار، وهو مبلغ ضخم بمعايير هذا الزمان، ما يعكس اهتمام الفاطميين بالأسمطة كنوع من الدعاية والتقرب إلى عامة المصريين.
بذخ أقلّ وغسيل سمعة
في الحقبة المملوكية بدأت ظاهرة ذبح الأضاحي من الجاموس والضأن وتوزيع لحومها على الفقراء، وكان الاهتمام بهذا الجانب مرتبطاً بورع السلطان بالأساس، ويمكن أن نرى ما فعله ناصر الدين حسن بن قلاوون في فترة الطاعون، إذ انتهج إقامة الموائد وتوزيع الطعام على الفقراء والمساكين.
كذلك فعل الأمر نفسه السلطان الظاهر برقوق، الذي كان مولعاً بإحياء ليالي رمضان بشكل واضح، وخصوصاً التجمع بعد صلاة العشاء وتلاوة صحيح البخاري، كنوع من أنواع التقرب من العامة وادّعاء الورع الديني.
ويقول حسن حافظ: "رغم استمرار موائد الإفطار في رمضان ومظاهر الاحتفال بها في العصر المملوكي، إلا أنها كانت أقلّ بذخاً مما كانت عليه في العصر الفاطمي".
استمرّت موائد رمضان في العصور التي تلت العصر المملوكي، وصولاً للعصر الحديث؛ لكنها باتت بعيدة عن الشكل الرسمي، وباتت أكثر ارتباطاً بالواقع الشخصي، وغسيل السمعة في أحيانٍ أخرى.

في العصر الحديث انتقلت الموائد من يد السلطة إلى الأثرياء والمقتدرين
يوضح حافظ: "على سبيل المثال، يمكن أن ترى افتخار بعض الشخصيات المثيرة للجدل بإقامة موائد رمضانية كنوع من أنواع غسيل السمعة، مثل بعض الفنانين أو رجال الأعمال الذين يلاقون اتهامات في مدى مشروعية ثرواتهم".
لكن الفكرة ذاتها انتشرت في بر مصر، ويمكن أن نراها في الأحياء الشعبية، وفي كثير من الأحيان يُقدم عليها أشخاص ميسورون ابتغاءً لمرضاة الله، لذا؛ نجد أن مفهوم موائد الرحمن انتقل من يد السلطة السياسية إلى الطبقات الميسورة.
واستمرار الظاهرة عبر التاريخ يعكس تحولها إلى حاجة اجتماعية، وخصوصاً مع الطبقات الفقيرة جداً التي تنظر إلى شهر رمضان باعتباره الفرصة الوحيدة لتناول اللحوم، على ما يقول حسن حافظ.
نبض