قد تكون ولاية شمال السودان من المناطق القليلة التي لم تشهد أي نزاع مسلح منذ الاستقلال، قياساً بأقاليم وولايات كانت مسرحاً للمواجهات العسكرية. ومع أن شرارة الحرب الأخيرة قد انطلقت منها، إلا أن أكبر ولايات البلاد سرعان ما عادت لسيطرة الحكومة والجيش لتشهد حالة من الاستقرار، قبل أن تعود للواجهة مع قرار بتنفيذ اتفاقية مسار الشمال الموقعة قبل ثلاث سنوات كملحق لاتفاقية جوبا مع الحركات المسلحة.
فقد صادق رئيس مجلس السيادة قائد الجيش عبد الفتاح البرهان على تنفيذ اتفاقية مسار الشمال إثر لقاء جمعه مع رئيس كيان ومسار الشمال محمد سيد أحمد الجكومي، موجهاً بتنفيذ بنود الاتفاقية القاضية بتقاسم الدخل من عائدات الموارد الطبيعية والثروات والدخل الضريبي والجبايات بنسبة 30% لحكومة الإقليم الشمالي مقابل 70% للحكومة المركزية.

الجكومي.
وبدا لافتاً ضمن الاتفاقية بند الاعتراف باللغة النوبية ضمن اللغات القومية، مع إمكانية إدراجها في المنهج ودعم إنشاء معاهد ومؤسسات لتدريس اللغة التي تنتشر بين قبائل النوبة شمالاً، بالإضافة لمراجعة الدراسات السابقة لمشروعات اقتصادية وخدمية تنموية وإعادة تأهيل المشاريع الزراعية والتعليمية وإكمال الطرق وخطوط سكك الحديد.
وكانت الاتفاقية قد وُقّعت منتصف كانون الأول (ديسمبر) 2021، كملحق لاتفاقية جوبا للسلام عام 2020، التي تضمنت إنهاء الصراع مع مكونات الحركات المسلحة في البلاد بوساطة من جنوب السودان، إذ أسست لمسارات تنموية تخص إقليم درافور غرباً وولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق جنوباً، بالإضافة لخطط تتعلق بشمال البلاد وشرقها ووسطها.
وتعتبر ولاية الشمال أكبر ولايات السودان مساحة، إذ تمتد من الحدود المصرية إلى عمق الصحراء باتجاه الخرطوم وشمال كردفان ودارفور، والى الغرب عند الحدود الليبية. وتعتبر موقع تنوع قبلي بين العرب والنوبة، كما يشكل النيل شريان الحياة فيها، إذ يعبر الولاية حتى مغادرته السودان نحو مصر، ما دفع الحكومة لإقامة سد مروي، أحد أكبر السدود المخصصة لمحطات توليد الكهرباء في المنطقة لتصل التغذية حتى العاصمة الخرطوم.

غير أن الشمال كان موضع شكوى مستمرة من أبنائه حيال السلطة المركزية بسبب التهميش وغياب مشاريع التنمية مقارنة بالعاصمة، وهو سبب دفع عدداً من شخصيات الإقليم لتأسيس "كيان الشمال" سنة 2005، بالتوازي مع الاتفاقية الموقعة بين حكومة عمر البشير وزعيم "الحركة الشعبية لتحرير السودان" (الراحل) جون قرنق، دون أن تشهد المنطقة أي عمليات قتالية خلافاً لما حدث في جنوب السودان طيلة العقود الماضية، حيث لم يتعرض الإقليم لأي حروب منذ الخمسينات والاستقلال. لكن مدينة مروي ومطارها الدولي كانا موقع الشرارة الأولى للحرب قبل عام، حين عززت قوات الدعم السريع من انتشارها قبل أن تدور اشتباكات مع الجيش، نجح الأخير بحسمها سريعاً لتعود مروي والولاية كاملة بقبضة الحكومة.
دلالات التوقيت في ظل الحرب
في حديث لـ"النهار العربي"، يعتبر رئيس "حركة تحرير السودان الديموقراطية" حسب النبي محمود، أن تفعيل مسار الشمال ضمن اتفاقيات جوبا وفي هذا الوقت لا علاقة له بالتنمية أو عملية السلام أو دعم السكان في شمال السودان، قائلاً: "هي مكافأة رمزية أو معنوية يقدمها البرهان للأطراف المؤيدة له الآن، وشاهدنا زيارة الجكومي وغيره من المجموعات الانتهازية وهم مؤيدون بشكل مطلق للجيش في حربه ضد قوات الدعم السريع، والبرهان يقدم مكافآت للمؤيدين له لذلك أجد ما حدث في إطار هذه الحدود".
موقف محمود لا يتفق مع رأي المتحدث الرسمي باسم "الحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال - الجبهة الثورية" سعد محمد عبد الله، والذي لا يجد ما يثير الاستغراب حيال الحديث عن تنفيذ بنود اتفاق جوبا للسلام. ويعلق في حديث لـ"النهار العربي": "أعتقد أن المسألة لا ترتبط بتوقيت محدد للتنفيذ بقدر ارتباطها بقوة الإرادة الوطنية عند السودانيين والتفافهم حول قضاياهم الواردة في الاتفاقية، والاتفاق في كل مساراته يمثل برنامجاً متكاملاً للسلام والتسامح والنهضة الاقتصادية وسيتم تنفيذه في أي وقت".
أين هي بنود اتفاقية جوبا للسلام في ظل الحرب الحالية؟
يضع حسب النبي محمود العديد من علامات الاستفهام حيال اتفاقية جوبا التي باتت غير دستورية، بحسب وصفه، منذ أكتوبر 2021، رغم أنه ولد بشرعية دستورية وبجهود الحكومة الانتقالية برئاسة عبد الله حمدوك.
ويضيف: "الاتفاقية ذاتها فيه مشاكل عديدة. صحيح أن القوى السياسية التي وقعت على الاتفاقية لها تاريخ ونضال طويل، ولكن المنهج كان خاطئاً بتقسيم السودان لمسارات الشمال والشرق والغرب وولايتين في الجنوب. هذا بذاته أعطى جزءاً من السودان شكل نظام الحكم الإقليمي، وجزءاً آخر نظام الولايات، وأصبحت البلد في خلل وشلل إداري. تقسيم السودان بهذه المسارات ولد احتقاناً اجتماعياً وجغرافياً".

ويخلص محمود إلى أن الاتفاقية لا تختلف عن اتفاقي الدوحة وأبوجا، فهي "لا علاقة لها بالمواطنين على الأرض، ولعلها قد تحقق طموح شخصيات محددة لا أكثر".
في المقابل، يعتبر عبد الله أن الاتفاقية صالحة للعمل عليها. ويعقب المتحدث باسم الحركة الموقعة على اتفاقية جوبا أنها "تُعتبر الحد الأدنى الذي توافقنا وتراضينا عليه في مساعي حل مشكلة السودان وإيجاد مشروع وطني يمثل طيفاً واسعاً من المهمشين والمضطهدين والكادحين على طول الأرياف والمدن المريفة وعرضها. وقد خاطبت هذه الاتفاقية جوانب مهمة من قضايا الحريات والحقوق السياسية والمدنية وكذلك الاستشكالات التنموية والثقافية التي لا يمكن القفز عليها في أي وقت. وطالما هذه القضايا موجودة، فإن لهذه الاتفاقية حضوراً وعمراً مديداً".
أما الكاتب والباحث، محمد شمس الدين، فلا يتفق مع النظرة الإيجابية لاتفاقية جوبا، بل يعتبرها مؤسسة لما وصفه بمشهد الدمار في البلاد.
ويتابع في حديث لـ"النهار العربي": "الاتفاقية شكلت وثيقة أخرى ألغت الوثيقة الدستورية المعيبة أساساً، وأوجدت حاضنة لكل عوامل احتراق السودان. وما تشهده البلاد اليوم هو أول الحرائق، ويجري الآن تكييف الحاضنة ببدائل ستواصل الحريق الذي وعدت الحركة الإسلاموية بإشعاله".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض