تحت وطأة "الأزمة"... كيف يتحايل المصريون على الأعباء الاقتصادية في رمضان؟
يصاحب شهر رمضان طقوسٌ خاصة تضفي على الشهر المقدس أجواءً احتفالية، اعتادها المصريون عبر عشرات السنوات. من مظاهر هذه الطقوس: ثراء مائدة الإفطار بأصناف عديدة من المأكولات، وعادات اجتماعية كالعزائم، إضافة إلى الأعمال الخيرية. لكن موجة التضخم العاتية دفعت المصريين للتخلّي عن كثير من هذه المظاهر؛ بحسب أحاديث مواطنين، وخبراء.
وسجّل التضخم السنوي خلال شهر شباط (فبراير) الفائت 35.7% مرتفعاً من 29.8% في كانون الثاني (يناير)، ما ألقى بمزيد من الضغوط على كاهل المصريين، بينما كانوا يستعدون لاستقبال شهر رمضان وهم مثقلون بالأساس، من تبعات الأزمة الاقتصادية التي تمر بها مصر.
"النهار العربي" تقصّى آثار الأزمة على المصريين في شهر رمضان، وانعكاساتها على الحياة الاجتماعية، ونمط استهلاك السلع والخدمات.
اقتصاد حرب
لدى حديثها لـ"النهار العربي" شبّهت المواطنة المصرية رهام كيشار، ابنة الإسكندرية، الظروف الحالية بـ"اقتصاد الحرب" الذي عاشه المصريون إبّان الحروب التي خاضتها مصر في القرن الفائت، لافتة إلى أنّ سلوكها في إدارة منزلها بات يشبه ما كانت تقوم به والدتها وجدتها من تخزين السلع الأساسية، والاقتصاد قدر الإمكان في ابتياع السلع الاستهلاكية.
وتقول إنّ "الظروف الاقتصاديّة أضفت إحساساً بالثقل عند استقبال شهر رمضان، وخصوصاً أن كثيراً من السلع ارتفعت أسعارها بصورة مبالغ فيها"، لافتة إلى أنها توقفت هذا العام عن شراء الياميش (فواكه مجففة) والمكسرات، بعد ارتفاع أسعارها.
ثمّة مظهر لافت أيضاً تشير إليه كيشار يتعلق بتراجع الأعمال الخيرية، فتقول: "في السنوات الماضية اعتدت تجهيز حقائب رمضانية بها بعض السلع، كنت أوزّعها على رقيقي الحال، لكن هذا العام تراجعت عنها، وكذلك توقفت عن عادة ذبح أضحية قبيل شهر رمضان نظراً لزيادة الأعباء الأسرية".
تتفق سعاد حسنين، ربة منزل من صعيد مصر مع كيشار في قرار الإقلاع عن شراء السلع الترفيهية كالياميش والمكسرات، لكنها تقول لـ"النهار العربي" إنها لجأت إلى حيلة للاحتفاظ بكميات الأطعمة الأساسية نفسها من اللحوم والأسماك في شهر رمضان؛ إذ دأبت على تقليل كميات هذه الأطعمة في الشهور التي سبقت الشهر المقدس.
ننتقل للقاهرة، حيث يقول مصطفى محمد إنّه اعتاد حضور إفطار جماعي في اليوم الأول من رمضان في بيت والده، ويوضح في حديثه لـ"النهار العربي" أنّ "المظهر اللافت هذا العام هو حالة الاقتصاد الشديد في إعداد أصناف الطعام، والذي لم يكن معتاداً أبداً، فضلاً عن الحد من شراء الحلويات التي تضاعفت أسعارها".
وتعدّ العزائم عادة أساسية في البيوت المصرية، وخصوصاً في شهر رمضان، ويشير محمد إلى أنّ "ثمّة مظهراً جديداً بدا يغلف عادة العزائم، فبدلاً من أن يعدّ الداعي للإفطار كل مائدة الطعام، أصبح كل ضيف يأتي بصنف من المأكولات؛ لتخفيف الضغط المادي على صاحب البيت، وبهذا يتحقق أيضاً الغرض من العزائم، وهو تجمع الأسر والأصدقاء حول مائدة إفطار واحدة".

يتحايل المصريون على الظروف الاقتصادية في شهر رمضان
تأثيرات اجتماعية
بدوره تحدّث الباحث الاقتصادي محمد محمود عبد الرحيم لـ"النهار العربي" عن أبعاد وأسباب معاناة المواطنين في شهر رمضان تحت وطأة الضغوط الاقتصادية، إذ يقول: "بكل تأكيد وبشكل عام ثمّة عادات استهلاكية خاصة في شهر رمضان تؤثر بشكل مباشر على حركة الطلب؛ مما يترتب عليه ارتفاع أسعار بعض السلع الأساسية هذا العام".
ويضيف: "ثمة ضغوط اقتصاديّة متزايدة يجابهها المواطن البسيط، ليس في مصر بل في أغلب الدول العربية، والمواطن المصري يستحق كل التقدير للصمود في وسط أزمات اقتصادية متعددة ومتتالية في وقت قصير للغاية".
ويشير عبد الرحيم إلى أن "ثمّة معضلة اجتماعية اقتصادية دائمة في شهر رمضان الكريم في مصر، وكثير من البلدان العربية، تتعلق بعادات هدر الطعام، رغم الأزمات الحقيقية التي تعيشها هذه البلدان في الأمن الغذائي، مما يعكس سوء توزيع الطعام، وثمّة تقديرات تشير إلى أنّ نسبة هدر الطعام في العالم العربي وصلت إلى 40 بالمئة، وهي أرقام كبيرة للغاية".
وتقول منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة "الفاو" إنّ متوسط حجم الهدر الغذائي للفرد الواحد في مصر يبلغ حوالي 91 كيلوغراماً من الطعام سنوياً، وفقاً لتقديرات المركز الوطني للبحوث الاجتماعية والجنائية. وتتزايد نسبة الغذاء المُهدر في المناسبات الخاصة والأعياد والمهرجانات؛ إذ يتم التخلص من 60 في المئة على الأقل من الأطعمة الصالحة للأكل.
تآكل القوة الشرائية
وعن أسباب ارتفاع الأسعار في مصر يوضح عبد الرحيم: "التضخم ليس نتيجة زيادة الطلب، ولكنه ناجم عن ارتفاع تكاليف المصانع، جراء ارتفاع سعر الصرف، وخاصةً في السلع التي يدخل بها مكون أجنبي بشكل كبير، ما انعكس على ارتفاع أسعار كل السلع تقريباً في الأسواق"، لافتاً إلى أن "هناك بعض العوامل الأخرى، مثل عدم استقرار سلاسل الإمداد، والتغيرات المناخية، والحرب الروسية - الأوكرانية، والعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة".
تآكلت القدرة الشرائية للمصريين بصورة لافتة
ويشير إلى أن "الحكومة طرحت مبادرات تستهدف إتاحة المنتجات الأساسية بأسعار مخفضة، لكنها تظل غير كافية، وخصوصاً أن الشركات والمصانع تطلق مبادرات في إطار تسويقي أو مسؤولية مجتمعية للشركات، وليست كنتيجة حقيقة لخفض تكاليف الإنتاج بشكل حقيقي".
ويرى الخبير الاقتصادي المصري أن تفاقم الأعباء يعود أيضاً إلى أن الأزمات الاقتصادية توفر بيئة خصبة لتلاعب كثير من التجار بغية تحقيق هامش ربح كبير، من خلال التسعير العشوائي لكثير من المنتجات وخصوصاً السلع الاستراتيجية.
ووفقاً لعبد الرحيم فإنه "يمكن قراءة تأثير الأزمة الاقتصادية على حياة المواطن في شهر رمضان من خلال التأثير السلبي لارتفاع الأسعار، والذي يؤدي إلى خفض القوة الشرائية للفرد وتآكلها".
ويقول: "مع انخفاض القوة الشرائية يحدث تراجع بشكل تلقائي في استهلاك بعض السلع في الأسواق، ويمكن تبرير ذلك بأن سلوك المستهلك يتغير بشكل كبير مع ارتفاع الأسعار؛ إذ يلجأ إلى الحدّ من شراء السلع الترفيهية، ويبحث عن سلع بديلة أخرى أقل تكلفة".
ويستطرد: "يؤثر ارتفاع الأسعار على جميع فئات المجتمع، ولكن تبقى فئة محدودي الدخل وأصحاب الدخول الثابتة الأكثر تضرراً، حتى مع وجود برامج الحماية الاجتماعية الحكومية، التي تظل غير كافية في مواجهة الارتفاع الكبير في الأسعار".
وبحسب دراسة مستقلة أجرتها مستشارة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، هبة الليثي، فمن المتوقع أن مستوى الفقر وصل في عام 2022-2023 إلى %35.7، مع ارتفاع خط الفقر إلى 1478 جنيهاً (39 دولاراً) شهرياً، وارتفاع خط الفقر المدقع إلى 1069 جنيهاً (22 دولاراً) شهرياً.
وعن مستقبل الضغوط الاقتصادية على المواطن المصري، يرى الخبير الاقتصادي أن "مستقبل الملف الاقتصادي برمته مرهون بالاهتمام بتوسيع قاعدة الإنتاج من خلال التصنيع، والتصدير، والزراعة، وبناء اقتصاد قائم على المعرفة، وحل أزمة الدولار من طريق تحقيق مصادر دولارية مستدامة".
نبض