لا يشبه شهر رمضان هذا العام في السودان أياً من المناسبات السابقة. فالسودانيون يستقبلونه وأعداد كبرى منهم فقدوا بيوتهم ونزحوا إلى مناطق أخرى أو إلى خارج البلاد. أما من بقي في منطقته، فيعاني أزمات غذائية وصحية، فضلاً عن انعدام الخدمات، وسط ارتفاع قياسي في تكاليف المعيشة وتأمين الغذاء، حتى في المناطق الآمنة. وهي عوامل تغيّب الطقوس الاجتماعية الرمضانية، في بلد كان يحتفل بشهر الصوم بأسلوبه الخاص.
ليست المرّة الأولى التي تعصف بالسودان توترات سياسية وأمنية خلال شهر رمضان، إذ يستذكر الناس محاولة الانقلاب الفاشلة على نظام عمر البشير سنة 1989 وانقلاب الأخير على شريكه في الحكم حسن الترابي سنة 1999، مروراً بأحداث فضّ اعتصام القيادة العامة مع الليالي الأخيرة من الشهر في 2019.
لكنّ الجرح الكبير الذي أصاب السودانيين مع اندلاع الحرب في منتصف نيسان (أبريل) 2023، المصادف 24 من شهر رمضان الماضي، كان الأكثر صعوبة، ليفرض على السودانيين تحولات تبدأ من النزوح والهجرة وغياب مقومات الحياة، إلى تعطّل أعمالهم ومصالحهم، والأهم وفق رؤيتهم هو غياب الطقوس اليومية التي كانت تصاحبهم على مدى 30 يوماً.
إفطار الحي ضربته المجاعة
انتظر مهندس المساحة والكاتب محمد أبولو توقف الاشتباكات في محيط منزله في أم درمان، على أمل نهاية الحرب بسرعة، كما كان يأمل أهالي السودان. ولكن اشتداد المواجهات وانقطاع الكهرباء والمياه فرضا على أسرته النزوح شرقاً إلى مدينة شندي في ولاية نهر النيل، حيث لا تزال المنطقة تحت سيطرة القوات المسلّحة. لكن الشاب الثلاثيني لا يرى طقوساً مميزة لرمضان هذا العام، ويقول لـ"النهار العربي" إنّ "اجتماعنا اليومي مع أهل الحي على الإفطار كان أكثر من مناسبة اجتماعية ولقاءً بالجيران، فالجميع وقبل أذان المغرب يقومون برش التراب وفرش الأرض استعداداً للإفطار، حيث يشارك كل السكان بطعامهم في صف واحد يجلس فيه أصحاب كل التوجّهات السياسية معاً".
ويضيف: "لن تستغرب إن وجدت الشيوعي يحاور الإسلامي مثلاً في مختلف نواحي الحياة. فعلياً كانت طقوس رمضان يومياً تبدأ بعد الإفطار وتمتد لساعات طوال في الليل، بينما يتكفّل الشبان بحمل أباريق الأبري (مشروب سوداني تقليدي) وتوزيعه على المارة، فالإفطار لا يقتصر على سكان الحي، وأي شخص يمرّ في الشارع مدعو لمشاركتنا الطعام أو شرب الماء والعصير، بل كان الناس يتسابقون من يصل إليه أولاً".
أجواء الحي، أو ما يسمّى باللهجة السودانية بـ"لمة البرش"، هي ما يفتقدها محمد الذي كان يتنقل بين مدن العاصمة الثلاث ليقضي وقته عند أصدقاء له، متناولاً الإفطار، وهو ما سيغيب هذا العام عن السودانيين، وفق تعبيره. ويتطابق كلام أبولو مع مطالعة الناشط والمدون أحمد عبدون، فالشاب العشريني يستذكر أيام رمضان في السنين الماضية التي لا تتكرّر بسبب المجاعة.

ويقول عبدون لـ"النهار العربي" إنّ "رمضان هذا العام يفتقد الأصدقاء والأهل و"لمّة البرش" وقت وجبة الإفطار. فالكل حزين، والجميع تهجّروا إلى أماكن لا يريدونها. في كل رمضان يتمّ تنظيم "الإفطارات الخيرية"، وهم مجموعة شباب من كل أنحاء العاصمة يجولون في المستشفيات والمناطق العامة ويوزعون وجبة الإفطار والعصائر للصائمين مقطوعي السبيل. هذا العام، قد لا يجد هؤلاء الشباب وجبة إفطار لأسرهم. المجاعة تعمّ الوطن الذي طالما نَعَم بالخير، وشعبه المبادر بمدّ يد العون أصبح بحاجة ليد العون".
ويرى عبدون أنّ طقوس رمضان في السودان هذا العام ستكون مظلمة جداً، فالأغلبية جائعة، والبعض لا مأوى لهم ولا مسكن ولا مال، على حدّ قوله، مناشداً المعنيين لاستمرار عمل المطابخ العامة...
صائمون قبل رمضان وبعده
المشهد في العاصمة يبدو أكثر سوداوية... هذا ما يؤكّده أنس عبدو، فمهندس الإلكترونيات الذي غادر أخيراً حي أركويت وسط الخرطوم، يرى شهر رمضان مقتصراً على الصيام الذي بات السودانيون معتادين عليه منذ بداية الحرب. ويقول أنس لـ"النهار العربي": "الصيف يبدأ باكراً في السودان، ومع أجواء حارة للغاية وانقطاع الكهرباء والمياه، ستكون الحياة مأسوية في أي منطقة من العاصمة، حتى ولو استبعدنا مواقع المعارك مثل جبرة في الجنوب أو في أم درمان. الأسواق مقفلة ولا مواد غذائية إلا القليل النادر وبأسعار خرافية".

وعلى رغم أنّ أزمة انقطاع الكهرباء ليست بجديدة على السكان وفق رأيه، غير أنّ الحرب قد فرضت واقعاً أكثر صعوبة بخاصة في رمضان، ويضيف: "كان الناس يتجهون الى النيل وبخاصة عند جزيرة توتي ملتقى النيل الأبيض والأزرق، حيث يمضون جزءاً من النهار، وبعد الإفطار كان اللقاء اليومي لشرب الجبنة (القهوة السودانية المركزة). أما كرة القدم في ميادين الأحياء، فتنشط ليلاً للتخفيف من معاناة الكهرباء، ولكن كل هذا بات مفقوداً حتى في المناطق المستقرة نسبياً".
أسعار مرتفعة في الفاشر تحدّ من موائد رمضان
كلام المهندس يتقاطع مع حديث عبد الله الناشط في الفاشر شمال دارفور، حيث تشهد الأسواق ارتفاعاً قياسياً في الأسعار لم يشهده الإقليم منذ سنين طويلة، وفق قوله. وإن كانت الوفرة الغذائية تبدو أفضل قليلاً من الخرطوم، غير أنّ أعداد النازحين من نيالا والجنينة تفرض تحدّيات على المجتمع المحلي.

ويضيف لـ"النهار العربي": "الناس باتوا يعتمدون على المطابخ الجماعية لسدّ الرمق، وانقطاع الاتصالات زاد أزمة وصعوبة التحويلات المالية. لذلك لا طقوس رمضانية ولا توجد أجواء اجتماعية هذه السنة. الجميع يترقّب وقف الحرب للعودة إلى ديارهم".
لم تكن أزمة الاتصالات هي العائق الوحيد وفق عبد الله، فالإنتاج الزراعي الذي كان يكفي بالحدّ الأدنى احتياجات السكان لم يتمّ استثماره كما يجب وبخاصة الذرة والحبوب. أما عملية الاستيراد، فهي مكلفة جداً بعد انقطاع الطرق المؤدية إلى الفاشر وإقليم دارفور.
ويتابع عبدالله: "يستهلك الناس السكّر بكميات كبيرة لإنتاج مشروب الحلو مرّ، ولعله سيغيب عن موائد الفاشر بسبب الارتفاع الحاد لأسعار السكّر، ناهيك عن اللحوم التي تفسد بسرعة جراء انقطاع الكهرباء. ولكن حالنا يبقى أفضل بالاستقرار النسبي مقارنة بباقي الإقليم".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي
4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي
4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا
4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.
نبض