"كنوز مخفيّة"... ترميم معبد إسنا يبث الروح في رسوم قدماء المصريين
قبل نحو مئتي عام كان معبد إسنا محض أطلال، لا يظهر منه سوى الجزء العلوي، وأكثر من نصفه يسكن باطن الأرض. تحت سقف المعبد الظاهر على وجه الأرض عاش أهالي إسنا، وتعاملوا معه كما لو أن ما تبقى من معبد الأجداد استحال بيتاً متسعاً يأويهم من هجير الصيف، وقسوة الشتاء.
ظل المعبد هكذا مدفوناً تحت الأرض، حتى جاء يوم في عام 1843 امتدت له الأيادي؛ لتزيل عنه تراكمات السنين الطويلة، وترفع الرديم من حوله، ليتجلى معبد الإله خنوم للعيان، وتستمر رحلة طويلة من الترميم تُكتب فصولها الأخيرة هذه الأيّام، إذ تعمل بعثة مصرية ألمانية على استعادة رسوم ومناظر المعبد الأصيلة، ليعود كما كان قبل نحو ألفي عام.
وتكشف عملية الترميم الجارية كل يومٍ عن مناظر ورسوم باهرة، ربما تكون الأكثر ثراءً بين معابد الجنوب الزاخر بعمران الأجداد، حسبما يقول أحمد إمام، مدير فريق الترميم المصري، الذي يعمل جنباً إلى جنب مع فريق من العلماء الألمان من جامعة توبنغن.
مشهد من الخارج لمعبد إسنا
كنوزٌ خفيّة
يقع المعبد الذي تكرس لعبادة الإله خنوم (جُسّد في هيئة إنسان ورأس كبش) بمدينة إسنا الواقعة على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوبي مدينة الأقصر. بدأ تشييده عام 186 قبل الميلاد، واستمرت أعمال البناء في عهد الرومان، لا سيّما في عهدي كلاوديوس وماركوس أوريليوس اللذين تركا بصماتهما جلية على المعبد. واستغرق بناؤه والانتهاء من نقوشه نحو 400 عام؛ إذ تم الانتهاء منه عام 250 ميلادية.
وكان المعبد يقع عند مستوى منخفض تحت سطح الشوارع المعاصرة المحيطة به يقدر بعشرة أمتار، قبل أن يزال الرديم من حوله في نهاية عصر محمد علي باشا، ويظهر كاملاً للمرة الأولى.

الجزء المتبقي من المعبد عبارة عن صالة أعمدة مكونة من 24 عموداً لكل منها تاج مختلف الشكل
يقول المرمم المصري أحمد إمام لـ"النهار العربي" إن "المعبد استخدم مخزناً للذخيرة والأقطان في مرحلتين مختلفتين من عصر محمد علي باشا، وفي كلا المرحلتين شبّت فيه النيران، وتكونت مادة سوداء (السناج) من أثر الحريقين على جدار المعبد وحوائطه".
تسببت مادة السناج في تغطية الرسوم والمناظر الأصلية، مما استرعى البدء في عملية الترميم التي انطلقت في عام 2018، ولا تزال جارية حتى اليوم، من قبل البعثة المصرية الألمانية.
ويوضح إمام أنّ الجزء المتبقي الآن من المعبد هو صالة الأعمدة المكونة من 24 عموداً، يعلو كل عمود تاج مختلف عن العمود الآخر، والمعبد مُقسم إلى ست مساحات تعرف بالبوائك (باكيات بالعامية المصرية)، كل بائكة يُشار إليها بحرف من الأبجدية الإنكليزية، ثلاث باكيات في المدخل هي: A, B, C, D, E, F.
وتتضمن كل بائكة منظراً خاصاً بها، على سبيل المثال، البائكة A تحتوي على منظر يجسد الانتقال اليومي للقمر، بداية من كونه هلالاً حتى اكتماله بدراً، وأيضاً هناك منظر الزودياك الذي يجسد الأبراج الفلكية الاثني عشر من الحمل إلى الحوت، إضافة إلى الكواكب الخارجية، وهي: المشتري، وزحل، والمريخ، وبعض النجوم أو الأبراج التي استخدمها المصريون القدماء لقياس الوقت، على ما قال الدكتور هشام الليثي، رئيس البعثة من الجانب المصري، ورئيس الإدارة المركزية لمركز تسجيل الآثار المصرية.
وفي وقت سابق، أعلن الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار مصطفى وزيري، أنّ أعمال الترميم كشفت للمرة الأولى عن منظر الزودياك كاملاً بسقف صالة الأعمدة من الناحية الجنوبية، إضافة إلى مناظر لآلهة وحيوانات.

تضمّ كل بائكة من الست بوائك منظراً خاص بها
وأضاف وزيري في بيان صحافي، أنّ "المناظر والنقوش المكتشفة لم تكن موجودة في النشر العلمي السابق، والوحيد للمعبد، والذي أجراه عالم المصريات الفرنسي سيرج سونرون".
وتُعدّ نقوش معبد إسنا بمثابة كنوز خفيّة، تكشف عن مدى إلمام المصريين القدماء بعلم الفلك. ويردّ الترميم الروح إلى هذه النقوش، ما يفتح الباب واسعاً أمام علماء المصريات لإعادة تسجيل الرسوم ومدلولاتها، وهو ما يجريه الآن علماء المصريات المشاركون في بعثة الترميم، من جامعة توبنغن.
من جهته، قال الدكتور كريستيان ليتز، رئيس البعثة من الجانب الألماني، إنّ الترميم كشف النقاب عن عدد من المناظر التي تصور عدداً من المعبودات المصرية القديمة، والحيوانات، من بينها: الثعابين، والتماسيح، إلى جانب نقش لكائنات مركبة مثل ثعبان برأس كبش، أو طائر برأس تمساح، وذيل ثعبان و4 أجنحة.
كشف الترميم رسوماً بديعة أخفتها يد الإهمال
تقنيات الترميم
يتضمن مشروع تسجيل وتوثيق وترميم معبد إسنا أعمال التوثيق والترميم والتنظيف للحوائط داخل المعبد، فضلاً عن تثبيت الألوان، وإزالة السناج بالمقصورات والجدران، وخصوصاً بعد سنوات عانى فيها المعبد، واختفت نقوشه وألوانه الأصلية بفعل مخلفات وأعشاش الطيور والخفافيش، وبقايا أعشاش الدبابير الطينية.
يقول إمام لـ"النهار العربي": "تنطوي عملية الترميم على أكثر من تقنية معالجة بحسب طبيعة الضرر الذي يصيب الأثر، وفي معبد إسنا اعتمدنا أربع تقنيات، هي: التنظيف الميكانيكي، والكيميائي، وإزالة الأملاح، وملء العراميس".
وفي عملية التنظيف الميكانيكي؛ تُنظف الأسطح من الأتربة والاتساخات، والعوالق السطحية، باستخدام الفرش ومنفاخ الهواء اليدوي. وتُزال مادة السناج باستخدام سفنج مزيل السناج، كما تُنظف التكلسات الطينية ودم الوطاويط باستخدام المشرط.
أمّا التنظيف الكيميائي فيستهدف إزالة السناج بإذابة مواد كيميائية في ماء مقطر، وباستخدام عصا خشبية عليها قطنة مبللة بالماء المقطر تُنظف الألوان من طبقة السناج. وكذلك الحال مع الأرضيات أيضاً.
من المرجح الانتهاء من أعمال الترميم في غضون عام
ومن اللافت أن البعثة العاملة على ترميم المعبد استخدمت نموذجاً علمياً من الأشواك الطاردة للطيور، ولا سيّما الحمام الذي تضر فضلاته ألوان النقوش، ويعمل هذا النموذج الذي ابتكرته جامعة توبنغن الألمانية على طرد الطيور من دون الإضرار بها.
ويقول إمام إنّ منهجية الترميم المتبعة حدّت من التدخل اليدوي المباشر، مما قلل من الأخطاء البشرية التي تحدث عادة أثناء الترميم.
ويشير إلى أنّ فريق المرممين المصريين انتهى حالياً من السقف والأعمدة، والأعمال المتبقية تتضمن ترميم الجدار الجنوبي، ثم الانتقال للجدار الغربي، يليه الشمالي، وصولاً للواجهة، ومن المرجح أن تنتهي أعمال الترميم برمتها في غضون عام.
ويأمل المرمّمون في أن يعود ما تبقى من معبد إسنا إلى صورته الأصلية إبّان تشييده، بعدما ظل السواد يكسوه لسنواتٍ طويلة، خافياً تحته كنوزاً من الرسوم والمناظر الآسرة، التي تتكشف الآن على مهلٍ أمام أعين زوار المعبد.
نبض