04-03-2024 | 06:05

"فتاة العريش"... جريمة مأسويّة تتجاوز الابتزاز بـ"الصّور الخاصّة"

تلك الواقعة المأساوية أعادت إلى الأذهان عدداً من الحوادث المحزنة التي تعرضت لها فتيات وسيدات أغلبهن في مناطق ريفية أو نائية، وانتهى بعضها بمحاولات انتحار أو قتل لضحايا الابتزاز، فيما دمرت وقائع أخرى الحياة الزوجية أو الأسرية لهن.
"فتاة العريش"... جريمة مأسويّة تتجاوز الابتزاز بـ"الصّور الخاصّة"
Smaller Bigger

أمرت النيابة العامة في مصر، السبت، بإعادة فتح باب التحقيقات في ملابسات وفاة الطالبة بكلية الطب البيطري بجامعة العريش نيرة الزغبي، والتي باتت معروفة إعلامياً بـ"فتاة العريش"، واستخراج جثمانها من المقبرة التي دفنت بها، لإعادة تشريحه والوقوف على أسباب الوفاة.

 

وجاء قرار النيابة في أعقاب ما تم تداوله في وسائل إعلام ومواقع للتواصل الاجتماعي، بأن وفاة الفتاة كانت نتيجة جريمة قتل (محتملة)، وليست انتحاراً بحبوب الغلة كما أشيع عند إعلان وفاتها، وقيل إن "الانتحار" جاء نتيجة ضغوط نفسية بسبب تعرض الفتاة التي تبلغ من العمر 19 عاماً، للابتزاز بصور لها التقطتها إحدى زميلاتها (وتدعى شروق)، وهي في حمام المدينة الجامعية.

 

 

تلك الواقعة المأسوية أعادت إلى الأذهان عدداً من الحوادث المحزنة التي تعرضت لها فتيات وسيدات أغلبهن في مناطق ريفية أو نائية، وانتهى بعضها بمحاولات انتحار أو قتل لضحايا الابتزاز، فيما دمرت وقائع أخرى الحياة الزوجية أو الأسرية لهن.

 

ويشكل نشر "صور خاصة" للنساء، أو أي محادثات تتعلق بالجنس في تلك المناطق وصمة اجتماعية تجعل الحياة صعبة بالنسبة للفتاة وأسرتها، حتى وإن تم التقاط تلك الصور خلسة ودون علم المرأة، أو تمت فبركتها ببرامج تحرير الصور.

 

وعلى رغم أنه لا إحصاءات رسمية بعدد حالات الابتزاز التي تتعرض لها النساء في مصر، إلا أن ثمة تقديرات بأن البلاغات التي يتم تقديمها كل شهر تقدر بالمئات، فيما هناك عدد غير معلوم من تلك الجرائم الأخلاقية تمر طي الكتمان، خوفاً من "الفضيحة" و"العار"، ولا يظهر منها للرأي العام، سوى ما ينتهي بكارثة محققة.

 

غضب واتهامات بالقتل

اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي، خلال الأيام القليلة الماضية غضباً، بعد تداول قصة فتاة العريش، والحديث عن أن الضغوط النفسية "الرهيبة" التي تعرضت لها نيرة بسبب تهديدات زميلتها، وزميل آخر (يدعى طه)، كانت سبباً في "انتحارها"، وتم تداول محادثات مصورة منسوبة للمتهمين والضحية.

 

لكن رواية الانتحار بحبوب الغلة، أحاطت بها شكوك بعد نشر وسائل الإعلام للتقرير الطبي الذي أصدره مستشفى العريش العام، وأشار إلى أن سبب الوفاة راجع للهبوط الحاد بالدورة الدموية، ووجود مادة سامة غير معلومة في جسد الفتاة الشابة.

 

 

وبالرغم من نفي البعض لاحتمالية الانتحار، فإن ثمة وقائع شهدت انتحار بعض الفتيات اللاتي تعرضن لتهديدات مشابهة، وربما أشهرها واقعة تهديد بصور مفبركة، كانت ضحيتها فتاة تدعى بسنت خالد من محافظة الغربية، وقد اضطرت للانتحار بعدما رفض المقربون منها تصديق براءتها، وأن الصور الخاصة بها ليست حقيقية، وتمت فبركتها ببرامج تحرير الصور.

 

الانتحار والضغوط النفسية

ويقول استشاري الصحة النفسية الدكتور جمال فرويز لـ"النهار العربي" إن "إقدام الشخص على الانتحار بسبب الضغوط النفسية التي يتعرض لها يتوقف على طبيعة شخصيته، فالبعض حين يتعرض للتهديد والضغط، يفكر في الحلول التي يمكن أن يلجأ إليها، مثل أن يقوم بإبلاغ الشرطة، أو إدارة الجامعة، أو يلجأ إلى أهله لمساعدته".

 

وأكد والد نيرة وأقرباء لها في أحاديثهم مع وسائل الإعلام، أنهم لم يكونوا على علم بالضغوط التي تمارس على الفتاة، وأنهم فوجئوا بوفاتها. وحاولت نيرة الزغبي - بحسب المعلومات المتداولة - أن تبحث عن حلول بنفسها من خلال توسيط أشخاص للحل، كما أنها أبلغت إدارة الجامعة للتدخل، لكن شيئاً لم يحدث.

 
الدكتور جمال فرويز

 

ويضيف الأستاذ الجامعي: "ثمة نوع آخر من الشخصيات يلجأ إلى رد فعل انتقامي، فمثلاً يمكن أن يقوم بمحاولة التقاط صور لتهديد من هددوه، أو يسعى لفضحهم وسبهم والانتقام منهم بصور شتى".

 

 يوصل استشاري الصحة النفسية حديثه: "ثمة نوع آخر من الشخصيات لا تتحمل الضغوط، خصوصاً في سن المراهقة من 14-24، وهذه الشخصيات قد تلجأ للانتحار، لأن الحياة تظلم أمامها، وتفكر في أن الأمر قد انتهى، وتم فضحهم، وأنهم جلبوا العار لأهلهم ولأنفسهم، ويرون أنه لا حل أمامهم إلا التخلص من الحياة".

 

دور الطبقة الاجتماعية

يلاحظ أستاذ علم الاجتماع بالجامعة المصريةر- اليابانية الدكتور سعيد صادق، أن معظم الحالات التي انتهت إما بالانتحار أو القتل، حدثت في مناطق ريفية أو بعيدة عن المدن الكبرى، وأن الضحايا ينتمون لطبقات اجتماعية وتعليمية متواضعة.

 

ويقول الدكتور صادق لـ"النهار العربي": "لدينا في السنوات الأخيرة ما بين 5 إلى 6 حالات لفتيات انتحرن أو قتلن بسبب محاولات الابتزاز الجنسي لهن، بداية من نيرة أشرف الطالبة بجامعة المنصورة، والتي ذُبحت على يد شاب أراد الزواج منها، وكان يهددها ويحاول ابتزازها، مروراً ببسنت خالد، وصولاً إلى نيرة الزغبي".

 
الدكتور سعيد صادق

 

ويشير عالم الاجتماع إلى أن "الجامعات الدولية والخاصة بمصر، مثل الجامعة الأميركية، والجامعة البريطانية، وغيرهم، قد يحدث فيها محاولات للابتزاز، لكن لا واقعة واحدة تنتهي بالانتحار أو القتل، لأن مؤسسة الأسرة في تلك الطبقات الاجتماعية قوية، وتفكر تفكيراً مختلفاً، وتلعب دوراً محورياً في حماية أبنائها، وتتصدى لمن يبتزهم، كما أن الجامعة تدرك أن عليها دوراً ولا بد لها أن تتحرك لوقف هذه الجرائم فوراً".

 

ويضيف صادق: "في الأقاليم والطبقات الاجتماعية المتواضعة، يكون مستوى الوعي بالحقوق منخفضاً، وثمة خوف من الوصم بالعار، وطريقة تفكير الأسر في المشكلة مختلف كثيراً، وهذا يحيلنا إلى نقطة بالغة الأهمية".

 

مؤسسات الضبط الاجتماعي

يتابع: "في العموم، هناك 5 مؤسسات تقوم بعملية الضبط الاجتماعي، لو حدث بها اهتزاز، تظهر المشكلات التي نراها حالياً في مجتمعنا. أول مؤسسة هي الأسرة، والثانية هي المؤسسة التعليمية، والثالثة الإعلام، أما الرابعة فهي المؤسسة الدينية، والخامسة هي المؤسسة التنفيذية (مثل الشرطة، والنيابة، والقضاء)".

 

ويعود صادق إلى حادثة نيرة الزغبي، ويقول "لقد تقدمت الفتاة ببلاغ لإدارة الكلية التي لم تتخذ إجراءات ضد من يقوم بابتزازها، وكان يجب أن تتخذ إجراءات، ويتم إبلاغ الشرطة على الفور. والأسرة لم تكن تعلم شيئاً عما يحدث لابنتها، هنا نجد أن مدى القوة والوعي لدى المؤسسة الأولى (الأسرة)، والانضباط لدى المؤسسة الثانية (المؤسسة التعليمية) كان يمكن أن يمنع الوصول إلى مرحلة الكارثة التي تعرضت لها الفتاة".

 

 

ويرى أستاذ علم الاجتماع أن "الكثير من المؤسسات التعليمية في مصر تم تخريبها من الداخل، وأصبحت إداراتها يسيطر عليها التطرف الديني، ولهذا انعكاساته الخطيرة على المجتمع، والنظرة للمرأة، وحقوقها، والحكم عليها أخلاقياً من خلال مظهرها الخارجي، إذا كانت ترتدي الحجاب أم لا".

 

ويلفت صادق إلى واقعة تحركت فيها المؤسسة التعليمية على الفور، وقامت بالتحقيق مع الطالبة التي اتهمت بازدراء الأديان، على الرغم من أن ما حدث كان خارج أسوار الجامعة، فيما في وقائع أخرى لم تحرك ساكناً.

 

ويقول: "اتهمت فتاة في جامعة سيناء، العام الماضي، بازدراء الأديان، لأنها بثت تدوينة على صفحتها بموقع "فايسبوك"، تعلن فيها أنها لم تعد مسلمة، فتحركت الجامعة على الفور للتحقيق معها، فيما في واقعتي نيرة أشرف ونيرة الزغبي، لم تحرك الجامعات ساكناً، باعتبار أن ما يحدث خارج أسوارها".

 

التهديد وسلب الاختيار

من جانبه، يقول المحامي المصري هاني صبري لـ"النهار العربي": "في تقديري أن ما اقترفته المتهمة بحق المجني عليها يعد جناية التهديد المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة 327 من قانون العقوبات التي تتوافر إذا وقع التهديد كتابة بارتكاب جريمة ضد النفس أو المال، وكان التهديد مصحوباً بطلب أو تكليف بأمر".

 

ويضيف صبري: "لا يشترط لقيام هذه الجريمة أن تكون عبارة التهديد دالة بذاتها إلى أن الجاني سوف يقوم بنفسه بارتكاب الجريمة إذا لم يجب إلى طلبه، بل يكفي أن يكون قد وجه التهديد كتابة إلى المجني عليها، وهو يدرك أثره من حيث إيقاع الرعب في نفسها، وأنه يريد تحقيق ذلك الأثر بما قد يترتب عليه أن تذعن المجني عليها رغماً إلى إجابة الطلب بغض النظر عما إذا كان الجاني قد قصد إلى تنفيذ التهديد فعلاً".

 
المحامي هاني صبري

 

ويرى المحامي أنه "يجب معاقبة المتهمة وفقاً لنص المادة 325 من قانون العقوبات. ومفاد نص المادة 325 أن ركن الإكراه في هذه الجريمة كما يكون مادياً باستعمال القوة والعنف، ويكون أدبياً بطريق التهديد، ويعد إكراهاً أدبياً كل ضغط على إرادة المجني عليها يعطل من حرية الاختيار لديها".

 

ويتوقع صبري أن "يتم إحالة المتهمة وكل من شارك في هذه الجريمة النكراء  إلى محكمة الجنايات لمحاكمة عاجلة، وفقاً لنص المادتين 325، و327 من قانون العقوبات"، مضيفاً "نناشد في حالة ثبوت الجريمة، توقيع أقصى عقوبة مقررة وفقاً للقانون، وذلك لتحقيق الردع العام والخاص لمنع كل من تسول له نفسه ارتكاب مثل هذه الجرائم التي تنال من قيم المجتمع".

 

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.