فتح محمود العرابي عينيه، وهو طفل صغير، فوجد جده مفتوناً بجمع التحف والمقتنيات القديمة أو "الأنتيكات" كما يسميها الكثير من المصريين. اجتذبته تلك الهواية التي تفوح منها رائحة سحر الماضي والأصالة، وعندما حصل الفتى الصغير على 500 جنيه للمرة الأولى في حياته، وكان في المرحلة الثانوية وقتها، سارع بتحقيق حلمه بأن يمتلك أول تحفة خاصة به، وكانت مطحنة بن عتيقة ذات طراز عثماني.
شهد الشاب المصري الذي بلغ من العمر 32 عاماً، أخيراً، مرحلة مهمة من بدايات انطفاء بريق العصر الذهبي لتلك الهواية التي طالما ارتبطت بالأثرياء و"الباشاوات" وعلية القوم في مصر، وبلغت أوجها في حقبة العصر الملكي الذي انتهى مع قيام ثورة 23 تموز (يوليو) 1952.
ويقول العرابي الذي بات خبيراً استشارياً معتمداً في مجال العملات التذكارية والتحف والطوابع لـ"النهار العربي": "لقد تراجعت هذه المهنة تدريجياً، خلال السنوات الماضية، وهي الآن توشك على الانقراض، وثمة عوامل عدة تضافرت معاً وأدت إلى هذه النتيجة المحزنة".

رحيل الجيل القديم
ويضيف الخبير: "رحل الجيل القديم الذي كان يعرف قيمة التحف، ويقدر القطع الأصلية، ويسافر إلى الخارج ليشتري أو يبيع تلك التحف. لقد بات ممنوعاً خروج التحف القديمة من مصر. أما الجيل الجديد فأغلبه لا يستطيع التمييز بين القطع الأصلية والمفبركة، خصوصاً مع تصنيع تحف مشابهة تماماً تأتي من الصين بأسعار رخيصة جداً مقارنة بالأصلية".
ويضرب العرابي مثالاً: "التمثال البرونزي الفرنسي الأصل الذي تبلغ القطعة منه ما يناهز 30 ألف جنيه مصري، توافرت نسخ مقلدة منه في الأسواق، وسعرها الحالي يبلغ قرابة 4 آلاف جنيه. هذا يجعل الكثير من المشترين يتساءلون: لماذا أشتري تمثالاً وأدفع 30 ألف جنيه، وهناك نسخة تشبهه تماماً ثمنها أقل من سبع سعره؟".

الأنتيكات والروبابكيا
لا تقديرات موثوقة تخبرنا بحجم هذه التجارة في مصر، لكنّ ثمة أرقاماً متداولة تشير إلى أن حجم تلك التجارة يراوح ما بين مليارين و10 مليارات جنيه مصري. اللافت في الأمر، هو أن هذه السوق التي يعمل قطاع كبير منها خارج الاقتصاد الرسمي، تضم أي سلع مستهلكة، أو كما يسميها المصريون "روبابكيا".
على سبيل المثال، نجد أسواقاً كسوق ديانا في وسط البلد بالعاصمة المصرية، وكذلك سوق السيدة عائشة، وغيرها من الأماكن التي يعرض الباعة بضائعهم فيها على الأرصفة وجوانب الطرق، تضم سلعاً بالية، إلى جانب بعض القطع القيمة، لكن الناس تعتبرها أسواقاً للأنتيكات، وهي في معظمها روبابكيا.
يروي أحمد مجدي، وهو شاب مصري في العشرينات من عمره، عن تجربته لـ"النهار العربي"، ويقول: "سمعت قصصاً عن الأنتيكات التي تباع بمبالغ طائلة، فحاولت تجربة حظي، وذهبت إلى سوق السيدة عائشة الذي يقام يوم الجمعة، وبدأت أنتقي بعض السلع القديمة، والتي ظننت من مظهرها الخارجي أنها أنتيكات".
ويضيف مجدي: "اشتريت نجفة نحاس "مجنزرة" يكسوها التراب، وكذلك تمثالاً رخامياً صغيراً تعلوه الأوساخ، وذهبت إلى منزلي تراودني أحلام الثراء السريع. قمت بتنظيف القطعتين، ثم عرضتهما بفخر على أحد التجار، فقال لي إنهما لا يستحقان شيئاً، فظننت أنه يراوغني حتى يشتريهما بسعر بخس، وبعد الذهاب لتاجر آخر قال الكلام نفسه، فبدأت أشك وأسأل في بعض الغروبات المتخصصة، واكتشفت أنهما بالفعل لا قيمة لهما، وليس كل ما هو قديم قيماً".

تأثير مواقع التواصل
تراجع عدد المتاجر التي تعمل في مجال التحف، ولم يعد يذهب إليها سوى عدد محدود للغاية من هواة اقتناء التحف الأصلية، كذلك لم يعد أحد يذهب إلى صالات المزادات لبيع تحفه، إلا في ما ندر، وباتت شبكات التواصل الاجتماعي وأسواق الإنترنت هي الوجهة الرئيسية لعرض تلك التحف.
وعن تأثير هذا يقول العرابي: "أضر الإنترنت ومواقع التواصل بهذه الهواية أيما ضرر، فقد دخل إليها من يفهمها ومن لا يعرف عنها شيئاً، وبتنا نرى تقييمات جزافية لأي شيء قديم. فمثلاً نجد شخصاً يعرض "باجور جاز" لا قيمة له، وهناك منه الكثير في البيوت المصرية على أنه أنتيكا، وسادت الشائعات المشهد، فبين الحين والآخر نسمع أن ملعقة أو عملة تساوي أكثر من ثمنها ألف مرة، وينجذب الناس لهذه الشائعات على أمل الثراء السريع".
هذه الفوضى حسبما يقول الخبير في مجال التحف والمقتنيات القديمة "ساهمت في الإضرار بتلك الهواية، وجعلت شيئاً لا تساوي قيمته 10 آلاف جنيه، يعرض على الإنترنت بسعر مليون جنيه. الكثير من المستخدمين لا يستطيعون تمييز القطع الأصلية التي تتضمن أختاماً أو توقيعات أو علامات مميزة، لا يعرفون أسماء الفنانين الذين تقدر لوحاتهم بملايين الجنيهات، ولا يميزون أعمالهم عن الأعمال التي لا تساوي شيئاً".
لكن على الجانب الآخر، تعد تلك المواقع منفذاً مهماً لبيع التحف بعدما عزف غالبية المشترين عن الذهاب إلى متاجر التحف والمقتنيات القديمة، فأصبح بعض تلك المتاجر يعرض مقتنياته على الإنترنت، حيث ثمة سوق واسعة، وفرص أكثر للبيع عبر شبكات التواصل.
ويقول محمد حافظ، وهو مالك لعدد من القطع القديمة التي ورثها عن والديه، وينوي بيعها: "أبحث عن شخص متخصص في بيع الأنتيكات لأن في إمكانه تقدير هذه التحف، ولم أعرضها على الإنترنت لأنه مكان يبدو بالنسبة لي فوضوياً. إذا كنت ترغب في بيع شيء أصيل فمن الأفضل أن تمنحه لمن يقدره تقديراً صحيحاً".
وعلى رغم تراجع هذه السوق واتجاهها نحو التلاشي بدلاً من الازدهار بسبب توافر تكنولوجيا المعلومات، وسهولة البيع والشراء عبر الإنترنت، قد يثير دهشتك أن ثمة من يشجعون على إقامة مشروعات في مجال بيع التحف والأنتيكات، ويصفونها بأنها مربحة، وتنشر بعض المواقع المتخصصة في أفكار المشروعات الصغيرة دراسات جدوى تشجع على العمل في هذا القطاع.
وبالاطلاع على بعض هذه الدراسات، يتبين أن المشروعات المقترحة تعتمد على التحف المقلدة، لا الأصلية، والتي تستخدم للديكور في تزيين المنازل والمكاتب وما إلى ذلك. وتضع تلك الدراسات في العناصر التي يجب أخذها في الاعتبار عند عمل مشروع كهذا، التعرف على المصانع التي يتم جلب التحف والأنتيكات منها، وهو ما قد يؤدي إلى المزيد من التراجع وربما اندثار تجارة التحف والمقتنيات القديمة في مصر، إذا لم يتم الانتباه لهذا المجال الذي لا يزال رائجاً في الكثير من دول العالم.
نبض