كثفت القاهرة تحركاتها السياسية والدبلوماسية، خلال الأسابيع الأخيرة، لتأمين مصالحها الإستراتيجية في منطقة القرن الأفريقي. ويأتي هذا في أعقاب أنشطة إثيوبية مثيرة للجدل، وصفها سياسيون ومحللون بأنها تزعزع الأمن والاستقرار في تلك المنطقة الملتهبة، وكذلك بعد تعثر المفاوضات بشأن أزمة سد النهضة، ووصولها لطريق مسدود "بسبب التعنت الإثيوبي"، وفق ما يقوله سياسيون وخبراء مصريون مطلعون على تلك المفاوضات التي استمرت لنحو 12 عاماً.
ويتوقع الخبير في الشؤون الأفريقية ورئيس مؤسسة النيل للدراسات الأفريقية والاستراتيجية الدكتور محمد عز الدين أن تحمل الأيام المقبلة مزيداً الوضوح في تلك المنطقة، وأن يتزايد الدور المصري فيها، لأنها تحوي مصالح استراتيجية وشواغل تتعلق بالأمن القومي للبلاد.
ويقول الخبير لـ"النهار العربي" إن "سلوك رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مع جيرانه، يثير الكثير من التوترات في منطقة القرن الأفريقي، وقد حدث هذا حتى مع أسمرة التي وقعت اتفاقاً للسلام مع أديس أبابا بعد صراعات استمرت لنحو قرنين، وقد انتكست علاقاتهما بسبب أفعال آبي أحمد".

ولفت إلى أن "ثمة توترات أخرى أحدثها رئيس الوزراء الإثيوبي مع كل من الصومال وجيبوتي"، كما أن "الاقتتال الداخلي مع قبائل أمهرة، والتوترات مع قبائل التغراي، تثير مخاوف دول القرن الأفريقي من تمدد الصراع إلى أراضيها".
3 مصالح استراتيجية
وتتكون المصالح المصرية في منطقة القرن الأفريقي من 3 عناصر رئيسية، الأولى هي ضمان استمرار تدفق مياه نهر النيل، وحصول القاهرة على حصتها التي تبلغ 55.5 مليار متر مكعب، وهي مصلحة باتت مهددة بعدما قامت إثيوبيا ببناء سد النهضة على النيل الأزرق، وقامت بملئه 4 مرات بقرار فردي أغضب مصر والسودان، وقد أعلنت القاهرة انتهاء المسار التفاوضي مع إثيوبيا، نهايات العام الماضي، بعد 12 عاماً من التفاوض المضني دون ثمار.
والمصلحة الثانية تتمثل في حفظ الأمن الإقليمي في تلك المنطقة التي تعج بالصراعات وعدم الاستقرار منذ عقود طويلة، خصوصاً في ما يتعلق بمكافحة الجماعات الإرهابية، وكذلك القرصنة التي تهدد الملاحة في البحر الأحمر، ومن ثم تؤثر على قناة السويس، التي شهدت انخفاضاً في عوائدها بنحو 46 بالمئة، أخيراً، بسبب هجمات الحوثيين على السفن المارة من البحر الأحمر، بعد اندلاع الحرب في قطاع غزة.
المصلحة الثالثة تتعلق بتوسيع التعاون الاستثماري والتجاري مع بلدان تلك المنطقة. وثمة العديد من الفرص التي تتم دراستها والتفاوض عليها بالفعل حالياً مع الصومال وإريتريا، في مجالات الربط الكهربائي، والتصنيع، وحفر الآبار، وبناء السدود، وغير ذلك. كما أن حجم التبادل التجاري بين القاهرة ومقديشو وأسمرة أخذ في الصعود بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة.

ويقول السفير إبراهيم الشويمي مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الأفريقية لـ"النهار العربي" إن "مصر تسلك دائماً المسار الدبلوماسي، والتعاون، وتحترم القانون الدولي، وتسعى دائماً إلى تهدئة التوترات لا إشعالها، ومن ثم فإن تأمينها لمصالحها في القرن الأفريقي أو في أفريقيا عامةً، يعتمد على هذه الثوابت".
لقاءان مهمان
وفي الأسابيع الأخيرة استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره الإريتري أسياس أفورقي في القاهرة، وهذه هي الزيارة السادسة للرئيس الإريتري للعاصمة المصرية منذ عام 2014. وقد أكد الجانبان اهتمامها بمواصلة تطوير العلاقات الثنائية بما يحقق نقلة في مستوى التعاون وعمقه بين الجانبين في مختلف المجالات الاقتصادية والتجارية والأمنية، وذلك بحسب بيان رسمي نشره المتحدث باسم رئاسة الجمهورية المصرية المستشار أحمد فهمي، السبت الماضي.
وقبل نحو 4 أسابيع، التقى الرئيس المصري بالرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، ووجه السيسي تحذيراً مباشراً للحكومة الإثيوبية على خلفية توقيعها اتفاقاً مع إقليم أرض الصومال الانفصالي، في بدايات شهر كانون الثاني (يناير) الماضي، يتيح لها الاستفادة من ميناء بربرة الصومالي، وبناء قاعدة عسكرية على البحر الأحمر بطول 20 كليومتراً.

وقال السيسي خلال مؤتمر صحافي، عقد بعد لقاء جمعه بالرئيس الصومالي في قصر الاتحادية في العاصمة المصرية، موجهاً حديثه للإثيوبيين: "لن نسمح أن يهدد أحد الصومال، ولن نسمح بأن يمسّ أحد الصومال، وأنا أقول هذا الكلام بمنتهى الوضوح، لا يجرب أحدٌ مصر ويحاول أن يهدد أشقاءها، خصوصاً لو طلب أشقاؤها أن نكون موجودين معهم".
ويعتقد عز الدين أن "إثيوبيا لديها وهم بأنها امتلكت النيل، ويمكنها أن تمتلك البحر الأحمر، ومصر تدرك أن لدى حكومة آبي أحمد أطماعاً في امتلاك منفذ على البحر الأحمر"، ويقول "نحن نعلم أيضاً أن وجود دولة مثل إثيوبيا وبعض الدول الأخرى التي تثير الاقتتال وعدم الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، قد يثير المزيد من التوترات في البحر الأحمر، ويهدد مصالح دول شقيقة وصديقة".
حصار وضغوط
تستخدم أديس أبابا ميناء جيبوتي في استيراد وتصدير احتياجاتها، ويعد المنفذ البحري الوحيد لإثيوبيا، وتعتمد على سكك حديد تصل من الميناء إلى العاصمة الإثيوبية لنقل البضائع منها وإليها. ويرى البعض أنه ربما يكون بمقدور مصر أن تستخدم صلاتها بجيبوتي كدولة عربية شقيقة، في الضغط على حكومة آبي أحمد، سواء مباشرة، أو من خلال جامعة الدول العربية.
ويعلق عز الدين على هذا التصور، ويقول: "تترفع مصر عن التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة، ولا تملي شروطها على الدول"، لافتاً إلى أن "إثيوبيا نفسها، للأسف الشديد، لديها سلوك سيئ في التعامل مع جيرانها، يخرب علاقاتها معهم، ويثير المشكلات في المنطقة".

ويضيف الخبير: "على سبيل المثال استقبال آبي أحمد غير اللائق للرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلي، وكذلك استقباله للرئيس الصومالي شيخ محمود، كلاهما كان استقبالاً لا يليق برئيس دولة بروتوكولياً. ولهذا السبب وغيره فإن العلاقات متوترة بالفعل بين أديس أبابا وجيبوتي ومقديشو وأسمرة، وهذا بدون تدخل جامعة الدول العربية أو مصر".
نبض